ملخص
تكثف أوكرانيا هجماتها على مصافي النفط والناقلات والمنشآت اللوجستية داخل روسيا وفي البحر الأسود، في محاولة لإضعاف مصادر التمويل التي يعتمد عليها الكرملين في مواصلة الحرب.
تواصل أوكرانيا تكثيف هجماتها على البنية التحتية الحيوية داخل روسيا، مستهدفة مصافي النفط والناقلات ومستودعات التخزين، في إطار استراتيجية تهدف إلى إضعاف أحد أهم مصادر تمويل آلة الحرب الروسية والضغط على موسكو في العمق.
وقالت كييف إن هجومين استهدفا مصفاتين روسيتين للنفط مساء الجمعة الماضي، فيما أظهرت مقاطع فيديو لم يجرَ التحقق منها اندلاع حريق في إحدى المنشآت.
وتزامنت هذه الهجمات مع استمرار العمليات الأوكرانية ضد ما يعرف بـ"أسطول الظل" الروسي في البحر الأسود وبحر آزوف، إذ تقول كييف إنها تمكنت من استهداف مئات الناقلات، بينها نحو 12 سفينة خلال الأسبوع الماضي وحده.
وتأتي هذه التطورات في وقت يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تشديد قبضته على المعلومات المتداولة داخل بلاده، بعد موجة من الهجمات الأوكرانية بطائرات مسيّرة على منشآت اقتصادية ولوجستية روسية.
وخلال أقل من ثلاثة أسابيع، تعرض نحو 20 مستودعاً تابعاً لشركة "وايلدبيريز"، التي توصف بأنها النسخة الروسية من "أمازون"، لهجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية، أسفرت عن مقتل 13 شخصاً على الأقل، وفق المعلومات الواردة من الجانب الأوكراني.
استهداف "أسطول الظل"
وقالت وحدة أوكرانية متخصصة في الطائرات المسيّرة إنها استهدفت 12 سفينة روسية تابعة لـ"أسطول الظل" في البحر الأسود خلال الأسبوع الماضي.
وتأتي هذه الهجمات في إطار عملية أطلقت عليها كييف اسم "مولوتشكا"، وتهدف إلى تضييق الخناق على النشاط الروسي في البحر الأسود وبحر آزوف، وقطع طرق الإمداد والتجارة التي تعتمد عليها موسكو.
ويشير مصطلح "أسطول الظل" إلى شبكة من السفن التي تستخدمها روسيا للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على صادراتها النفطية، من خلال تغيير الملكية والأعلام ومسارات الشحن، واستخدام ترتيبات مالية ولوجستية معقدة لتسهيل نقل النفط والمنتجات النفطية إلى الأسواق الخارجية.
ويمثل هذا الأسطول شرياناً مهماً للاقتصاد الروسي، إذ يساعد موسكو في الحفاظ على تدفقات صادرات الطاقة رغم القيود الغربية.
وكان بحر آزوف لأعوام منطقة يصعب على الطائرات المسيّرة الأوكرانية الوصول إليها، وهو ما أتاح لروسيا استخدام شبه جزيرة القرم كنقطة انطلاق لهجمات على جنوب أوكرانيا، إلى جانب استخدامها المنطقة لتسهيل صادرات الوقود.
لكن التطور السريع في قدرات الطائرات المسيّرة الأوكرانية غيّر المعادلة، وأتاح لكييف استهداف مواقع وسفن على مسافات أبعد.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، قال قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية، روبرت بروفدي، المعروف باسم "ماغيار"، إن قواته تعتزم "عزل شبه جزيرة القرم في المستقبل القريب"، في إشارة إلى خططها لقطع خطوط الملاحة والإمداد الروسية في المنطقة.
أوكرانيا تضرب مصافي النفط الروسية
وإلى جانب استهداف السفن، كثفت أوكرانيا هجماتها على صناعة تكرير النفط الروسية، التي تعد من أهم ركائز الاقتصاد وتمويل العمليات العسكرية.
وظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع لم يجرَ التحقق منها بدت فيها أبراج نفطية مشتعلة وهي تطلق سحباً كثيفة من الدخان الرمادي، وقيل إن الموقع هو مصفاة سيزران النفطية في منطقة سامارا جنوب غربي روسيا، على بعد نحو 1100 كيلومتر من الحدود الأوكرانية.
وفي جنوب روسيا، قالت كييف إنها استهدفت أيضاً مصفاة إيلسكي في إقليم كراسنودار.
وقالت القوات المسلحة الأوكرانية إن المنشأة تعد من المواقع الرئيسة في صناعة تكرير النفط في منطقة سامارا، وإنها توفر الوقود، من بين أمور أخرى، لتلبية احتياجات القوات المسلحة الروسية.
وتأتي هذه الهجمات ضمن سلسلة من الضربات الأوكرانية الأخيرة التي استهدفت مصافي نفط ومنشآت رئيسة مرتبطة بإنتاج الطاقة والصناعة العسكرية الروسية.
وتحاول كييف من خلال هذه الاستراتيجية إضعاف البنية التحتية التي تعتمد عليها موسكو في تمويل الحرب، إذ إن تعطيل عمليات تكرير النفط يمكن أن يؤدي إلى خفض الإيرادات، إضافة إلى إحداث نقص في الوقود داخل السوق الروسية.
وقد بدأت الهجمات فعلاً في إحداث ضغوط على إمدادات الوقود، مع ظهور مؤشرات إلى نقص في بعض المناطق الروسية.
وتراهن أوكرانيا على أن يؤدي تعطيل صناعة الطاقة إلى تأثير مزدوج: تقليص الأموال التي تستطيع الحكومة الروسية توجيهها إلى الإنفاق العسكري، وزيادة الضغوط الاقتصادية على المواطنين الروس، بما قد يضعف الدعم الشعبي للحرب.
روسيا تستهدف منشآت الإنتاج الأوكرانية
في المقابل، بدأت روسيا باستهداف منشآت الإنتاج التي توفر لأوكرانيا القدرة على تنفيذ الضربات بعيدة المدى.
ومن بين المنشآت التي قيل إنها تعرضت للقصف مصنع "فاير بوينت"، التابع لإحدى شركات الصناعات الدفاعية الأوكرانية الرئيسية، الذي يعد أحد مواقع إنتاج صاروخ "فلامينغو" المجنح.
وتشير المعلومات الواردة إلى أن المصنع قادر على إنتاج نحو 100 صاروخ من هذا النوع يومياً، مع قدرة الصاروخ على حمل ما يصل إلى 1150 كيلوغراماً من المتفجرات.
واستخدمت هذه الصواريخ في هجوم أوكراني استهدف مصنعاً عسكرياً روسياً في مدينة تشيبوكساري خلال يونيو الماضي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن ثم، يُنظر إلى الضربة الروسية الأخيرة على المصنع باعتبارها رداً مباشراً على الأضرار التي لحقت بالمنشآت العسكرية الروسية نتيجة الهجمات الأوكرانية.
معركة اقتصادية تتوسع
وبذلك، تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة لا تقتصر فيها المواجهة على خطوط الجبهة التقليدية، بل تمتد بصورة متزايدة إلى البنية التحتية للطاقة والنقل والصناعة والقطاع المالي.
وتحاول أوكرانيا من خلال استهداف مصافي النفط والناقلات المرتبطة بـ"أسطول الظل" إضعاف قدرة موسكو على تحقيق الإيرادات من صادرات الطاقة، في وقت تواجه فيه روسيا بالفعل ضغوط العقوبات الغربية وتكاليف الحرب المرتفعة.
وفي المقابل، تسعى روسيا إلى إضعاف قدرة أوكرانيا على مواصلة هجماتها بعيدة المدى من خلال ضرب المصانع والمنشآت التي تنتج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتشير هذه التطورات إلى أن الحرب باتت تعتمد بصورة متزايدة على القدرة على استهداف الاقتصاد والبنية التحتية للخصم، وليس فقط على السيطرة على الأراضي.
وبالنسبة إلى موسكو، فإن استمرار الضربات على صناعة النفط والأسطول الذي يساعدها في الالتفاف على العقوبات يمثل تحدياً اقتصادياً وعسكرياً في آن واحد، خصوصاً إذا استمرت الهجمات في تعطيل إمدادات الوقود وخفض عوائد الطاقة.
أما بالنسبة إلى كييف، فإن توسيع نطاق الضربات يمنحها قدرة أكبر على الضغط على روسيا، لكنه يرفع في الوقت ذاته خطر التصعيد، خصوصاً مع التحذيرات من احتمال اختبار موسكو حدود التزام حلف شمال الأطلسي بأمن أعضائه.
وفي ظل استمرار الطرفين في تطوير قدراتهما بعيدة المدى، يبدو أن المعركة المقبلة لن تحددها التحركات العسكرية على الجبهة وحدها، بل قدرة كل طرف على حماية مصادر الطاقة والإنتاج والتمويل التي تمكنه من مواصلة الحرب.