ملخص
عاد زعيم حزب "ريفورم" البريطاني إلى البرلمان عبر انتخابات فرعية استقال لتنظيمها، وقاطعتها الأحزاب الكبرى جميعها، فجاءت النتيجة ساحقة بالأرقام وهزيلة بالمعنى. غاب عن منصة إعلان فوزه متذرعاً بتحذير أمني نفت الشرطة توجيهه إليه، بينما حل مرشح ساخر يضع سلة قمامة على رأسه في المرتبة الثانية بربع الأصوات تقريباً. وبعودته إلى مجلس العموم يستأنف تلقائياً تحقيق المعايير البرلمانية في هبة بـ5 ملايين جنيه استرليني، وهو التحقيق ذاته الذي جمدته استقالته قبل خمسة أسابيع.
في الثامن من يوليو (تموز) الماضي تخلى نايجل فاراج عن مقعده النيابي في دائرة كلاكتون، وترشح مجدداً لعضوية مجلس العموم في الانتخابات الفرعية التي تقررت للدائرة يوم الـ13 من أغسطس (آب) الجاري. أراد فاراج أن يكون الاستحقاق محاكمة شعبية له على ما يتهم به من فضائح مالية، ليقطع الطريق أمام البرلمان على محاسبته في شأن هبة بقيمة خمسة ملايين جنيه استرليني، تلقاها ولم يفصح عنها كما تنص القوانين.
فتح مفوض المعايير البرلمانية تحقيقاً في شأن "هبة فاراج" في الـ13 من مايو (أيار) الماضي استناداً إلى القاعدة الخامسة من مدونة سلوك مجلس العموم، المتعلقة بعدم تسجيل مصلحة مالية، إذ تلزم النواب الجدد بتسجيل كل المنافع التي تلقوها خلال الـ12 شهراً السابقة لانتخابهم. وقال فاراج إنه "لم يرتكب أي خطأ"، ثم أعلن استقالته وخوض الانتخابات مجدداً كي يكون ناخبو دائرته هم من يحكم على تصرفاته.
امتنعت كل الأحزاب الرئيسة الأخرى عن المشاركة، واصفة الانتخابات بأنها "حيلة" لصرف الأنظار عن التحقيق البرلماني في الهبة الملغزة، فنافس زعيم "ريفورم" 32 مرشحاً من أحزاب صغيرة ومستقلين، أبرزهم كاونت بينفيس، ممثل كوميدي اعتاد خوض الاستحقاقات مرتدياً في رأسه "سطلاً"، وفاز فاراج بـ22239 صوتاً تعادل نسبة 63.34 في المئة من الناخبين، مقارنة بـ46.2 في المئة أيدوه في الانتخابات العامة الأخيرة.
القراءة الأولى للأرقام تصب لمصلحة فاراج. فقد زاد عدد أصواته أكثر من ألف صوت عن 2024، وارتفعت حصته إلى 63 في المئة، وهو إنجاز نادر في انتخابات فرعية تنخفض فيها المشاركة عادة، لكن القراءة المقابلة أقسى، إذ بلغ إجمالي المقترعين 35111 ناخباً، وهو الأدنى منذ استحداث دائرة كلاكتون عام 2010، فيما تجاوزت أصوات بينفيس مجموع ما حصدته الأحزاب الكبرى مجتمعة في 2024.
وضع موقع "كونسيرفاتف هوم" قبل الاقتراع اختبارين لقياس نجاح زعيم "ريفورم" في الانتخابات الفرعية، الأول تجاوزه 21225 صوتاً حصدها عام 2024، والثاني تجاوزه نسبة 72 في المئة التي نالها جايلز واتلينغ عام 2019، وما دون ذلك يجعل الفوز أقرب إلى انتصار "بيروسي"، اجتاز فاراج الاختبار الأول وسقط في الثاني.
المشهد الأغرب كان غياب الفائز عن حفل إعلان نصره. قال فاراج إنه لن يحضر الإعلان الرسمي للنتائج لأن شرطة "إسكس" أبلغته بوجود "حملة منظمة لتشويه النتيجة وإفسادها، وأضاف متحدث باسم "ريفورم" أن الشرطة نصحته بعدم الحضور بسبب تهديد ذي صدقية. غير أن تقارير إعلامية محلية تقول إنه لم يبلغ أي من المتنافسين بعدم حضور فرز الأصوات، واكتفت الشرطة بالقول إن "لديها عملية أمنية متناسبة ومحكمة لتأمين سلامة المشاركين".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في كلمته أمام أنصاره ليلاً قال فاراج إنه غير خائف، لكنه رفض الوقوف على منصة ليجري "الحط من قدره وإذلاله على يد أشخاص لا وزن لهم"، وألغى "ريفورم" خطاباً رئيساً لزعيمه كان مقرراً صباح اليوم الجمعة، بحجة أنه علق مسبقاً على النتيجة المتوقعة.
الحرج هنا سياسي أكثر منه أمني. فالوقوف على منصة واحدة إلى جانب رجل يضع سلة قمامة على رأسه، والاستماع إلى إعلان أن أكثر من ربع الناخبين فضلوه على زعيم حزب يتصدر أو يزاحم على صدارة استطلاعات الرأي الوطنية، صورة يصعب تسويقها بوصفها انتصاراً على المؤسسة الرسمية، فيما علق "وجه السطل" على غياب منافسه عن إعلان النتائج بأن "من قال إنه لا يريد أن يذل ربما يكون قد أذل فعلاً".
يقوم دفاع فاراج على أن الأحزاب الأخرى هي من أفرغ الاستحقاق من مضمونه بمقاطعتها، وأن نتيجته تظل حكماً شعبياً مباشراً. وقال إن الحكم صدر وإنه فوز مقنع وساحق بأصوات تفوق ما ناله عام 2024، وإن ناخبي كلاكتون وجهوا إشارة تحد إلى المؤسسة السياسية بأكملها. وأضاف في مقابلة مع قناة "جي بي نيوز" أنه سئم أن يحاكمه الإعلام وأن يوصف بالمجرم، وأنه لم يخالف أي قانون ولم يتقاضَ مالاً عاماً.
في المقابل، رأى موقع "أنهيرد" أن ارتفاع حصة فاراج إلى 63 في المئة لم يتحقق إلا بسبب مقاطعة الأحزاب الكبرى للاستحقاق، أما من الجانب الحكومي، فقالت رئيسة حزب "العمال" بريدجيت فيليبسون إن "فاراج أمضى 38 يوماً يقاتل سلة قمامة في محاولته الأكثر يأساً لصرف الانتباه عن فضائح تحاصره وحزبه، لكن الأسئلة المعلقة حول الهبة لن تختفي". أما "المحافظين" فقال إن هذه "انتخابات فرعية مزيفة دُعي إليها في سبيل طي صفحة التبرع المثير للريبة، وإن الحيلة لم تحقق ذلك".
الاستطلاعات سبقت الصندوق إلى التشخيص. أجرت مؤسسة "سيرفيشن" استطلاعاً هاتفياً شمل 502 بالغ في دائرة كلاكتون بين الـ16 والـ24 من يوليو الماضي، فوضع فاراج عند 73 في المئة و"بينفيس" عند 20 ولورنس فوكس عند 2، أي أن النتيجة الفعلية لزعيم "ريفورم" جاءت أدنى بـ10 نقاط تقريباً من التقدير، فيما تجاوز "وجه السطل" توقعاته.
الأهم في الاستطلاع ذاته أن المعركة لم تكن محلية إلى حد كبير. فعند سؤال الناخبين عما تدور حوله الانتخابات، تحدث 45 في المئة تلقائياً عن فاراج ودوافعه وسلوكه ومكانته، ووجد الاستطلاع أن 52 في المئة يعتقدون أن زعيم "ريفورم" دعا إلى الانتخابات لصرف الانتباه عن التحقيقات المالية.
على المستوى الوطني كانت الصورة أقسى بكثير. ففي استطلاع لمؤسسة "إبسوس" شمل ألف بريطاني في يوليو، قال 33 في المئة إنهم يريدون فوز "بينفيس" مقابل 21 في المئة لفاراج، وأيد 74 في المئة استمرار تحقيق لجنة المعايير، فيما رأى 54 في المئة أنه ما كان ينبغي له الاستقالة لافتعال انتخابات فرعية.
التحقيق الذي جمد عند استقالة فاراج استؤنف بمجرد فوزه، وإذا ثبت خرقه القواعد وصدر بحقه تعليق يتجاوز 10 أيام، فقد يفتح باب عريضة سحب الثقة واحتمال انتخابات فرعية ثانية، وقد يواجه تحقيقاً إضافياً في دعم قدمه له حليفه القديم جورج كوتريل الذي قضى 8 أشهر في سجن أميركي بعد إقراره بالذنب في قضية احتيال إلكتروني. والأدهى أن الحيلة نفسها بدت غير محسوبة. فقد ذكرت صحيفة "التايمز" أن حملة فاراج لم تكن تدرك أن تحقيق المعايير البرلمانية سيستأنف تلقائياً حال استعادته المقعد.
وتظل رواية فاراج عن المال متغيرة. فهو يقول إنه لم يكن ملزماً بالإعلان لأن الهبة سبقت انتخابه نائباً، بينما يرى خصومه أنه كان عليه تسجيلها في سجل مصالح النواب عام 2024، وقال لهيئة الإذاعة البريطانية إنها "هبة غير مشروطة"، ورفض توضيح أوجه إنفاقها بحجة أنها ليست شأناً عاماً. ونقلت "الغارديان" أن فاراج أبلغ زملاءه في مارس (آذار) 2024 أنه يحتاج إلى مليون جنيه سنوياً وخمسة ملايين إجمالاً لتغطية الفترة بين 2024 و2029، وهو ما نفى حزب "ريفورم" صحته.
وليست هذه أول مواجهة لزعيم "ريفورم" مع لجنة المعايير. فقد خلص المفوض في وقت سابق من هذا العام إلى أن فاراج خرق القواعد بعدم تسجيل 17 دفعة بقيمة نحو 384 ألف جنيه في المهلة المحددة، من دون اتخاذ إجراء بحقه لأن المخالفة عدت خطأ غير متعمد.
يقع كل ذلك في لحظة تحول وطني. فقد تولى آندي بيرنهام رئاسة الحكومة في الـ20 من يوليو الماضي خلفاً لكير ستارمر، وانعكس ذلك سريعاً على الأرقام. ففي استطلاع "أوبينيوم" في 5 أغسطس تصدر حزب العمال بنسبة 27 في المئة مقابل 25 في المئة لـ"ريفورم" و19 في المئة للمحافظين، مع تسجيل بيرنهام صافي تأييد إيجابي بلغ 16 نقطة مقابل سالب 25 نقطة لفاراج. وأظهر استطلاع "إبسوس" بين الـ30 من يوليو والرابع من أغسطس تقدم العمال بثلاث نقاط، مع تفضيل بيرنهام على فاراج وبادنوك لرئاسة الحكومة.
بعبارة أخرى، خاض فاراج معركة رمزية في أكثر دوائره أماناً في لحظة فقد فيها "ريفورم" صدارة الاستطلاعات للمرة الأولى منذ أكثر من عام. ربما يكون فوز النائب الشعبوي حقيقياً بمعناه القانوني، لكنه مذل سياسيا، أولاً لأن المنافسة جرت في ساحة أخلاها الخصوم طوعاً، وثانياً لأن النصر تحقق أمام منافس رئيس هو شخصية كرتونية، وثالثاً لأن نسبة المشاركة في الانتخابات هي الأدنى في تاريخ الدائرة، وأخيراً لأن فاراج لم يحضر تتويجه.
لهذا النوع من الاستحقاقات سوابق قليلة في الألفية الجديدة، فقد استقال أربعة نواب وترشحوا فوراً في الانتخابات الفرعية الناتجة، هم ديفيد ديفيس، عام 2008، ودوغلاس كارزويل ومارك ريكلس، 2014، وزاك غولدسميث عام 2016، واحتفظ الجميع بمقاعدهم باستثناء الأخير، لكن أياً من تلك الحالات لم تشهد مقاطعة جماعية من الأحزاب. أما سؤال الجدوى بالنسبة إلى الحالة الخامسة، وهي نايجل فاراج، فجوابه أن العودة لم تنقذه، بل أعادت تشغيل ساعة المساءلة. الاستقالة جمدت التحقيق البرلماني معه خمسة أسابيع، والفوز أعاده إلى نقطة الانطلاق ذاتها، مع فارق أن كلفة الرهان صارت معروفة للجميع.