Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سفير روسي جديد لدى سوريا: محاولة لاستعادة المجد السوفياتي

يرى مراقبون أن موسكو تدرك أهمية موقع دمشق على الخريطة الجيوسياسية في شرق المتوسط

زار الرئيس السوري أحمد الشرع موسكو مرتين والتقى بوتين (رويترز)

ملخص

العيون الروسية ما زالت تشخص إلى المياه الدافئة في المتوسط وحجزت لنفسها موطئ قدم في شرقه، وكسبت معها فرصة لا يمكن تفويتها عبر إنشاء أكبر قواعدها العسكرية البحرية والجوية في ريف اللاذقية.

عاد الدبلوماسي الروسي دميتري نيكولايفيتش دوغادكين إلى دمشق سفيراً بعد ما ترك العاصمة السورية عام 2013 مع تأجج الصراع المسلح بين قوات نظام الأسد والمعارضة، إذ تمثل خطوة تعيينه مسعى من الكرملين إلى تمكين العلاقة مع سوريا الجديدة وفق ما تشير أوساط سياسية ودبلوماسية.

وأصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً بتعيين دوغادكين سفيراً جديداً في وقت أعفى ألكسندر يفيموف من مهامه ممثلاً خاصاً للرئيس الروسي لشؤون تطوير العلاقات مع سوريا، ولا يمكن أن يشيح السياسيون في دمشق نظرهم عن مثل هذا القرار في وقت بالغ الحساسية يسعى فيه القياصرة إلى حياكة خيوط اللعبة وفق مصالح بلادهم من دون الالتفات إلى الأعوام الماضية من الصراع المرير، وعلى مبدأ عدو البارحة صديق اليوم تبني موسكو استراتيجية حديثة لها مع سوريا الجديدة.

وليس بغريب أن يعيد زعيم الكرملين ذلك الدبلوماسي إلى الملف السوري بعدما أرسل في الماضي صقور السياسة الروسية في وقت اشتداد المعارك، وتحول الحضور الروسي إلى عسكري ودعم قوات الأسد بالسلاح والعتاد لتثبيت حكمه وحكم عائلة امتدت نصف قرن مضى.

ذكريات الحرب

وتحتفظ الذاكرة السورية خلال عقد ونصف العقد بذكريات قاسية مع الجيش الروسي منذ تدخلهم مباشرة على الأرض خلال عام 2015، فالعيون الروسية ما زالت تشخص إلى المياه الدافئة في المتوسط، وحجزت لنفسها موطئ قدم في شرقه، وكسبت معها فرصة لا يمكن تفويتها عبر إنشاء أكبر قواعدها العسكرية البحرية والجوية في ريف اللاذقية، غرب سوريا (قاعدة حميميم) مكان ارتبط بأذهان السوريين، ولم يفارقهم فمن تلك القاعدة حلقت الطائرات وقصفت مواقع المعارضة السورية في شمال البلاد.

في المقابل تحاول دمشق بحكومتها الوليدة توسيع دائرة علاقتها الخارجية بعدما عاشت سوريا عقوداً تعتمد على طيف واحد من الشراكات من أبرزها المعسكر السوفياتي، وتنهي حال عداء مع المعسكر الغربي خصوصاً الولايات المتحدة، ولهذا السبب تحاول حكومة الرئيس أحمد الشرع ضبط تلك العلاقة ورسم ملامحها مجدداً.

الملف الدبلوماسي

على رغم زيارة الشرع إلى الكرملين مرتين ومحاولته فتح صفحة جديدة مع ألد الأعداء السابقين، كونه تزعم فترة الثورة السورية أبرز الفصائل المعارضة المتشددة "هيئة تحرير الشام"، تحاول سوريا تقليص النفوذ الروسي ومنها تخفيض استجرار النفط على رغم الحاجة إليه، فالإنتاج السوري من النفط ما زال هشاً وتحتاج الآبار النفطية إلى إعادة تأهيل، علاوة على توقيع اتفاقات مع شركات أميركية وقطرية للتنقيب عن النفط قبالة الشواطئ السورية.

 

وبالعودة إلى السفير الروسي الجديد دوغادكين فهو خريج معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، وعمل بالسلك الدبلوماسي خلال عام 1990 ويتحدث اللغة العربية بصورة جيدة جداً إضافة إلى الإنجليزية، وبعد انتهاء مهمته في سوريا شغل منصب سفير لدى سلطنة عمان عام 2017 ثم سفيراً لدى قطر عام 2021 ومنحته الدوحة بعد انتهاء مهمته الدبلوماسية وسام "الوجبة" تقديراً لدوره في تطوير العلاقات بين البلدين.

