ملخص
تحولت وسيلة النقل هذه إلى أداة عنف يعتمد عليها المخربون لنقل الأحزمة والعبوات الناسفة بمرونة داخل المدن السورية والتجمعات السكنية الأكثر اكتظاظاً، لتنفيذ تفجيرات واستهدافات طيلة أعوام في الشمال السوري.
"الموت المتنقل" هذا ما بات يطلق على الدراجات النارية مع تطور أساليب عمليات التفخيخ المهددة لحياة الناس. فوسيلة النقل هذه تحولت إلى أداة عنف يعتمد عليها المخربون لنقل الأحزمة والعبوات الناسفة بمرونة داخل المدن السورية والتجمعات السكنية الأكثر اكتظاظاً، لتنفيذ تفجيرات واستهدافات طيلة أعوام في الشمال السوري.
أهداف جديدة
المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون باتت تضع صلب أهدافها قوى الأمن والجيش مستخدمة الدراجات النارية، وكان آخرها قبل أيام في هجوم نفذه شخص مجهول الهوية على مقر كتيبة الصنوف التابعة للواء القوات الخاصة في الفرقة 76 في بلدة بزاعة شرق حلب، من دون أن يؤدي إلى خسائر في الأرواح، لكنه ترك تأثيراً معنوياً عن صورة جديدة من صور الاستهداف للجيش السوري الجديد.
وبحسب "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، وصل المهاجم على متن دراجة نارية، وحاول اقتحام البوابة الرئيسة للمقر إلا أن عناصر الحراسة منعوه من الدخول. وبعد تقدمه مسافة قصيرة داخل الموقع، فجر نفسه بواسطة حزام ناسف كان يرتديه، وأسفرت العملية الهجومية عن أضرار مادية في محيط المقر من دون تسجيل أي إصابات أو خسائر بشرية، فيما لا تزال ملابسات الحادثة غير معروفة.
هذه العملية لم تكن الأولى من نوعها بتفخيخ الدراجات النارية بعد سقوط الأسد. ففي الثامن من يونيو (حزيران) عام 2025، أحبطت وزارة الداخلية محاولة تفجير دراجة نارية مفخخة عثرت عليها الأجهزة الأمنية في حمص وسط البلاد، أثناء تأمين مداخل المدينة ومفارق الطرق، وتفكيك المتفجرات عبر الفرق الهندسية المتخصصة. وتكررت العملية ذاتها في مدينة حلب في حي السليمانية، ذي الغالبية المسيحية في يناير (كانون الثاني) الماضي حين عثرت قوى الأمن على دراجة مفخخة وفككتها قبل تفجيرها.
المدن تخاف "الموتور"
وإذا ما أسعف الحظ أو الاجتهاد الجهات الأمنية في الكشف عن تلك الدراجات، لكن عددها الهائل وسهولة تفخيخها والانتقال بها بكل سلاسة بعيداً من الأعين، أسفرت عن وقوع تفجيرات متنقلة، منها تفجير وقع في حي طوبية على أطراف مدينة البوكمال بريف دير الزور شرق سوريا قبل شهر تقريباً.
ومع اتساع المساحة الجغرافية بعد ضم مناطق جديدة في الشمال والشمال الشرقي، تواجه السلطات المحلية أخطار تسلل متطرفين ومخربين للمدن والأحياء السكنية. وفي هذا الشأن، يرجح الناشط السياسي والحقوقي أحمد السيد عمر من مدينة دير الزور، استغلال مجموعات من فلول "داعش" هذه الثغرة الأمنية، والتوجه من البادية كمركز لنشاطها التخريبي والتنقل عبر الدراجات النارية من ممرات وطرق يَخبرُها جيداً أفراد التنظيم المتطرف إلى المدن الريفية، المحاذية لبادية مترامية الأطراف.
وأضاف "أن استخدام الدراجة النارية من قبل ‘داعش‘ بهذه الطريقة يعطيها سهولة الحركة والهرب من الأعين، بعكس السيارات والمركبات الصغيرة أو متوسطة الحجم وسيارات الدفع الرباعي، التي كانت تستعملها بصورة أوسع قبل سقوط التنظيم في مارس (آذار) 2019، حيث يمكنها عبر تلك الدراجات التخفي من رصد طائرات التحالف الدولي، أو القوى العسكرية التي تشارك بالحملات البرية لتتبع أثر التنظيم وتستغل واقع كون معظم المدنيين العزل يستخدمون هذه الوسيلة لقضاء حوائجهم".
