Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قراءة فلسفية في ظاهرة الاكتئاب وأبعاده الثقافية

الباحثة إلودي بواسار تفكك الحالة المركبة التي تتفاعل فيها المعتقدات والانفعالات

إمرأة كئيبة بريشة بيكاسو (متحف الفن الحديث)

ملخص

تنطلق الباحثة الفرنسية إلودي بواسار في كتابها "فلسفة الاكتئاب" (منشورات ڤران، باريس 2026)، من ظاهرة  مألوفة في حياتنا المعاصرة، مع أنها تظل شديدة التعقيد، ساعية إلى بناء فهم فلسفي لها يستفيد من علم النفس والطب النفسي والعلوم العصبية وفلسفة العقل وفلسفة الانفعالات.

ما معنى أن يكون الإنسان مكتئباً؟ ومتى تتحول المعاناة النفسية إلى حالة مرضية؟ وما الذي يجعل الاكتئاب مختلفاً عن الحزن أو اليأس أو الإحباط أو الانفعال؟ ثم كيف يمكن فهم وضع يجد فيه الإنسان نفسه عاجزاً عن الفعل، مع أن العوائق الخارجية التي تمنعه من ذلك قد لا تكون موجودة بصورة مباشرة؟

من هذه الأسئلة التي تتناول مسائل فلسفية حاسمة، ينطلق كتاب "فلسفة الاكتئاب"، الذي ترفض مؤلفته إلودي بواسار، اختزال الاكتئاب في بعد واحد. فهو برأيها ليس مجرد حزن شديد، أو مجرد اضطراب في المزاج وفق التعريف الطبي، ولا مجرد مجموعة من الأعراض التي يمكن جمعها في قائمة تشخيصية. إنه، من الناحية الفلسفية، حالة مركبة وبنية ديناميكية يتفاعل فيها المزاج والمعتقدات والانفعالات والسلوك والقدرة على الفعل، بحيث يعزز بعضها بعضاً.

من هذه الزاوية، يفهم القارئ أهمية السؤال الذي تطرحه الباحثة في القسم الأول من الكتاب المخصص للمزاج الاكتئابي. فبالاستناد إلى الأوصاف السريرية والمرضية النفسية عامة، وإلى الشهادة الأدبية، وإلى مناقشة دقيقة للنظريات الفلسفية المتعلقة بالمزاج تكشف عن بواسار تعقيد هذا المفهوم. فالمزاج الاكتئابي يؤثر في الجسد، وفي إدراك العالم، وفي العلاقة بالزمن، وفي تقدير الذات، وفي العلاقات مع الآخرين. ولذلك لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد انفعال، كما ترى المؤلفة أنه لا يمكن اختزاله في حزن بلا موضوع، ولا في إحباط أو تثبيط للعزيمة.

يقود هذا التحليل إلى تحديد الدور الوظيفي للمزاج الاكتئابي الذي يؤثر في المعتقدات والأحكام والاستعدادات للفعل، ويجعل بعض الأفكار أكثر بروزاً، وأكثر صعوبة في مقاومتها أو التشكيك فيها. في هذا السياق تتحدث بواسار عن مفهوم "المعتقدات الاكتئابية الفعالة" التي توجه الانتباه والانفعالات والتوقعات والسلوكيات التي يواصل القسم الثاني من الكتاب تحليلها، منتقلاً من المزاج الاكتئابي إلى الاكتئاب بالمعنى الدقيق للكلمة.

بين الفكر والطب النفسي

ولعل العودة للتاريخ في مقاربة مفهوم الاكتئاب، وتتبع المراحل التي مرت بها معرفته ومكانته في الفكر والطب النفسي، قديماً وحديثاً، وهو المنظور الذي تنطلق منه بواسار، يكشف عن أن هذا المفهوم لم يكن مدركاً على الدوام بالطريقة نفسها، وأن اختزاله في مجرد الحزن لا يستنفد تعقيد بنيته، فالمزاج الاكتئابي لا يقتصر على إحداث تغير في الحالة الشعورية، وإنما يبدل أيضاً الطريقة التي ينكشف بها العالم أمام الشخص، فيؤثر في قدرته على التفكير والتوقع والفعل. ومن ثم، يغدو المزاج أكثر من مجرد حالة داخلية عابرة، إذ يمتد أثره إلى مختلف أبعاد الحياة النفسية وغير النفسية، فيعيد تشكيل علاقة الفرد بذاته وبالعالم.