في غضون ذلك يقرأ الباحث الأكاديمي في شؤون السياسة الروسية الدكتور سامر عثمان في معرض حديثه عن توقيت إرسال سفير روسي جديد لدى سوريا بأنه "مرتبط بسياسة موسكو التي لا تربط حضورها بنظام سياسي أو مرحلة حكم، بل بموقع استراتيجي يمنح روسيا حضوراً على المياه الدافئة وشرق المتوسط، ويضعها في قلب معادلات الشرق الأوسط، فالحكومات تتغير، أما الجغرافيا والمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى فباقية"، وأضاف "يجب ألا نقرأ تعيين سفير روسي جديد باعتباره موقفاً من السلطة الموجودة اليوم في دمشق بقدر ما هو تأكيد لثبات المصالح الروسية في الجغرافيا السورية".

الطيران المدني يتحرك

إزاء هذا المشهد الجديد، والتحركات المتسارعة في العلاقة السورية ـ الروسية برز مشهد تحرك الطيران المدني لإعادة تفعيله، فقد كشفت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا عن استئناف الرحلات الجوية المباشرة والمنتظمة بين دمشق وموسكو اعتباراً من الـ16 من أغسطس (آب) الجاري. ولعل انطلاق حركة الطيران يعني زيادة الصلة والاتصال ورفع مستوى العلاقات السياسية إلى أبعد من المتوقع وفق ما يراه مراقبون.

مقابل ذلك يفسر عثمان في حديث إلى "اندبندنت عربية" ما يحدث بأنه محاولة روسية للحفاظ على قنوات الحضور والتواصل، لكنه لا يرى أن جوهر المسألة هو طبيعة العلاقة مع السلطة الموقتة في دمشق، لأن موسكو تنظر إلى سوريا كجزء من استراتيجيتها في الشرق الأوسط، وليس كعلاقة مرتبطة بالأشخاص أو السلطات العابرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول أيضاً "فتح الخطوط الجوية والحضور الدبلوماسي أدوات لتثبيت الاستمرارية الروسية وعدم ترك فراغ استراتيجي لقوى أخرى، لذلك أتوقع أن تبقى موسكو حاضرة في سوريا على المدى الطويل، وقد تتغير أدوات هذا الحضور وحجمه، لكن الأهمية الجيوسياسية في حسابات الكرملين ستبقى أكبر من عمر أي سلطة حاكمة فيها".

زوال القطيعة

ومع كل ذلك تأخذ العلاقات بين العهد الجديد السوري وروسيا تطوراً متسارعاً يخالف كل التوقعات التي كانت تدور حول الدخول بقطيعة بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، الدولة الحليفة له ولوالده حافظ منذ توليه الحكم وحتى هرب بشار (1970 ـ 2024)، إذ شهدت دمشق وموسكو زيارات لوفود عسكرية متبادلة بين وزارتي الدفاع بالبلدين.

وينظر متابعون للملف الروسي إلى أن الحاجة السورية اليوم إلى موسكو تتعاظم في ظل دمار واسع للجيش السوري وتحطيم قدراته على يد سلاح الجيش الإسرائيلي الذي قصف أكثر من 80 في المئة من القدرات الاستراتيجية ومن بينها منصات دفاع، وصواريخ بعيدة المدى ودمار لفرق المشاة وقوات النخبة التي تتموضع في جنوب البلاد، ولعل الفتور الأوروبي والأميركي بدعم السوريين بالسلاح الجديد قد يدفعهم إلى الارتماء مجدداً نحو الروس من أجل الحصول على قطع الغيار للمقاتلات الحربية، وأجهزة التشغيل المناسبة.

ويشير المراقبون إلى أنه حتى وإن كانت العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية تندفع بالحماسة الروسية المتأثرة بأجواء بلادهم الباردة فإن العلاقات الثقافية تسير نحو تطبيع ثقافي جديد، فقد أعلن أخيراً عن اتفاق لاستئناف نشاط (البيت الروسي) في دمشق الاسم الذي يطلق على المركز الثقافي الروسي. ويمكن قراءة هذا التطور بإعادة إحياء التواصل الشعبي، فروسيا الاتحادية أدت دوراً بارزاً خلال عقود إيفاد الشبان السوريين إلى جامعاتها لتلقي التعليم الأكاديمي، ومع عودة افتتاح المركز مجدداً سيعمل على إعادة التوازن في العلاقات بكل المجالات.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات