ملخص
لنتصور أن الاحتجاجات المهنية لا تزال مستمرة حتى الآن في عدد من المدن الإيرانية، على رغم أن البلاد تعيش حال حرب. وتستخدم السلطة آلة القمع والاعتقالات وأحكام الإعدام للحيلولة دون تحول هذه الاحتجاجات إلى حركة سياسية واسعة تهدد النظام.
أعلن مسؤولون في حكومة مسعود بزشكيان، من بينهم وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي عباس صالحي ومساعد الرئيس بزشكيان لشؤون التنمية الريفية والمناطق المحرومة عبدالكريم حسين زاده ومستشار الرئيس محمد رضا جلايي بور أنهم أجروا اتصالات بعدد من أساتذة الجامعات والمعارضين السياسيين والفنانين المقيمين في الخارج، ودعوهم إلى زيارة إيران والبقاء فيها، أو العودة لها بعد أعوام من الإقامة في المنفى.
وتحدث عباس صالحي عن أكثر من 100 شخصية معارضة جرى الاتصال بها وعُرضت عليها زيارة إيران، تقديراً لما وصفه بوقوفها إلى جانب الوطن خلال الحرب الأميركية – الإسرائيلية، وأشار إلى عدد من هذه الشخصيات، من بينهم المفكر الديني عبدالكريم سروش والباحث في الفكر الديني محسن كديور ووزير الثقافة السابق عطاء الله مهاجراني والناشطان اليساريان فرخ نكهدار ومليحة محمدي والباحث والناشط السياسي أكبر غنجي، وعلي أفشاري، أحد الناشطين في صفوف المعارضة في الولايات المتحدة والإعلامي مسعود بهنود وبرستو فروهر.
وبرستو فروهر هي ابنة بروانه إسكندري، الكاتبة والمعارضة السياسية، وداريوش فروهر، وزير العمل في أوائل الثورة وزعيم حزب الشعب الإيراني الذي أصبح لاحقاً من المعارضين للسلطة. واغتيل والداها في أواخر عام 1998 على أيدي عناصر من وزارة الاستخبارات خلال عهد الرئيس محمد خاتمي وتم تشويه جثتيهما.
قائمة المدعوين
وتحدثت مواقع إيرانية عن أسماء أخرى قيل إن الحكومة أجرت اتصالات بها ودعتها إلى زيارة إيران، من بينها الفيلسوف الإسلامي وأستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة جورج واشنطن سيد حسين نصر، والأستاذ السابق في عدد من الجامعات البريطانية والباحث في التاريخ والسياسة والمجتمع الإيراني همايون كاتوزيان وأحمد سلامتيان، المعارض السياسي والعضو السابق في البرلمان الإيراني وأحد المقربين من الرئيس السابق أبو الحسن بني صدر، والباحث في العلوم السياسية والمنظّر البارز للإصلاحات السياسية خلال عهد الرئيس محمد خاتمي والأستاذ السابق في الجامعات الأميركية حسين بشيرية، والمعارض السياسي والصحافي والسجين السياسي السابق علي رضا رجائي وتريتا بارسي أحد الأعضاء المؤسسين للمجلس الوطني الإيراني - الأميركي (NIAC) في الولايات المتحدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وضمت القائمة أيضاً الكاتب والباحث في الشؤون الإيرانية والباحث في الجامعات الفرنسية بابك مينا والممثلة والناشطة الاجتماعية شقايق نوروزي والناشط والمعارض السياسي المقيم في فرنسا حمزة غالبي والمدوّن والإعلامي المعارض روح الله شهسوار وعالم الاجتماع والأستاذ في جامعة "ليك فورست" الأميركية أحمد صدري، وشقيقه محمود صدري، وهو أيضاً عالم اجتماع وأستاذ في جامعة النساء في تكساس وأبو الفضل فاتح الطبيب والصحافي والناشط السياسي وأحد أنصار مير حسين موسوي، والباحث في علم الاجتماع علي هنري وعبد العلي بازرگان، الناشط السياسي ونجل مهدي بازرگان، أول رئيس وزراء لإيران بعد الثورة، والباحث في الفلسفة والأستاذ في إحدى جامعات ولاية بنسلفانيا آرش نراقي والصحافي المقيم في بلجيكا رجب علي مزروعي والكاتب والباحث في الشؤون الفلسفية والأستاذ في الجامعات الفرنسية رضا بهشتي مُعز والممثل والمبرمج ومقدم البرامج إحسان منصوري والصحافي والمدوّن مهدي جامي، وحسين كمالي، الباحث في الشؤون الإسلامية والحائز على كرسي الإمام علي في جامعة "هارتفورد" الدولية للدين والسلام، والباحث في الشؤون الفلسفية والمعالج النفسي المقيم في كندا حسين كاجي.
