ملخص
جذب المغرب صناع فيلم "أوديسة"، المقتبس من الملحمة الإغريقية الشهيرة المنسوبة إلى هوميروس، التي تحكي رحلة البطل أوديسيوس الطويلة والشاقة للعودة إلى جزيرته إيثاكا بعد "حرب طروادة"، بفضل المؤهلات الطبيعية للمملكة وتاريخها الطويل في استقطاب أبرز وأشهر الأفلام العالمية.
شكَّلت مواقع وفضاءات طبيعية وتاريخية في المغرب جزءاً أساساً من مشاهد تصوير فيلم "أوديسة" الملحمي للمخرج العالمي كريستوفر نولان، الذي يعرف نجاحاً كبيراً في شباك التذاكر في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، إذ بلغت إيراداته العالمية 640 مليون دولار خلال أسبوعين فقط.
ويرى مراقبون أن استقطاب المغرب إنتاجاً سينمائياً عالمياً من حجم فيلم "أوديسة" يتجاوز المكاسب الفنية والسينمائية البحتة، لينعكس إيجاباً على الاقتصاد المحلي وتنشيط "السياحة السينمائية" بالبلاد، وهو ما جعل المغرب يضع السينما، خصوصاً تصوير الإنتاجات العالمية، في صلب "دبلوماسيته الناعمة"، مثل كرة القدم والتراث وغيرهما.
"أوديسة" في المغرب
جذب المغرب صناع فيلم "أوديسة"، المقتبس من الملحمة الإغريقية الشهيرة المنسوبة إلى هوميروس، التي تحكي رحلة البطل أوديسيوس الطويلة والشاقة للعودة إلى جزيرته إيثاكا بعد "حرب طروادة"، بفضل المؤهلات الطبيعية للمملكة وتاريخها الطويل في استقطاب أبرز وأشهر الأفلام العالمية.
واختار المخرج نولان، الحائز جائزة الأوسكار عام 2024 بفضل فيلمه "أوبنهايمر"، تصوير المشاهد الرئيسة من فيلم "أوديسة" في قصبة "آيت بن حدو" بإقليم ورزازات، المصنفة ضمن التراث العالمي لليونيسكو، حيث بنيت بجوارها مدينة موقتة تمثل "طروادة"، تضم أسواراً ومعابد ومبان خاصة بهذا الفيلم.
وصورت باقي مشاهد "أوديسة" في شواطئ وأسوار مدينة الصويرة التاريخية، خصوصاً مشاهد وصول الحصان الخشبي إلى الساحل، كذلك صورت مشاهد داخلية بمدينة مراكش، من ضمنها مشاهد قصر الملك مينيلاوس، وأخرى في منطقة "الكثيب الأبيض" بمدينة الداخلة في الصحراء المغربية، حيث جسدت "جزيرة أوجيجيا" التي احتجزت فيها الحورية كاليبسو البطل أوديسيوس أعواماً عدة.
وليست المؤهلات والمناظر الطبيعية المتنوعة من سواحل وشواطئ وجبال ومدن عتيقة وحدها العامل الحاسم الذي جذب "أوديسة" إلى المغرب، بل أيضاً وجود تحفيزات مالية وإدارية ميسرة لتصوير الأعمال السينمائية الأجنبية، والتوفر على بنيات تحتية سينمائية بمواصفات عالمية، لا سيما استوديوهات التصوير في مدينة ورزازات، التي تلقب بـ"هوليوود أفريقيا"، بفضل الكم الهائل من الأفلام العالمية التي صورت فيها.
واستقطب المغرب، قديماً وحديثاً، أكثر الأفلام السينمائية شهرة وتأثيراً في العالم، من أهمها "لورنس العرب" من بطولة النجم المصري الراحل عمر الشريف، وفيلم "المومياء"، وفيلم "المصارع" (Gladiator) بجزأيه الأول والثاني، وفيلم "مملكة السماء"، وفيلم "بابل"، وفيلم "إنديانا جونز وقرص القدر"، وأفلام سينمائية عالمية أخرى.
رافعة سينمائية
يعلق محمد نبيل، مخرج مقيم في برلين، على الموضوع بالقول إن مسألة تصوير الأفلام الهوليوودية في المغرب تعكس قدرة المملكة على استقطاب كبريات الإنتاجات السينمائية العالمية، بفضل ما توفره من تنوع طبيعي وجغرافي وغنى في الفضاءات ومرونة في ظروف التصوير، إلى جانب كلفة إنتاج تنافسية مقارنة بعدد من الوجهات السينمائية الأخرى في العالم.
وأفاد نبيل بأن هذه الأعمال السينمائية تمنح، في الآن ذاته، صورة عن المغرب وتعدد مشاهده الطبيعية، بما يجعله فضاءً جذاباً لصناع السينما في العالم الباحثين عن مواقع تصوير قادرة على تجسيد عوالم وأزمنة مختلفة.
وأضاف المتحدث أن هذا الحضور المتزايد للإنتاجات العالمية يطرح، في المقابل، سؤالاً نقدياً أعمق، يتمثل في مدى قدرة المغرب على تجاوز مسألة كونه مجرد خلفية بصرية جميلة لقصص تكتب وتنتج خارج حدوده، نحو تحويل هذا الزخم إلى رافعة حقيقية لتعزيز حضوره الثقافي والسينمائي، وترسيخ صورته التي يصنعها بنفسه، انطلاقاً من تاريخه وهويته وروايته الخاصة، وليس فقط من خلال ما يقدمه الآخرون عنه أو يصورونه فوق أراضيه.
وأكد المخرج نفسه أن النقاش حول هذه الظاهرة يقتضي مقاربة شمولية، بعيدة من القراءة الأحادية التي تختزلها في بعدها الاقتصادي أو الترويجي فحسب، لأن آثارها تمتد أيضاً إلى مجالات الثقافة والصناعة الإبداعية ونقل الخبرات وتكوين الكفاءات والتسويق الترابي وبناء القوة الناعمة للمغرب، بما يجعل الاستفادة منها رهينة بقدرة الفاعلين على تحويل استضافة الإنتاجات الأجنبية إلى فرصة لإنتاج قيمة مضافة مستدامة على المستويين الثقافي والاقتصادي.
وكشفت الحصيلة السنوية للمركز السينمائي المغربي لعام 2025، في هذا السياق، عن أن المغرب استضاف 48 إنتاجاً أجنبياً من أفلام طويلة ومسلسلات ووثائقيات، باستثمارات بلغت 1.21 مليار درهم (130 مليون دولار)، فيما استحوذ فيلم "أوديسة" على أكبر إنفاق منفرد، بنحو 252.2 مليون درهم (27 مليون دولار).
ويرى مراقبون مهتمون بالشأن السينمائي المغربي أن استثمارات بلغت 1.21 مليار درهم تمثل أعلى مستوى مسجل في تاريخ تصوير الإنتاجات الأجنبية بالمغرب، وفق الحصيلة الرسمية لعام 2025.
قوة ناعمة
من جانبه يرى خالد التوزاني، كاتب وناقد ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، أن "المغرب انتقل في العقدين الأخيرين من مجرد ديكور أو فضاء للإنتاجات العالمية إلى فاعل رئيس يصنع وينتج أفلاماً عالمية"، مبرزاً أن "هذا التحول هو جوهر تحويل السينما إلى قوة ناعمة".
واسترسل التوزاني بأن فيلم "أوديسة" هو حلقة ضمن سلسلة نجاح المغرب في استقطاب الأعمال السينمائية العالمية الضخمة، متابعاً أن البلاد تمتلك كل المقومات لتصبح قوة ناعمة بامتياز، من إرث ثقافي حي وبنية تحتية عصرية وكفاءات وطنية متمرسة وإرادة سياسية واضحة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفت المتحدث إلى أن فيلم "أوديسة" يجب أن يكون حافزاً لتغيير ثقافي وهيكلي أعمق، من خلال الاستثمار في المواهب المغربية الشابة، حيث تحتاج البلاد إلى برامج تدريبية على مستوى عالمي في كتابة السيناريو والإخراج والمؤثرات البصرية، بحيث لا يكون المغاربة مجرد "أيد عاملة" في إنتاجات الآخرين، بل "عقولاً مبدعة" تشارك في صنعها وقيادتها.
واقترح التوزاني التفكير في إنشاء هيئة وطنية للترويج السينمائي، تكون مهمتها ليس فقط جذب الإنتاجات الأجنبية، بل أيضاً تسويق الأفلام المغربية في الأسواق العالمية، وحضور المهرجانات الدولية الكبرى بـ"جناح مغربي" دائم، يشبه ما تفعله بعض الدول المتقدمة، مثل كوريا الجنوبية وفرنسا.
وشدد المتحدث على ضرورة تسويق "القوة الناعمة" بذكاء في المحافل الدولية، فالمغرب لم يعد مجرد "خلفية" لأفلام الآخرين، بل صار "بطلاً" في صناعة سينمائية عالمية، وهذا هو جوهر القوة الناعمة التي تليق بمكانة المملكة، بحيث يجب استخدام مثل هذه النجاحات في كل المفاوضات الثقافية والاقتصادية، ووضعها في قلب الاستراتيجية الدبلوماسية للمغرب.
ويتجاوز تصوير مثل هذه الأفلام السينمائية العالمية في مدن وفضاءات المغرب المتنوعة مجرد العائدات المالية الصرفة، إلى تحريك العجلة الاقتصادية المحلية للمناطق التي تحتضن كاميرات التصوير، من فنادق ونقل جوي وبري وإيجار السيارات والشاحنات وانتعاش المطاعم والمقاهي وتوفير فرص عمل للحرفيين وصناع الديكور وخدمات الأمن والنظافة، وغير ذلك.