Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من يقين "طروادة" إلى شك "الأوديسة"

كيف تغيرت صناعة السينما خلال 22 سنة في التعاطي مع الملحمة الإغرقية؟

براد بيت قدّم أخيل بوصفه جسداً في المقام الأول محارباً شبه أسطوري فيما قدّم مات دايمون أوديسيوس بوصفه رجلاً منهكاً أكثر منه بطلاً متألقاً (اندبندنت عربية)

ملخص

الفرق بين "طروادة" و"الأوديسة" لا يبدأ من الإخراج أو الأداء، بل من طبيعة النص الذي استند إليه كل منهما: لا "طروادة" ولا "الأوديسة" فيلمان وفيّان للنص الأصلي بالمعنى الحرفي، وهذا ليس عيباً في حد ذاته بقدر ما هو شرط لا مفر منه لأي تحويل سينمائي لملحمة شفوية عمرها أكثر من 2000 عام. 

بين الفيلمين 22  سنة، وصناعة سينما تغيرت جذرياً في هذا الفاصل الزمني، من عصر الملحمة التاريخية الكلاسيكية التي أعادها "غلادييتور" (2000) إلى الواجهة أوائل الألفية، إلى عصر السينما التي لم تعد تثق بالسرد المستقيم ولا البطولة الخالصة. 

ومع ذلك، يظل السؤال الذي يواجهه كل من يجرؤ على تحويل هوميروس إلى شريط سينمائي هو نفسه، بصرف النظر عن العقد الذي يُطرح فيه: كيف تُروى حكاية آلهة وأنصاف آلهة لجمهور لم يعد قادراً، ولا راغباً، في تصديق الآلهة؟ 

أجاب الألماني وولفغانغ بيترسن على هذا السؤال في "طروادة" (2004) بحسم صارم لا يتردد، بينما أجاب عليه كريستوفر نولان في "الأوديسة" (2026) بتردد محسوب، وحذر من يخشى أن يخسر شيئاً جوهرياً إن حسم الأمر في اتجاه واحد. 

وهذا الفارق بين الحسم والتردد هو، إذا أردنا اختصار المسافة الفاصلة بين الفيلمين في جملة واحدة، جوهر ما يميز مشروعين سينمائيين ولدا من الرحم نفسه لكنهما نضجا بروحين مختلفتين تماماً.

الفرق بين "طروادة" و"الأوديسة" لا يبدأ من الإخراج أو الأداء، بل من طبيعة النص الذي استند إليه كل منهما: لا "طروادة" ولا "الأوديسة" فيلمان وفيّان للنص الأصلي بالمعنى الحرفي، وهذا ليس عيباً في حد ذاته بقدر ما هو شرط لا مفر منه لأي تحويل سينمائي لملحمة شفوية عمرها أكثر من 2000 عام. 

لكن طبيعة الخيانة، إن جاز التعبير، تختلف جذرياً بين الفيلمين، وفهم هذا الاختلاف هو ما يفسر لماذا يبدو "طروادة" اليوم أقرب إلى دراما حرب هوليوودية تقليدية، بينما يبدو "الأوديسة" أقرب إلى تأمل فلسفي يستعير غلاف الملحمة ليطرح أسئلة عن الحقيقة والسرد والذاكرة.

في المقابل، "طروادة" و"الأوديسة" ليسا اقتباسين لنص واحد، بل لعملين مختلفين تماماً في جنسهما الأدبي، وإن جمعتهما حرب طروادة كخلفية مشتركة. "طروادة" مقتبس أساساً من الإلياذة، وهي ملحمة حرب صرفة، مركزها غضب أخيل وعناده وموته المحتوم، وبنيتها الداخلية قائمة على الصراع بين الشرف الفردي ومصلحة الجماعة في زمن القتال. 

 

 

أما "الأوديسة" فملحمة من طبيعة مختلفة كلياً، أقرب إلى حكاية النجاة والعودة منها إلى ملحمة حرب، مركزها الحيلة لا القوة، والصبر لا الغضب، ورحلة رجل واحد يحاول العودة إلى بيته عبر عالم مليء بالفخاخ والإغراءات. 

هذا الفارق الجوهري بين طبيعة النصين يعني أن بيترسن ونولان لم يواجها التحدي الأدبي نفسه بالضبط، فكل منهما كان عليه أن يجد حلاً لمشكلة مختلفة: كيف تُصوَّر حرب طويلة الأمد ومأسوية بلا تدخل إلهي مباشر من جهة، وكيف تُصوَّر رحلة أقرب إلى الأسطورة الشعبية والخيال مع الحفاظ على مصداقية إنسانية من جهة أخرى.

الحرب بلا سماء

اختيار بيترسن كان جذرياً في بساطته: إخراج الآلهة كلياً من الصورة. لا يتدخل زيوس في مجرى الأحداث، ولا أفروديت تحمي باريس من سيف مينيلاوس كما ورد في النص الأصلي، ولا أبولو يوجه سهماً نحو كعب أخيل. 

تتحول الحرب إلى صراع بشري بحت، دوافعه الغرور والطموح السياسي والرغبة والانتقام، لا إرادة سماوية عابرة للزمن. هذا القرار لم يكن تقنياً بريئاً، بل كان تعبيراً عن قناعة إخراجية بأن الجمهور المعاصر لن يتماهى مع أبطال تتحكم بمصائرهم قوى خارجة عن إرادتهم، وأن العاطفة الإنسانية، لا التدخل الإلهي، هي ما يمنح الحرب وزنها المأسوي.

المشكلة أن هذا التبسيط طال أيضاً بنية أخلاقية في النص الأصلي، قوامها الصراع الدائم بين الإرادة البشرية وحتمية القدر. حين تُحذف الآلهة، يصبح أخيل مجرد محارب مغرور يقرر الانسحاب من المعركة لأسباب شخصية، لا رجلاً يتصارع مع علمه المسبق بأن مصيره محتوم مهما فعل. 

انعكس هذا التبسيط في الطريقة التي رُسمت بها الشخصيات، إذ بدت أقرب إلى نماذج نمطية مصقولة الملامح، بعضلات مثالية وحوار مباشر لا يحتمل التأويل، منها إلى أبطال ملحميين يحملون تناقضات النص الأصلي. 

ومع ذلك، يظل من الإنصاف الاعتراف بأن هذا التبسيط منح الفيلم تماسكاً درامياً مباشراً جعله سهل المتابعة لجمهور عريض لم يكن بالضرورة على معرفة مسبقة بتفاصيل الإلياذة، وهذا خيار تجاري مفهوم، وإن جاء على حساب العمق.

في سياق متصل، امتد هذا الترشيد أيضاً إلى نهاية القصة نفسها، وليس فقط إلى غيابها الآلهة عنها. في النص الأصلي، يعود أغاممنون إلى بلاده منتصراً بعد سقوط طروادة، ليُقتل لاحقاً على يد زوجته كليتمنسترا انتقاماً منه، وهذا الحدث يشكل حجر الأساس لملحمة كاملة أخرى تتناول دائرة الانتقام داخل عائلته. 

 

 

اختصر الفيلم هذا كله بأن جعل أغاممنون يُقتل في ساحة المعركة نفسها على يد الأمير بريام قبيل سقوط طروادة، فيما يُقتل مينيلاوس أيضاً على يد هيكتور، رغم أنه ينجو في النص الأصلي. 

هذا التغيير ليس تفصيلاً عابراً، فهو يقطع الخيط الذي يربط حرب طروادة بمأساة أعمق تتعلق بالعدالة والانتقام عبر الأجيال، ويحول القصة إلى وحدة درامية مغلقة تنتهي بانتهاء الحرب نفسها، بدل أن تظل مفتوحة على عواقبها الأخلاقية بعيدة المدى كما أراد النص الأصلي.

السحر الذي يشك في نفسه

من جهة ثانية لم يحذف نولان الآلهة، بل أخفاها خلف حجاب من الشك المنهجي. عبارة الافتتاح في فيلمه، "زمن من السحر الظاهري"، تختصر منهجه بأكمله: العالم يبدو مسكوناً بالمعجزات، لكن كل معجزة قابلة، من حيث المبدأ، لتفسير يقع على الحد الفاصل الغامض بين الأسطورة والواقع المادي. 

تكتفي أثينا بتمثيل حضور إلهي رمزي، بدل المجمع الكامل للآلهة الذي كان يتدخل بكثافة في أحداث النص الأصلي، والعواصف البحرية تُقرأ كعقاب على خرق القسم أكثر مما تُقرأ كتدخل إلهي مباشر ومقصود. 

وهذا التوجه ليس طارئاً على تجربة نولان الإخراجية، فهو المخرج الذي حوّل "معجزة" الإجلاء في دونكيرك إلى انتصار للتضامن البشري البحت خالٍ من أي أثر خارق، وهو نفسه الذي بنى في أوبنهايمر شخصية "بروميثيوس أميركي" يسرق قوة الآلهة عبر العلم لا عبر الأسطورة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن هذا التوجه يحمل في داخله تناقضاً يستحق التوقف عنده: إذا كان نولان مادياً بهذا الوضوح في تفسيره للعالم، فلماذا تبقى الوحوش سليمة تماماً في فيلمه بينما تُفكك الآلهة وتُختزل إلى ظلال رمزية؟ 

السايكلوب (كائن أسطوري يوناني) حاضر بكامل هوله، وسيرسي تحوّل الرجال إلى خنازير أمام الكاميرا من دون أي محاولة جادة لتفسير علمي أو نفسي يوازي الجهد الذي بُذل لتفكيك الحضور الإلهي. 

هذا الاختيار يكشف أن "الواقعية" التي يتبناها نولان ليست موقفاً فلسفياً متماسكاً بقدر ما هي أداة انتقائية: يُستخدم الشك حين يتعلق الأمر بسلطة إلهية مجردة، ويُترك جانباً حين يتعلق الأمر بعجيبة بصرية تخدم المشهدية. 

وهذا لا يُفسد الفيلم بالضرورة، لكنه يكشف أن "إعادة تفسير الأسطورة عقلانياً" التي يُروَّج لها كإنجاز فكري هي، في جانب منها، اختيار جمالي مصمم بعناية أكثر منه موقفاً فكرياً صارماً. 

 

 

في المقابل، يمكن الدفاع عن هذا الخيار بطريقة مختلفة تماماً: فالوحوش، على عكس الآلهة، ليست بالضرورة جزءاً من المنظومة الدينية التي يريد نولان مساءلتها، بل هي عناصر في عالم يُروى شفوياً وقد تضخمت عبر التناقل بين الأجيال، فسايكلوب قد يكون في الأصل مجرد قرصان أحادي العين، وسيرسي قد تكون امرأة استخدمت سموماً حقيقية لتخدير أعدائها. 

بهذا المعنى، إبقاء العجائب لا يناقض المشروع المادي للفيلم، بل يخدمه، لأنه يترك للمشاهد مساحة ليقرر بنفسه أين ينتهي الواقع وأين يبدأ التضخيم الأسطوري، وهي بالضبط اللعبة التي يطرحها عنوان الفيلم الفرعي منذ الجملة الأولى.

مات دايمون وبراد بيت

المقارنة بين أداء مات دايمون في دور أوديسيوس وأداء براد بيت في دور أخيل تكشف كثيراً عن الفارق الأعمق بين الفيلمين، لأن كل ممثل جسّد، من دون أن يقصد بالضرورة، فلسفة مخرجه.

براد بيت قدّم أخيل بوصفه جسداً في المقام الأول، محارباً شبه أسطوري يتحرك بقوة حيوانية محسوبة بدقة، وجاذبية بصرية مقصودة تجعل منه نجم سينما بقدر ما هو بطل حرب. هذا الاختيار الإنتاجي جعل من أخيل رمزاً للمجد الفاني، للرجل الذي يعرف أن اسمه سيُخلَّد إذا مات شاباً في المعركة، فيختار المجد على الحياة الطويلة الآمنة. 

المشكلة أن هذا التركيز على الجسد والحضور البصري جاء أحياناً على حساب العمق الداخلي للشخصية، فبدا أخيل بيت أقرب إلى أيقونة بصرية صامتة في لحظات كثيرة منه إلى رجل يعيش صراعاً وجودياً حقيقياً مع فكرة الموت والخلود، وهو الصراع الذي يشكل جوهر شخصيته في النص الأصلي.

في المقابل مات دايمون، قدّم أوديسيوس بوصفه رجلاً منهكاً أكثر منه بطلاً متألقاً، رجلاً يشتكي بصوت مسموع من إرهاق الحرب ومن طول الغياب عن دياره، بلغة قريبة من لغة إنسان عادي أكثر منها لغة بطل ملحمي. هذا الاختيار جعل الشخصية أقرب إلى تجربة إنسانية يمكن التماهي معها مباشرة، لكنه في الوقت نفسه أفقدها جزءاً من هيبتها الأسطورية، فبدا أوديسيوس في لحظات معينة أقرب إلى ناجٍ متعب من حرب حديثة منه إلى الملك الحكيم الماكر الذي يخدع الآلهة نفسها بذكائه في النص الأصلي. 

الفارق هنا واضح: بيت يمثّل نسخة الأسطورة، ودايمون يمثّل نسخة الإنسان الذي يقف تحت وطأة الأسطورة، وكل خيار يخدم رؤية مخرجه بدقة، وإن كان كل خيار يفقد شيئاً في المقابل.

هيلين وبينيلوبي

أي مقارنة جادة بين الفيلمين لا يمكن أن تتجاهل الطريقة التي عومل بها الحضور النسائي داخل بنية ملحمية ذكورية بامتياز، فالفارق هنا لا يقل دلالة عن الفارق في معالجة الآلهة أو الشخصيات البطولية.

هيلين (ديان كروغر) في "طروادة" اختُزلت غالباً إلى دافع رومانسي بسيط لاندلاع الحرب، امرأة جميلة يقع في هواها باريس فتشتعل الحرب من أجلها، من دون أن يُمنح صراعها الداخلي، بين الولاء لزوجها الأول والانجذاب إلى عشيقها، مساحة درامية توازي حجم الكارثة التي تسبب بها اختيارها. 

 

 

هذا التسطيح جعل من هيلين شخصية وظيفية أكثر منها إنسانة، حاضرة بوصفها سبباً للحرب أكثر من حضورها كذات لها صوتها الخاص، وهذا انتقاد تكرر كثيراً عند صدور الفيلم، وهو انتقاد يصعب دحضه بالنظر إلى المساحة الفعلية التي مُنحت للشخصية داخل السيناريو.

بينيلوبي (آن هاثاواي) في "الأوديسة"، على النقيض التام، شخصية محورية لا هامشية، فهي التي تصمد وحدها لسنوات طويلة في مواجهة حشد من الخُطّاب الذين يحاصرون قصرها طمعاً في عرش زوجها الغائب، وتستخدم حيلة النسيج (تنسج بالنهار وتنقض ما نسجته ليلاً) لتماطل الزمن بذكاء يوازي ذكاء زوجها نفسه. 

معالجة نولان لهذا الخط السردي، بمشاركة آن هاثاواي، منحت الشخصية وزناً موازياً لرحلة أوديسيوس، لا مجرد انتظار سلبي في الخلفية، وهذا يعكس فارقاً جوهرياً في الأصل الأدبي نفسه، فبينيلوبي في النص الأصلي شخصية ذات عمق وحكمة ومقاومة فعلية، بينما هيلين في الإلياذة أكثر غموضاً وتناقضاً، وقد أضاف الفيلمان إلى هذا الفارق الأصلي بدل أن يعملا على تقليصه.

أوجه التقاطع

رغم كل الاختلافات، يلتقي الفيلمان في نقطة جوهرية: كلاهما واجه الاتهام نفسه من جهات مختلفة، وهو أنه ملحمة يونانية أُفرغت من يونانيتها الكافية. من درسوا النص الأصلي بعمق وجدوا في "طروادة" تسطيحاً لصراع أخلاقي معقد إلى دراما حب هوليوودية تقليدية، ووجدوا في "الأوديسة" تأملاً فلسفياً بارداً أفرغ الرحلة من عجائبيتها الأصلية لمصلحة خطاب عن السرد والحقيقة. 

وفي الحالتين، استقبل الجمهور العريض العملين بحفاوة أكبر بكثير مما استقبلهما النقد المتخصص، مما يطرح سؤالاً أوسع عن الفجوة الدائمة بين توقعات من يعرفون النص الأصلي عن ظهر قلب، وتوقعات من يكتشفون هذه الحكاية للمرة الأولى عبر الشاشة الكبيرة.

تكشف الأرقام وحدها حجم المسافة التي قطعتها صناعة الملحمة التاريخية بين العقدين. "طروادة" كلّف ما بين 175 و185 مليون دولار، وحقق في صالات العرض حول العالم نحو 497 مليون دولار، وهو رقم اعتُبر وقتها نجاحاً تجارياً واضحاً. 

فيما كلف "الأوديسة" أكثر بكثير، نحو 250 مليون دولار للإنتاج وحده، لكنه افتتح بقوة أكبر، إذ حصد أكثر من 124 مليون دولار في أسواق أميركا الشمالية خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى وحدها، ونحو 264 مليون دولار على المستوى العالمي في الفترة نفسها. هذا الفارق في الأرقام لا يقيس جودة فنية بالطبع، لكنه يقيس شيئاً آخر مهماً: أن الجمهور العالمي لا يزال، بعد أكثر من 20 سنة، مستعداً لدفع ثمن تذكرة سينما لمشاهدة هوميروس على الشاشة الكبيرة، بصرف النظر عن حجم الوفاء للنص الأصلي.

كذلك يشترك الفيلمان في محاولة أنسنة القصة عبر حوار يقترب من اللغة المعاصرة، بعيداً من الأسلوب الشعري المرتفع الذي يميز النص الأصلي. هذا الاختيار في الفيلمين ليس عرضياً، بل هو جزء من استراتيجية واعية لجعل الشخصيات الأسطورية تبدو قريبة من الجمهور المعاصر، حتى لو كان الثمن أحياناً فقدان جزء من الوقار الملحمي الذي يفترضه النص الأصلي.

الاختلاف الجوهري

مع ذلك، يبقى الاختلاف بين الفيلمين أعمق من مجرد اختلاف في الأسلوب. "طروادة" فيلم عن المجد والفناء والحب، بنية سردية مستقيمة تصل بالمشاهد من نقطة البداية إلى النهاية عبر خط زمني واضح، تخدمه موسيقى تصويرية تصعّد المشاعر بلا مواربة. 

"الأوديسة" فيلم عن السرد نفسه بوصفه موضوعاً، إذ يبدأ من نقطة قريبة من النهاية، عبر راوٍ يروي جزءاً من الحكاية في قاعة وليمة، ثم يعود بالزمن ليكشف تدريجياً كيف وصلنا إلى تلك اللحظة. 

هذا التفكيك الزمني ليس تفصيلاً تقنياً عابراً، بل امتداد مباشر لموقف كل مخرج من المادة الأصلية: بيترسن يريد من المشاهد أن يصدق الحرب كحدث واقعي مباشر، بينما يريد نولان من المشاهد أن يشكك في الرواية نفسها بوصفها أداة قادرة على التزييف بقدر ما هي أداة لحفظ الذاكرة وتناقلها عبر الأجيال.

هناك بعد آخر للمقارنة، أقل حضوراً في النقاش العام لكنه لا يقل دلالة عن البعد السردي، وهو الفارق التقني الصرف بين الفيلمين. "طروادة" صُوّر بالكاميرا التقليدية التي كانت سائدة في الملاحم التاريخية أوائل الألفية، وهي كاميرا خدمت الفيلم من دون أن تكون جزءاً من خطابه الفني بالمعنى العميق. 

أما "الأوديسة" فذهب في اتجاه مختلف تماماً، إذ اختار نولان أن يصوّر الفيلم بأكمله بكاميرات آيماكس على شريط سليولويد مقاس 70 ملم، وهو أول عمل روائي طويل في تاريخ السينما يُصوَّر بالكامل بهذه التقنية. 

الأمر لم يكن مجرد نزوة جمالية، بل تحدياً هندسياً حقيقياً، فالكاميرا كانت تصدر ضجيجاً عالياً يستحيل معه تسجيل حوار متزامن، مما دفع الفريق التقني إلى تطوير غلاف عازل للصوت خصيصاً لهذا المشروع، سمح أخيراً بتصوير مشاهد حوارية كاملة بهذا الوضوح البصري النادر.

لا يمكن الجزم بأن أحد الفيلمين أوفى للنص الأصلي من الآخر، لأن كليهما يمارس نوعاً من الترشيد الانتقائي للمادة الأسطورية، وإن اختلفت أدواتهما. عام 2004، كانت الرسالة الضمنية أن البطولة تحتاج دماً وعاطفة إنسانية مباشرة كي تُصدَّق على الشاشة. 

في عام 2026، تكمن الرسالة في أن البطولة تحتاج شكاً فلسفياً وتردداً محسوباً كي تُحترم من جمهور لم يعد يقبل الحسم السردي بسهولة. وربما يكون هذا التحول نفسه، من يقين بيترسن إلى تردد نولان، هو أصدق مؤشر إلى المسافة التي قطعتها السينما، وربما الثقافة نفسها، في العقدين الفاصلين بين الفيلمين.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما