ملخص
يبدأ حل أزمة الرواتب في العراق من إعادة بناء الثقة من خلال الاعتراف بمواطن الخلل، ووضع مؤشرات أداء واضحة، وتحقيق العدالة في تقديم الخدمات، وتطبيق القانون على الجميع، وتعزيز الرقابة، وحماية الإعلام والمجتمع المدني، وتوسيع مشاركة المواطنين في القرار العام.
بعد مرور 47 يوماً من دون صرف الرواتب، دخل الأكاديميون والموظفون في مختلف الجامعات العراقية، منذ الأربعاء الماضي، في اعتصام مفتوح أمام مباني جامعاتهم احتجاجاً على تأخر صرف الرواتب.
ولم تقتصر مطالب المعتصمين على صرف الرواتب، بل تشمل أيضاً احتساب الشهادات العليا والعلاوات والترفيعات والخدمة الوظيفية والأجور، إلى جانب حقوق وظيفية أخرى يقولون إنها ما زالت معلقة.
فقد الأمان الاقتصادي
تقول الموظفة علا (37 سنة)، "أنا لا أطالب برفاهية، ولا أبحث عن امتيازات خاصة، بل أطالب فقط بأن تحترم الدولة العقد الذي يجمعها بمواطنيها، فالكرامة تبدأ عندما يشعر الإنسان بأن ثمرة عمله محفوظة، وأن من يؤدي واجبه لا يترك أسير القلق في نهاية كل شهر".
من جانبه يقول التدريسي علي (52 سنة)، "حين يفقد الأستاذ الجامعي إحساسه بالأمان الاقتصادي، فإن القضية لا تخصه وحده، بل تمس مستقبل التعليم بأكمله. فالدولة التي تسعى إلى بناء الإنسان عليها أولاً أن تحمي من يتولى بناءه. إن الثقة بين المواطن والدولة لا تبنى بالخطب والشعارات، وإنما بالوفاء بالحقوق قبل المطالبة بالواجبات".
حق أم منحة؟
ويؤكد المتخصص في مجال القانون المدني في الجامعة العراقية ماجد المجباس أنه "في الأنظمة الديمقراطية، الشعب هو مصدر السلطة، لكنه يفوض ممثلين منتخبين بإدارة شؤون الدولة. ومن هنا تأتي فكرة العقد الاجتماعي التي تنظم الحقوق والواجبات بين المواطن والدولة".
ويضيف "وبالنظر إلى الدستور العراقي، نجد أن الحقوق والحريات تمثل محوراً أساساً، لكن ممارسة هذه الحقوق تحتاج إلى موارد مالية. فالحق في الحياة والصحة والسكن والتعليم والخدمات يرتبط بقدرة الدولة المالية. والراتب ليس منحة من الدولة، بل هو حق مقابل العمل وفق مبدأ الأجر مقابل العمل. أما سياسات التوظيف والتقاعد فهي مسؤولية الدولة التي تضع خطط الوظيفة العامة وتتحمل نتائجها".
ويمضي المجباس فيقول، "الرواتب لا تمثل التزاماً تجاه الموظف فحسب، بل تؤثر في الاقتصاد من خلال تحريك الأسواق وزيادة القدرة الشرائية. ويبقى المواطن ملتزماً تجاه الدولة حتى عند وجود تقصير، لأن استيفاء الحقوق بالقوة يتعارض مع دولة القانون. وفي المقابل، تبقى الدولة ملزمة بالوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين. وتكشف أزمة الاقتصاد الريعي في العراق أهمية تنويع مصادر الدخل، وعدم الاعتماد الكامل على النفط، لأن مستقبل الدولة لا يمكن أن يبقى مرتبطاً بمورد واحد".
ضعف مؤسسات الدولة
من جانبها تقول المهتمة بالشأن السياسي هيام الخزاعي "للأسف، يواجه العقد الاجتماعي في العراق تحديات كبيرة منذ عام 2003 وحتى اليوم، أبرزها ضعف مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد، والمحاصصة السياسية والطائفية، وضعف الخدمات وتفاوت مستواها بين المحافظات".
وتضيف، "أعتقد أن العلاقة بين المواطن والدولة تحتاج إلى إعادة بناءً على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون، بما يحقق الثقة المتبادلة بين الطرفين، ويضمن صون الحقوق وأداء الواجبات، ويسهم في بناء مجتمع سليم ودولة متطورة".
وتتمثل التزامات الدولة في حماية حياة المواطن، وتوفير الأمن، وتطبيق سيادة القانون، وضمان استقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وحماية الحريات العامة، وتوفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والتعليم والصحة والطرق والاتصالات، وتوفير فرص العمل والضمان الاجتماعي ورعاية الفئات الأضعف، بحسب الباحث العراقي المتخصص في القانون الدستوري والعلوم السياسية سربست أوميدي.
ويوضح أن الدولة تلتزم أيضاً بحماية الثروات الوطنية وإدارة النفط والغاز لمصلحة الشعب، والحفاظ على البيئة والتراث والثقافة. وفي المقابل، يلتزم المواطن احترام الدستور والقوانين، وحماية المال العام، والمحافظة على الوحدة الوطنية، والدفاع عن العراق وفق القانون، والحفاظ على البيئة، وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين أو الممتلكات العامة والخاصة".
ويشدد على أن "العقد الاجتماعي في العراق لا يتعلق فقط بالنصوص الدستورية، بل بقدرة الدولة والمواطن معاً على بناء علاقة تقوم على الثقة والمسؤولية المتبادلة. فالدولة القوية تحتاج إلى مواطن ملتزم، والمواطن الآمن يحتاج إلى دولة عادلة وقادرة".
أزمة مؤسسات أم قيم؟
على خلفية الأزمة، يشير المتخصص في علم الاجتماع فاروق الدباغ إلى أن "الصراع القيمي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع العراقي، نتيجة التداخل بين منظومات قيمية متعددة، واختلاف النظرة إلى الدولة والمجتمع والعلاقة بين الفرد والجماعة".
ويلفت الانتباه إلى أن "هذا الصراع يظهر في العلاقة بين الهوية الوطنية والهويات الفرعية، وبين المواطنة والانتماءات الطائفية والقومية والعشائرية، وبين سيادة القانون والأعراف الاجتماعية، وبين تطلعات الشباب إلى العدالة وبين استمرار ممارسات الواسطة والمحسوبية، فالمشكلة ليست في التنوع بحد ذاته، بل في غياب إطار جامع يحول التنوع إلى مصدر قوة. فالمجتمع المستقر هو الذي يبني قيماً مشتركة تقوم على المواطنة وسيادة القانون وقبول الاختلاف".
وفيما يتعلق بإمكان أن تتغير القيم بتغير المصالح، يقول الدباغ "في العراق، لا تتغير مواقف بعض الناس دائماً نتيجة القناعة أو الالتزام القيمي، بل قد تتغير تبعاً للمصلحة. فإذا أنصفهم القانون أصبحوا من المدافعين عن الدولة، وإذا تعارض القانون مع مصالحهم عادوا إلى الاحتماء بالهويات الفرعية كالعشيرة أو الطائفة أو الحزب. المشكلة ليست في وجود الدولة أو العشيرة، وإنما في غياب منظومة قيم ثابتة تجعل احترام القانون مبدأ لا يتغير بتغير الظروف، إضافة إلى أن استخدام التبريرات الدينية أحياناً لتغطية هذه التحولات يزيد من تعقيد الأزمة، لأن القيم تتحول إلى أدوات لتبرير السلوك بدلاً من أن تكون مرجعاً أخلاقياً ثابتاً".
إعادة بناء العقد الاجتماعي
ويؤكد السياسي وعضو تيار الحكمة الوطني سامي الجيزاني أنه بعد أكثر من عقدين من التحولات، يحتاج العراق إلى إعادة صياغة عقد اجتماعي ينسجم مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية فالتنوع القومي والديني والثقافي يمثلان مصدر قوة إذا جرت إدارتها بعقلية وطنية تقوم على المواطنة، وليس على الانقسام، إضافة إلى أن دخول أجيال جديدة إلى الحياة العامة، لم تعش مرحلة ما قبل عام 2003، يفرض بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع تقوم على الحقوق المتساوية.
ويقول، "أثبتت التجارب الوطنية، ومنها مواجهة تنظيم ’داعش’، أن العراقيين قادرون على تجاوز الانقسامات عندما تواجه البلاد خطراً مشتركاً، إضافة إلى أن الدستور، بوصفه قانوناً وضعياً، يبقى قابلاً للمراجعة والتطوير بما ينسجم مع تطور المجتمع وحاجاته، وتبقى المواطنة هي الأساس لبناء الدولة، كما تظهر في اللحظات الجامعة، ومنها التفاف العراقيين حول المنتخب الوطني لكرة القدم، حيث تتراجع الهويات الفرعية أمام الهوية العراقية المشتركة".
في الوقت نفسه يبين الصحافي العراقي المقيم في السويد أمير الحسون أن "أزمة الثقة لم تعد بين الدولة والمجتمع في العراق قضية سياسية مجردة، بل أصبحت واقعاً ينعكس في حياة المواطن اليومية. فالدولة أخفقت في ملفات أساسية مثل الكهرباء والخدمات الصحية وفرص العمل، إضافة إلى أن المحاصصة والواسطة أضعفتا شعور المواطنين بعدالة المؤسسات".
ويقول إن "المواطن أيضاً يتحمل جزءاً من المسؤولية، من خلال ضعف الالتزام بدفع الرسوم والضرائب، والاعتماد المفرط على الوظيفة الحكومية، والتجاوز على الممتلكات العامة، والتراجع عن المشاركة المدنية. إن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى مسؤولية متبادلة دولة شفافة وكفؤة تقدم الخدمات وتحترم القانون، ومواطن يحترم القانون ويسهم في بناء مؤسسات الدولة".
اهتزاز العقد الاجتماعي
يستهل مستشار رئيس مجلس الوزراء العراقي لشؤون التنمية الإدارية عقيل الخزعلي حديثه بالقول إن "العقد الاجتماعي يهتز سياسياً وأخلاقياً عندما تفشل الدولة بصورة متكررة في توفير الأمن والخدمات والعدالة والإدارة الجيدة، لأن الثقة العامة تقوم على شعور المواطن بأن القانون يحميه، وأن الموارد العامة تتحول إلى خدمات وفرص، وأن صوته مؤثر في صناعة القرار، لكن إخفاق الدولة لا يعني سقوط الدستور أو تبرير الفوضى، بل يفتح المجال أمام المساءلة والإصلاح عبر الوسائل الدستورية".
ويشير إلى أن "إعادة بناء الثقة من خلال الاعتراف بمواطن الخلل، ووضع مؤشرات أداء واضحة، وتحقيق العدالة في تقديم الخدمات، وتطبيق القانون على الجميع، وتعزيز الرقابة، وحماية الإعلام والمجتمع المدني، وتوسيع مشاركة المواطنين في القرار العام".
ويوضح أن "الدولة ليست جهة مانحة للحقوق، بل هي ملتزمة دستورياً بأدائها. وفي مقدمة هذه الالتزامات حماية الحياة والأمن والحرية والكرامة، وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص، وضمان استقلال القضاء والمحاكمة العادلة، وحماية حرية التعبير والصحافة والاجتماع السلمي. وتشمل مسؤوليات الدولة توفير مقومات الحياة الكريمة، من خلال العمل والضمان الاجتماعي والصحي، والرعاية الصحية، والتعليم، ومكافحة الأمية، وحماية الأسرة والطفولة والشيخوخة وذوي الحاجات الخاصة، إضافة إلى حماية البيئة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشمل مسؤولية الدولة كذلك إصلاح الاقتصاد، واستثمار الموارد، وتنويع مصادر الدخل، وتشجيع الاستثمار، إلى جانب الإدارة الرشيدة للسياسات العامة والموازنة وخطط التنمية، تحت رقابة البرلمان والقضاء والهيئات المستقلة.
في مقابل ذلك يصبح على المواطن واجبات في الدولة الديمقراطية، إذ يقول الخزعلي، "لا يخصص الدستور العراقي باباً مستقلاً لواجبات المواطن، إلا أن أحكامه تضع مجموعة من الالتزامات القانونية والمسؤوليات المدنية، في مقدمها احترام الدستور والقانون وحقوق الآخرين، وصون السلم العام ووحدة المجتمع، وحماية الأموال العامة، وهو واجب نصت عليه المادة (27)، وكذلك الالتزام بالواجبات الأسرية، من خلال رعاية الوالدين للأبناء ورعاية الأبناء للوالدين، خصوصاً عند العجز أو الحاجة أو الشيخوخة، إضافة إلى الالتزام بالضرائب والرسوم التي تفرض بقانون، والخدمة العامة التي ينظمها القانون".
وفي إطار المواطنة الديمقراطية، لا يقتصر دور المواطن على الالتزام القانوني، بل يمتد إلى المشاركة الواعية في الحياة العامة، واختيار ممثليه، ومراقبة أداء السلطات، ومكافحة الفساد، وحماية المال العام، والتعبير السلمي عن الرأي، فالديمقراطية تضعف عندما يتحول المواطن من شريك في إدارة الدولة إلى مُتلقٍّ سلبي.
ويشدد على أنه "في الأزمات العادية يمكن أن يكون الخلاف حول أداء الحكومة أمراً طبيعياً، لكن عندما تصل الأخطار إلى أمن الدولة واقتصادها وسيادتها، يصبح العراق نفسه هو القضية الأساسية، فالتصعيد الإقليمي والاضطرابات الاقتصادية تنعكس على حياة المواطنين، لأن الضرر الذي يصيب منشأة أو قطاعاً اقتصادياً قد يتحول إلى تأثير مباشر في رواتب الموظفين، ومعيشة الأسر، والخدمات الأساسية. وفي هذه الظروف، يصبح التضامن الوطني مسؤولية تتقدم على الخلافات السياسية، لأن الأخطار لا تميز بين طائفة أو قومية أو حزب أو محافظة. فضعف الدولة يؤثر في الجميع".
ويقول، "إسناد مؤسسات الدولة لا يعني غياب الرقابة أو النقد، بل يعني دعم وظيفة الدولة في حماية الحدود، وضمان الأمن والطاقة والغذاء والخدمات، مع استمرار المحاسبة والتقويم. ويحتاج العراق في هذه المرحلة إلى جبهة وطنية متماسكة تضم قوى سياسية مسؤولة، وإعلاماً مهنياً ونخباً قادرة على قراءة الأخطار، وفعاليات اجتماعية ودينية داعمة للاستقرار، ومواطنين يقدمون المصلحة العامة على الانفعال. فالعراق أكبر من الحكومات والأحزاب والزعامات، والدولة هي الإطار الذي يحمي الجميع".