وشملت الأسماء كذلك، أستاذ علم الاجتماع ودراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك ومدير مركز الدراسات الإيرانية فيها علي ميرسباسي وحسن يوسفي إشكوري، الكاتب والباحث وعالم الدين والصحافي ومن الشخصيات المنتمية إلى التيار القومي - الإسلامي والنائب السابق في الدورة الأولى للبرلمان الإيراني بعد الثورة، والباحث في التاريخ والمحلل السياسي المقيم في كندا علي رضا نامور حقيقي، والباحث في العلوم السياسية والأستاذ المشارك في معهد الدراسات الإسماعيلية في المملكة المتحدة داريوش محمد بور والباحثة والمحاضرة في الفلسفة في جامعتي "كونكورديا" و"ماكغيل" في كندا نسيم نوروزي، وتورج دريائي الباحث والمؤرخ المتخصص في الدراسات الإيرانية، وهو حالياً أستاذ التاريخ والدراسات الإيرانية والثقافة في "جامعة كاليفورنيا"، وحميد دباشي الناقد السياسي والصحافي وعالم الاجتماع والمتخصص في الثقافة الإسلامية وأستاذ الأدب المقارن والدراسات الإيرانية في "جامعة كولومبيا" بمدينة نيويورك، ونكار مرتضوي، الصحافية والمحللة السياسية والمحررة ومقدمة البرامج الصوتية، والمعروفة بقربها من الإصلاحيين والمجلس الوطني الإيراني - الأميركي (NIAC) في الولايات المتحدة.
أسئلة حول الصدق
ومن ضمن الشخصيات التي قيل إن الحكومة أجرت اتصالات بها حسين درخشان، المدوّن والصحافي الإيراني - الكندي الذي اعتُقل في طهران في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، وحُكم عليه بالسجن 19 عاماً وستة أشهر، مع منعه لمدة خمس سنوات من عضوية الأحزاب والنشاط الإعلامي. وأُفرج عنه بعد سبع سنوات، في الـ18 من نوفمبر (2015، بموجب عفو من المرشد الأعلى، ويقيم حالياً في لندن. وأيضاً هادي كحال زاده، الباحث في الاقتصاد السياسي والسياسة الاجتماعية والناشط السياسي السابق في إيران، ويعمل حالياً في مجال البحث العلمي في إحدى الجامعات الأميركية، وولي نصر، عالم الاجتماع والباحث في الشؤون الإسلامية والمفكر السياسي والمعلّق على القضايا الدولية والإيرانية - الأميركية، وهو أستاذ كرسي مجيد خدوري للعلاقات الدولية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بـ"جامعة جونز هوبكنز".
وعاد بالفعل المطرب المعارض محسن نامجو لإيران، بعد أن أمضى 20 عاماً في الولايات المتحدة.
وهذه ليست المرة الأولى التي يدعو فيها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان شخصيات معارضة إلى العودة للوطن، غير أن المواجهات التي تعرض لها بعض العائدين في السابق، واستدعاءهم من قبل الأجهزة الأمنية، بل اعتقال بعضهم، تثير أسئلة جدية حول مدى صدق حكومة بزشكيان في دعوتها هذه، وحول قدرتها الفعلية على ضمان أمن من تستضيفهم وسلامتهم.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك أحمد رضا جلالي، الطبيب والباحث في إدارة الأزمات الذي يحمل الجنسيتين الإيرانية والسويدية، وقد حُكم عليه بالإعدام في إيران بتهمة التجسس. واعتُقل خلال زيارة له إلى إيران في ربيع عام 2016، بعدما سافر إليها بدعوة رسمية من جامعتي "طهران" و"شيراز" للمشاركة في مؤتمرات علمية.
ويضع بعضهم هؤلاء المدعوين ضمن ما يسمى "المعارضة المروضة"، أو "المعارضة القريبة من النظام" في مقابل "المعارضة الخارجة عن دائرته"، أو وفق تعبير استخدمه أحد المسؤولين الإيرانيين، "المعارضة الحميدة" في مقابل "المعارضة الخبيثة".
وإذا سلّمنا بأن حكومة مسعود بزشكيان ووزارة استخباراتها تضمنان أمن المدعوين وسلامتهم، فماذا سيكون موقف الحكومة إذا أقدم جهاز استخبارات "الحرس الثوري" على اعتقال أحدهم؟ فهذا الجهاز يرتبط، في بنيته السياسية والأمنية، بمؤسسات "الحرس" وبمكتب المرشد الأعلى. وهل نسّقت الحكومة في هذا الشأن مع السلطة القضائية التي تهيمن عليها شخصيات من التيار المحافظ والمتشدد؟
وفي حين رحب الإصلاحيون بهذه المبادرة وعَدّوها خطوة على طريق الانفتاح السياسي والاجتماعي، رأى منتقدو النظام فيها خطوة ذات طابع دعائي ومسرحي، معتبرين أن الحكومة، في ظل الضغوط المستمرة والاعتقالات وأحكام الإعدام، تستخدم دعوة الشخصيات البارزة من الخارج كعرض دعائي لإضفاء قدر من الشرعية على صورتها وتلطيفها في الداخل والخارج.
ويعتقد هؤلاء أيضاً بأن هذا النهج الانتقائي الذي تتبعه الحكومة قد يكون مصمماً بصورة متعمدة لإحداث انقسامات وزرع التشاؤم وتعميق الخلافات بين قوى المعارضة في الخارج.
في المقابل، يرى الموالون للحكومة وبعض المحللين الإصلاحيين أن العودة للوطن حق لكل مواطن إيراني يقيم في الخارج، ويعتبرون تقليل القيود والعوائق أمام عودة الفنانين والمثقفين والنقاد خطوة إيجابية نحو تخفيف التوترات الداخلية والاستفادة من الطاقات الثقافية والفكرية للبلاد.
بعد انتهاء الحرب
ويُقدَّر عدد الإيرانيين المقيمين خارج البلاد بنحو 4 ملايين شخص، هاجر معظمهم بعد قيام الثورة عام 1979.
وعلى رغم تصنيف النظام الإيراني ضمن الأنظمة السلطوية، شهدت الحياة السياسية الإيرانية تطورات مهمة، ولا سيما في ظل الهجمات التي شنتها القوات الأميركية والإسرائيلية خلال عامي 2025 و2026.
فقد تمكنت حكومة بزشكيان من استقطاب بعض عناصر ما يمكن وصفه بـ"المعارضة الحميدة" إلى صفوفها أو إلى محيطها السياسي، ومن بينهم السجين السابق محمد رضا جلايي بور، ومحمد رضا عطريان فر، رئيس تحرير صحيفة "همشهري" سابقاً الذي اعتُقل خلال أحداث الحركة الخضراء عام 2009، وشمس الواعظين، الصحافي الذي مُنع من ممارسة النشاط الصحافي لفترة طويلة إثر إغلاق الصحف التي كان يديرها أو يعمل فيها، ومن بينها "جامعة" و"طوس" و"نشاط" و"عصر آزادغان" و"غوناغون"، فضلاً عن مجلة "كيان".
وكانت مجلة "كيان" منبراً مهماً لعدد من المفكرين والمثقفين الدينيين، من بينهم عبدالكريم سروش وسعيد حجاريان ومصطفى رخ صفت ورضا طهراني، وكان لها تأثير فكري وسياسي في الأجواء الثقافية والسياسية الإيرانية، وأسهمت، فضلاً عن عوامل أخرى، في تهيئة المناخ الفكري والسياسي الذي سبق انتخاب محمد خاتمي رئيساً للجمهورية عام 1997.
لقد تمكن النظام الإيراني، حتى الآن، من تجاوز الأخطار الهائلة الناجمة عن الهجوم الخارجي الذي هدد وجوده، في ظل التفاف قطاعات وفئات واسعة من المعارضة الإيرانية حول ما تصفه بـ"راية الوطن". ويستثنى من ذلك، في تقديري، التيار الملكي بزعامة رضا بهلوي الذي اصطف إلى جانب إسرائيل أملاً في الوصول إلى السلطة بمساعدتها، غير أن هذا الرهان انتهى إلى الفشل.
ومن خلال متابعتي لما شهدته البلاد من أحداث وللمواقف التي اتخذتها القوى السياسية المختلفة إزاء الحرب على إيران، يبدو لي أن أي تغيير سياسي جوهري في البلاد لن يحدث إلا بعد انتهاء الحرب وانهيار هذا التحالف، لأن السبب الذي أدى إلى نشوئه، أي الحرب، سوف يزول بانتهائها.
ولنتصور أن الاحتجاجات المهنية لا تزال مستمرة حتى الآن في عدد من المدن الإيرانية، على رغم أن البلاد تعيش حال حرب. وتستخدم السلطة آلة القمع والاعتقالات وأحكام الإعدام للحيلولة دون تحول هذه الاحتجاجات إلى حركة سياسية واسعة تهدد النظام.
لكن في حال انتهاء الحرب، قد نشهد عودة الاحتجاجات واتساع نطاقها، وربما تطورها إلى موجة سياسية واسعة. وعندها قد يتعرض النظام السياسي لتغييرات عميقة، ولا سيما إذا بدأت العقوبات الأميركية القصوى تؤتي ثمارها وتفاقمت آثارها الاقتصادية والاجتماعية.