ويحذر الناشط السيد عمر من التساهل حيال وسيلة النقل ذات العجلتين في التجمعات السكنية الكبيرة أو المدن الرئيسة، فالإفلات حسب رأيه من أعين المراقبة سهل جداً عبر المرور بطرق وعرة وضيقة لا تستطيع المركبة ذات أربع عجلات المرور بها، ومن ثم الوصول إلى الأهداف إما بالاستهداف المباشر أو ركنها إلى جانب الهدف وتفجيرها عن بعد. وهذه الوسيلة علاوة على كونها أقل كلفة من تفخيخ السيارات وسهلة المرور عبر الحواجز الأمنية بالطرقات والابتعاد عنها، فإنها أيضاً تحقق دخولاً لأماكن عامة قد لا تستطيع وسيلة نقل كالسيارة الوصول إليها.
جرائم وتحرك سريع
إزاء ذلك، أصدر فرع المرور بحلب قراراً يقضي بمصادرة وحجز الدراجات النارية مباشرة في حال حصول مخالفات وعدم الالتزام بالقانون، ويأتي ذلك بعد تكرار حوادث جنائية من خطف وقتل وسرقة، كانت الوسيلة لتنفيذ هذه الجرائم الدراجة.
في المقابل، ينظر سوريون إلى أن هذه التصرفات التي ينفذها مخربون أو مجرمون باستخدام هذه الوسيلة قد عطلت عليهم ركوب دراجاتهم والتنقل بها. ويتحدث أحمد الشيخ ويدعى "قتيبة" أن لهذه الدراجة فوائد من حيث التنقل للعمل وتسهيل معيشة الناس، داعياً إلى "فرض رقابة على تلك الوسيلة عبر تأمين التراخيص الرسمية، لا سيما أن كثيراً من البلدات والأراضي الزراعية لا تتوفر لديها المواصلات المناسبة للوصول إليها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في غضون ذلك، غرقت الأسواق السورية بسيل من الدراجات النارية في الأوان الأخيرة لا سيما مع تدفق الآليات ووسائل النقل المختلفة بعد سقوط النظام، ولجأت الأوساط الشعبية إلى استخدامها لسهولة التنقل بها. فعلى رغم اعتماد المدن الريفية عليها كمصدر أساس للتنقل، فإن اكتظاظ المدن الرئيسة والكبرى بالسيارات والازدحام المروري الهائل دفع الكثير إلى الاعتماد على "الموتور" الاسم الشعبي المتداول بين العامة، كأسلوب نقل أكثر مرونة.
وأصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025 القرار (5) القاضي بمنع إدخال الدراجات النارية بكل أنواعها ومسمياتها إلى سوريا سواء كانت جديدة أو مستعملة اعتباراً من بداية أبريل (نيسان) 2026، وتكليف إدارة الجمارك بتنفيذ أحكام القرار عبر جميع المنافذ.
ويرى متابعون لهذه القضية أن الحاجة إلى الدراجة النارية برزت كوسيلة أساسية في النقل العام، وتزايد الطلب عليها بعد اندلاع الحراك الشعبي لإسقاط نظام الأسد عام 2011 وما تبعه من حرب وصراع مسلح ودمار المرافق العامة ومنها وسائل النقل والبنية التحتية.
وجاء في ورقة بحثية أصدرها "تيار المستقبل السوري" خاصة بظاهرة انتشار الدراجات النارية "تمثل هذه الظاهرة بعد عام 2025 مرآة دقيقة لتفكك السلطة المركزية، وتحول المجتمع نحو أنماط جديدة من التنظيم الذاتي، والحل الذي يقترحه التيار ليس في إعادة إنتاج سلطة الضبط القديمة، بل في صياغة نظام معرفي وتشاركي جديد ينظم الفضاء العام على قاعدة التوازن بين الحرية والأمن".
وشهدت البلاد منذ سقوط بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024 وهربه إلى موسكو العاصمة الروسية، أعمال عنف وسلسلة من التصفيات والأخذ بالثأر نُفِذ أغلبها عبر الدراجات النارية، وجميعها جاءت عبر عمليات القتل المباغت، وسجلت "ضد مجهول"، إذ استهدفت شخصيات عسكرية مرتبطة بالنظام السابق أو رجال أعمال، ومن تلك الأمثلة إقدام شخص يستقل دراجة نارية بالهجوم على سيارة كان يقودها عميد كلية الهندسة المدنية السابق في جامعة حلب سهيل جنزير وأرداه قتيلاً.
وتتشابه العمليات في طريقة وأسلوب التنفيذ بواسطة ملثمين يستقلون دراجات نارية، وغالباً يشهرون أسلحة فردية أو يخفونها بطريقة لا تثير الريبة، وفي بعض الأحيان يستخدمون كاتم صوت لمسدساتهم كما حدث مع الأستاذ الجامعي في حلب. لكن القاسم المشترك هو استخدام الدراجات النارية لتنفيذ عمليات القتل والسرقة، كونها توفر مرونة في التنقل والفرار وتصعب مهمة سيارات الشرطة في تعقبها.