وما حديث بواسار عن "المعتقدات الاكتئابية الفعّالة" إلا للتأكيد أن الشخص، في بعض الأحيان، قد يرى نفسه عاجزاً، أو يعتقد أن المستقبل لا يحمل له أي إمكان للنجاح والتقدم، فيفسر إخفاقاته كدليل على نقص ثابت في قدراته. ومع استمرار المزاج الاكتئابي، تكتسب هذه المعتقدات قوة خاصة، إذ تغدو أكثر حضوراً وإلحاحاً.

 لكن الأطروحة الأكثر إثارة في الكتاب تتبين حين تقارب بواسار مفهوم "المعتقدات الاكتئابية الذاتية التحقق"، أي حين تدرس العلاقة الدائرية القائمة بين الاعتقاد والسلوك والنتيجة، التي تؤكد أن الشخص إذا اعتقد أنه غير قادر على القيام بشيء ما، قد يتوقف عن محاولة القيام به. وإذا توقع الفشل، فقد يؤدي هذا التوقع إلى الانسحاب أو فقدان المبادرة، مما يزيد من احتمالات الفشل فعلاً، فتبدو النتيجة التي كان الشخص يتوقعها، كأنها تأكيد لصحة اعتقاده الأول.

 بهذه الطريقة يرسم كتاب إلودي بواسار دائرة من التعزيز المتبادل: المزاج الاكتئابي يجعل بعض المعتقدات أكثر حضوراً، والمعتقدات تؤثر في طريقة التصرف، والتصرف الناتج من المعتقدات يقلص فرص النجاح، فتعود النتيجة لتقوي المعتقد الأول. هكذا يخرج الاكتئاب من دائرة الأفكار السلبية، ليصبح نظاماً ديناميكياً يستطيع إعادة إنتاج نفسه.

تمنح هذه الفكرة الكتاب قدرته التفسيرية، لأنها تساعد في فهم سبب استمرار الحالة الاكتئابية وتصلبها وصعوبة الخروج منها. ويبدو الكتاب مقنعاً بصورة خاصة حين يبين أن الاكتئاب لا ينتج من سببية بيولوجية خالصة، ولا من لا عقلانية خالصة، ولا من مجرد معاناة انفعالية. إذ تتمثل قوته، كما أشرت، في وصف الاكتئاب كظاهرة دائرية، يتعزز فيها المزاج والمعتقدات والفعل بعضها ببعض. تسمح هذه الدائرية بفهم الكيفية التي يمكن أن يستمر بها الاكتئاب، وأن يزداد تصلباً، وأن يصبح من الصعب تغييره.

البعد الفلسفي

تكتسب المسألة بعداً فلسفياً أكثر دقة عندما تسأل المؤلفة عن معنى المرض النفسي، فلأن كل حزن ليس مرضاً، ولأن كل معاناة ليست اضطراباً مرضياً، تستعين بواسار بتعريف المفكر السويدي لينارت نوردنفلت للصحة، التي ترتبط بحسبه بقدرة الإنسان على تحقيق أهدافه الحيوية في الظروف العادية. في هذا الإطار، يصبح المرض مرتبطاً بنوع خاص من العجز، قوامه فقدان الفرد القدرة على تعبئة الإمكانات التي تسمح له بالسعي إلى تحقيق ما يصبو إليه.

وتعتبر بواسار هذه النقطة شديدة الأهمية لأنها تمنع الخلط بين التعاسة والمرض، فقد يمر الإنسان بفترة من الحزن أو الإحباط من دون أن يفقد قدرته الأساسية على المبادرة والعمل وإعادة تنظيم حياته. أما في الاكتئاب، ووفق التحليل الذي تقترحه الباحثة، فيمكن أن يصل العجز إلى مستوى أعمق، بحيث يصبح الشخص عاجزاً عن تعبئة القدرات النفسية اللازمة للخروج من الحالة التي تعيقه. هكذا تكتمل حلقة "المعتقدات الاكتئابية الذاتية التحقق"، التي تسهم في إنتاج الظروف المؤكدة للمعتقدات التي تغذيها.

مع ذلك، تثير هذه النظرية بعض الأسئلة النقدية، يتعلق أولها بالمكانة التي تمنح للخبرة السريرية الفردية. فإذا كانت بواسار قد استعانت بسرديات الكاتب الأميركي وليم ستايرون وشخصياته الدرامية وببعض الأمثلة السريرية في توضيح آليات معينة في تشّكل الحالة الاكتئابية، فإن هذه الأمثلة تبقى محدودة من حيث تاريخها الشخصي والزمني والعلاقات التي تحيط بها وبمسارها العلاجي. وتتعلق الأسئلة الثانية بالتحليل النفسي ودوره في معرفة المعتقدات التي تسهم في استمرار الاكتئاب، وموقع هذه المعتقدات داخل البنية النفسية الخاصة بكل شخص. كما تتعلق بدور المقاربة السيكودينامية و"الدليل التشخيصي السيكودينامي" في مقاربة هذه الظاهرة المعقدة من خلال التمييز الدقيق بين "العرض الاكتئابي"، و"النوبة الاكتئابية"، و"النمط الشخصي الاكتئابي"، و"المستويات المختلفة لتنظيم الشخصية"، إلخ.

وأخيراً، تثير قراءة هذا الكتاب سؤالاً مهماً حول علاقة الاكتئاب بالهوس، فمع أن الباحثة تركز أساساً على الحزن والقلق والإحباط وتراجع القدرة على الفعل، فإن استحضار الحالة الهوسية يفتح أفقاً فلسفياً لافتاً للمقارنة. فإذا كان الاكتئاب يتسم بتضاؤل إمكانات الفعل وبنظرة تشاؤمية إلى المستقبل وإلى قدرة الذات على التأثير، فإن الهوس يبدو، في ظاهره، نقيضاً لذلك: طاقة متدفقة، وتسارع في الأفكار، وشعور متضخم بالقدرة، وتقدير مفرط لما يمكن للذات أن تنجزه. لذا يمكن للمقارنة بين الحالتين أن تقود إلى سؤال أعمق يتعلق بعلاقة الإنسان بحدوده، وبالفارق بين القدرة الفعلية على الفعل وبين الكيفية التي تقدر بها الذات إمكاناتها وقدراتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تولي البيبليوغرافيا مكانة مهمة لعلم النفس المعرفي والعلاجات المعرفية السلوكية، في حين تظل الإحالات إلى التحليل النفسي أقل حضوراً، باستثناء بعض المراجع، ولا سيما سيغموند فرويد ودانيال فيدلوشر. ويمكن فهم هذا الاختيار في ضوء الرؤية التي ينطلق منها الكتاب، التي تركز على المعتقدات والأسباب والمزاج والفعل.

لكن هذه الأسئلة والملاحظات لا تنتقص من قيمة الكتاب، لعلها تكشف عن اتساع المجال الذي يفتحه. فـ"فلسفة الاكتئاب" تقدم محاولة جادة لإعادة صياغة ظاهرة نفسية، غالباً ما تقع بين لغة الطب ولغة التجربة اليومية.

تكمن أهمية الكتاب في قدرته على الجمع بين هذه المستويات من دون إلغاء الفروق بينها، إنه يضع المزاج والمعتقد والفعل في علاقة ديناميكية، شارحاً كيفية إمكان تحول الحالة النفسية إلى دائرة مغلقة تنتج الشروط التي تحافظ عليها، كما يقدم مثالاً مهماً لما يمكن للفلسفة أن تضيفه إلى التفكير في الاضطرابات النفسية. فالفلسفة هنا تسأل عن المفاهيم التي نستخدمها حين نصف حالة ما بأنها مرضية، وعن طبيعة المزاج، وعن العلاقة بين الاعتقاد والفعل، وعن معنى القدرة والعجز، وعن الشروط التي تجعل تجربة نفسية معينة تتجاوز حدود المعاناة الإنسانية العادية لتصبح حالة مرضية.

لهذا يمكن قراءة كتاب إلودي بواسار كدراسة في الاكتئاب، وكبحث في العلاقة بين الإنسان وإمكاناته، فالإنسان المكتئب لا يفقد فقط بعض الرغبات أو المشاعر، لكنه قد يفقد أيضاً القدرة على رؤية نفسه ككائن قادر على تغيير وضعه. هنا يصبح مفهوم "العجز" مفتاحاً فلسفياً يمكننا من فهم خصوصية التجربة، فالمشكلة لا تكمن في غياب الفعل وحده، وإنما في تراجع القدرة على استدعاء القوى النفسية التي تجعل الفعل ممكناً. ومن هذه الزاوية، تنجح بواسار في نقل الاكتئاب من مستوى الوصف إلى مستوى التفسير. فهي لا تسأل عن الأعراض التي تظهر لدى الشخص المكتئب، وإنما عن كيفية تفاعل هذه الأعراض والمعتقدات والمزاج والسلوك بحيث يصبح استمرار الحالة مفهوماً. هذه "النقلة" النوعية في مقاربة الاكتئاب هي أهم ما يقدمه الكتاب الذي يفتح حواراً بين الفلسفة والطب النفسي وعلم النفس والمقاربات السريرية المختلفة، مقدماً دعوة صريحة إلى التفكير في الاكتئاب بوصفه تجربة تمس الإنسان في علاقته بذاته وبالعالم وبالمستقبل وبقدرته على الفعل، وهي علاقة تجعل فهم المعاناة النفسية قضية فلسفية بامتياز بقدر ما هي قضية طبية ونفسية.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب