تصنع السينما العالمية بين الفينة والأخرى لحظاتها الفارقة عبر العودة إلى الأساطير، مستدعية النصوص القديمة لإعادة صياغة الأسئلة الإنسانية الأزلية حول البطولة، والشتات، والبقاء.
لم يكن العرض العالمي الأخير لفيلم "الأوديسة" استثناء من ذلك، وهو الذي تحول إلى زلزال نقدي وثقافي وسينمائي، في بلدان عالمية، وعربية مثل السعودية، التي شهد الفيلم فيها إقبالاً لافتاً حتى بين فئات عمرية صغيرة، بالكاد تعرف شيئاً عن القصة الأصلية.
وبين الانبهار التقني بالصناعة الهوليوودية والتحفظ النقدي على مضامينها الفلسفية، يطرح الاحتفاء العالمي بالنص الهوميري سؤالاً ملحاً على الوعي الثقافي العربي: كيف تحرك "الأوديسة" الشغف والغيرة تجاه سيرنا وملاحمنا الشعبية والتاريخية المهملة، ولماذا تتأخر الشاشة العربية عن اقتحام هذه الساحة العالمية بـ "أوديسات" محلية لا تقل عن نظيرتها الإغريقية عمقاً وثراءً؟
البهرجة في مرمى سهام النقد
لم يكن إطلاق فيلم "الأوديسة" للمخرج كريستوفر نولان كأي سيناريو تقليدي يتنافس على شباك التذاكر، بل تحول فور عرضه إلى حدث ثقافي عابر للقارات. فبينما اندفعت الجماهير لنيل بطاقات العرض على شاشات "آيماكس" العملاقة، انقسم النقاد حول تقييم التجربة؛ إذ وصفت "بي بي سي" العمل بأنه "مغامرة حركية، اتسمت بضخامة سينمائية أثيرية، أبعد ما تكون عن دروس التاريخ الجافة"، على رغم إقرارها لاحقاً بأنه مع ذلك، هو بالجمل "ساحر وإنساني".
استخدم نولان أسلوبه المعتاد في السرد غير المستقيم، عبر التداخل الزمني لتجسيد رحلة "أوديسيوس" الشاقة للعودة إلى مملكته في "إيثاكا" بعد تخريب طروادة وقلاعها ومعابدها المهيبة. إلا أن براعته الفائقة في تنفيذ المشاهد القتالية بالاعتماد على المؤثرات الميدانية وتقليل المؤثرات الرقمية بدءاً من خانق حصان طروادة المعتم مروراً بمواجهة العملاق "السايكلوبس" ذي العين الواحدة داخل كهف حقيقي؛ لم تشفع له عند النقاد الذين سجلوا عليه ملاحظات عدة، لم تؤثر في إكبار التجربة المثيرة.
على سبيل المثال، تسجل "بي بي سي" مأخذاً نقدياً، من زاوية ضخامة المشهد البصري المذهل وحجم المعارك التي رأت أنها حسمت التفوق التقني، "لكنهما حجبا في أحيان كثيرة العمق العاطفي للقصة، ليظل فيلم 'أوبنهايمر' التجربة الأكثر إحكاماً ونضجاً في مسيرة نولان".
ويتسق هذا الطرح النقدي مع ما ذهب إليه الناقد والأكاديمي السعودي علي زعلة؛ إذ يرى أن الزخم حول العمل يعود أساساً إلى "السلطة الثقافية" ولعبة بناء العلامة الشخصية للمخرج نولان الذي بات يمثل "طقساً احتفالياً وآلة إعلامية" تجبر الجمهور على متابعة أفلامه وفق اشتراطات تقنية محددة.
ويؤكد في حديث مع "اندبندنت عربية" أنه على رغم الانبهار البصري والصوتي، فإن الفيلم عانى من جفاف في الحوار والأداءات التمثيلية التي جاءت عادية جداً لمات ديمون وطاقمه، ولم تحفز "عضلة التأويل" لدى المشاهد كما حدث في أعمال سابقة للمخرج نفسه؛ إذ تحول العمل في مقطعه الأخير إلى ما يشبه سينما الإثارة السطحية، مجرّداً النص الهوميري من غزارة القراءات الفلسفية الفائضة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عظمة الفيلم أم هوميروس؟
في حديثه للصحافة الأميركية، وصف نولان ملحمة هوميروس الممتدة لنحو ثلاثة آلاف عام بأنها "النص التأسيسي الأول" لكل أعماله السابقة؛ فهي الجذر الفلسفي الذي استمدت منه السينما الحديثة رحلة البطل وتخبطه بين أهواء الآلهة وصراعات البشر.
هذا الطرح أثار نقاشاً حاداً في مهد الملحمة نفسه؛ ففي أثينا، تحول العمل إلى مسرح لسجال ثقافي وسياسي واسع، ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن أكاديميين ونقاد يونانيين رؤى متضاربة حول الاقتباس، فرأى بعضهم أن المخرج خاض رهاناً هوميرياً نجح في "صهر ملحمة تردد صداها عبر القرون مع حساسيات فنية بصرية حديثة". وفي المقابل، رأت مجلة "أثينوراما" الثقافية أن الفيلم "ضحى بالتعقيد الفلسفي والسردي للنص الأصلي لمصلحة الإثارة البصرية الهوليوودية".
وفي هذا الصدد أوضحت الدكتورة إيفجينيا ماكريجياني، أستاذة الأدب اليوناني القديم بجامعة أثينا، أن سر خلود النص يكمن في فكرة "النوستوس" أو ألم الشوق والعودة إلى الوطن، وهي تجربة تتشابك مع الذاكرة الجمعية للحروب والشتات والهجرة. وأضافت ماكريجياني في تصريحها للصحيفة، أن "النصوص الكلاسيكية تظل حية لأن كل جيل يكتشف فيها معاني جديدة... هوميروس نفسه لا يتغير، بل القراء هم الذين يتغيرون".
في سياق الجدل حول الهوية والعولمة، لم يخْلُ العمل من التجاذب السياسي؛ إذ واجه انتقادات من أطراف محافظة بسبب الاستعانة بالممثلة لوبيتا نيونغو في دور "هيلين طروادة"، لكن وزيرة الثقافة اليونانية لينا مندوني حسمت الجدل بموقف يدافع عن حرية المبدع، مؤكدة أنه "ليس من دور الدولة أن تملي على الفنان كيف يقرأ الميثولوجيا".
أمام هذا الانشغال العالمي بإعادة البعث السينمائي لملحمة إغريقية قديمة، يتجه التفكير تلقائياً نحو الذاكرة السردية العربية. إن النجاح في تحويل "الأوديسة" إلى حديث الساعة عالمياً يضع الفكر النقدي العربي أمام مرآة كاشفة وسجال إشكالي يسبر غور هذه الفجوة من خلال أبعاد مختلفة.
تكافؤ البطولة والدونية الثقافية
يقدم عالم الأنثروبولوجيا السعودي سعد الصويان رؤية متقدمة في أطروحته ذائعة الصيت، مؤكداً وجود تشابه بنيوي وعميق بين مجتمع نجد قديماً ومجتمع اليونان القديم؛ إذ أجبرت قسوة الطبيعة والتضاريس إنسان البيئتين على التكيف وصقل مهارات البقاء. ويضيف الصويان أن هذا التحدي الوجودي انعكس مباشرة على النص الشفهي، فخرجت "الأوديسة" و"أيام العرب" لتخليد بطولة الإنسان الشفهي في مواجهة الفناء، مشدداً على أن الموروث العربي يزخر بملاحم وأشعار لا تقل ثراءً عن هوميروس بل قد تتفوق عليها في جوانب فنية محددة.
لكن ذلك القول القديم للصويان، استُدعي في سياق سجال الأوساط الأدبية بالتزامن مع الفيلم، إذ يسلط الناقد السعودي سعد البازعي على منصة "إكس" الضوء على العقدة الحضارية، مشيراً إلى أن أوروبا رفعت من قدر ملاحمها الرومانية واليونانية ونسجت على منوالها في عصر النهضة لترسيخ الهوية، بينما نظرنا في العالم العربي بنوع من "الدونية" إلى ملاحمنا بوصفها أدباً شعبياً ساذجاً يقتصر على الحكواتية. ويؤكد البازعي أن سيرتنا (كالسيرة الهلالية وعنترة) تحمل مخيالاً خصباً يصور طموحات ومآسي إنسانية تعادل نظيرتها الغربية.
وفي رده على مداخلة الكاتب هاشم الجحدلي حول سطوة الشعر العربي عربياً، مقابل الإرث الفلسفي اليوناني وأثر ذلك في خلود الأعمال اليونانية، فكك البازعي فكرة التقديم الاستثنائي لتلك الملاحم، مبيناً أن الفلسفة اليونانية قامت أصلاً لمقاومة الخرافة الأسطورية في الملاحم (كما يفعل أفلاطون في نفي الشعراء)، وأن رفع شأن الملحمة الإغريقية جاء نتيجة المركزية الغربية وتأطير تراث اليونان بوصفه "إرثاً إنسانياً مقدساً" شاع عالمياً بعد هيمنة الترجمات الأوروبية الحديثة.
كيف تلقى الجمهور السعودي الأوديسة؟
من زاوية الاستجابة الجماهيرية، يرى الناقد السينمائي السعودي أحمد العياد أن تجربة عرض "الأوديسة" في السعودية تحمل رسالة صريحة ومباشرة لصناع السينما العرب؛ فالجمهور السعودي لم يستقبل الفيلم بالسلبية تجاه طوله الممتد لثلاث ساعات أو تعقيد شخصياته التاريخية، بل أبدى شغفاً واعتناقاً كاملاً للحدث، إذ امتلأت القاعات وامتدت الحجوزات لأيام متواصلة في مختلف المدن، مما اضطر الموزعين لتمديد عروض شاشات "آيماكس" لشهر كامل.
ويضيف العياد أن "الوعي السينمائي بلغ مرحلة سافر فيها البعض بين المدن أو إلى خارج المملكة بحثاً عن تقنية العرض الكاملة، مع انخراط شريحة واسعة من الجمهور في قراءة الملحمة الهوميرية ومشاهدة الشروح المرئية ومناقشتها عبر منصات التواصل الفكري للتثقيف الذاتي قبل وبعد المشاهدة". هذا السلوك يثبت بحسب العياد أن الجمهور المحلي والعربي على درجة عالية من الجاهزية والاستعداد لخوض تجارب سينمائية ملحمية معقدة، شريطة تقديمها ببراعة وجودة فائقتين.
في 10 أيام.. «الأوديسة» يصل إلى 26.1 مليون ريال (7 ملايين دولار) في شباك التذاكر السعودي.
— أحمد العياد (@aal3yyad) July 27, 2026
وفي أسبوعه الثاني، حقق 16.9 مليون ريال، مستحوذًا على 54.2% من إجمالي إيرادات السوق، و46.9% من إجمالي التذاكر المباعة في المملكة. https://t.co/xU0zFuasjV pic.twitter.com/uvBTLGsIWA
وسجل الفيلم في السعودية، خلال 10 أيام من العرض، رقماً قياسياً، بلغ 26.1 مليون ريال (7 ملايين دولار) في شباك التذاكر السعودي.
لدى حضور عرض الفيلم في إحدى صالات سينما الرياض، سألت "اندبندنت عربية" عينات عشوائية من الحضور بعد انتهاء العرض، فقالت سعاد العمر (27 سنة)، إنها شعرت بأن "الفيلم يمكن اختصاره إلى ساعتين، لكنني لم أشعر بالرغبة في ترك القاعة".
الجانب الأكثر أهمية بالنسبة إلى الذين سألناهم القصة الأساسية للفيلم، وعراقة المحتوى الذي اقتبست منه، فيقول جعفر المهدي (32 سنة)، إن أحسن ما فعله العمل أنه "شجعني على البحث في الأوديسة نفسها، ما هي وفي أي عصر وعن أي موضوع تتحدث، احترمت الموضوع. أزعجني قليلاً أنه أشبه في بعض النواحي بفيلم رعب، وإن كانت ملامحه الإنسانية تكفر عن ذلك".
بين طموح "الزير سالم" وعثرات التجربة
يقودنا هذا التلقي الجماهيري اللافت إلى التفكير في الفرص الاستثمارية والإنتاجية الكامنة في الذاكرة العربية. يشدد أحمد العياد على أن نجاح "الأوديسة" يفتح الباب واسعاً أمام السينما العربية للاستثمار في الملاحم التاريخية والأدبية التي نملكها؛ إذ تعج ذاكرتنا بحكايات ضخمة تعادل الأوديسة إثارة ودراما، مثل "حرب البسوس"، و"سيرة الزير سالم"، و"داحس والغبراء".
ويرى أن الإعلان المسبق من رئيس الهيئة العامة للترفيه تركي آل الشيخ عن مشروع فيلم "الزير سالم" من بطولة الممثل تيم حسن يمثل مؤشراً مؤسسياً جاداً بالالتفات نحو هذا المعين الملحمي.
إلا أن العياد يضع شرطاً استباقياً، فهو يؤكد أن "التحدي الرئيس لا يكمن في المادة التاريخية ذاتها، بل في معادلة التقديم؛ عندما يلتقي النص المتماسك مع الإنتاج الضخم والرؤية الإخراجية الطموحة، سيحضر الجمهور لدعم العمل ومنحه الاهتمام والنقاش المستحقين، شريطة تقديم هذه الملاحم بشكل مدروس وناضج يحترم الذائقة، ويتجاوز الإخفاقات والتجارب المبتسرة التي شابت أعمالاً سابقة مثل فيلم "محارب الصحراء".
يتقاطع هذا التشخيص للعياد مع ما يطرحه زعلة حول ضرورة الفكاك من "المركزية الثقافية الأوروبية" التي احتكرت الإنساني والمطلق لمصلحة إغريقيتها، مؤكداً أن "السير والملاحم العربية لا ينقصها أي ملمح درامي أو إنساني للوصول إلى العبقرية السينمائية؛ كل ما تحتاجه هو رؤية المخرج والمؤلف الذي يملك أدوات الوسيط السينمائي الحديث والجرأة الإنتاجية للإيمان بالقصة العربية".
وكان قطاع السينما السعودي أظهرت مؤشراته العام الماضي، أرقاماً طموحة؛ إذ بلغت إيرادات شباك التذاكر 920.8 مليون ريال (245.5 مليون دولار) من بيع 18.8 مليون تذكرة، حصة الأفلام المحلية منها نحو 13.3%، مدفوعة بحوافز استرداد تصل إلى 60%، طبقاً لخطة وزارة الثقافة برفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 3%، وتوليد 346 ألف وظيفة بحلول عام 2030م.
صحوة الضمير
عدد ممن قابلتهم "اندبندنت عربية" لم يكونوا من عشاق الأدب، أوقعهم المخرج في فخ الأوديسة، وربما يقودهم ذلك إلى قراءات أوسع في الحقل الذي خبا وهجه بفعل ملهيات الشاشة الصغيرة، لذلك فإن الإقبال الجماهيري في الصالات العربية والسعودية يُسقط الحجة التقليدية التي تتذرع بكسل المشاهد أو نفوره من المواد التاريخية المعقدة.
بيد أن المغزى الأهم الذي أعطى القصة بعداً قيمياً راهناً لا تخطئه العين لشدة كثافته، هو إعادة "الأوديسة" قراءة ملحمة هوميروس بعيداً من تمجيد الحرب، إذ يحول رحلة المنتصر إلى محاكمة أخلاقية لمعنى النصر ذاته، فلا تمحو العودة إلى الوطن آثار الدم ولا متلازمة الندم التي تلاحق البطل.
وبهذا، يوظف المخرج البناء الملحمي ليؤكد أن الانتصار الحقيقي ليس في كسب المعارك، بل في استعادة السلام والعدالة، على نحو يذكر بالمقاربة التي قدمها في فيلم "أوبنهايمر" حين جعل القوة نفسها موضع مساءلة لا احتفاء.
يكتسب ذلك أهمية صارخة، في سياق عالم مثقل بحروب أوكرانيا وغزة والسودان والتوترات في الشرق الأوسط، إذ تكشف المشاهد المروعة في الفاشر وبيت حانون وخاركيف الثمن الذي يظل الإنسان يدفعه، جندياً كان أو مدنياً، غالباً أو مغلوباً!