Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا رفع العراق جاهزيته الأمنية الآن؟

أهمية القرار تكمن في توقيته وطبيعة الإجراءات المصاحبة له

التوجيهات الجديدة لا تقتصر على رفع حال التأهب الإداري وإنما تتضمن تنفيذ ممارسات تدريبية وتحريك القطعات (أ ف ب)

ملخص

في وقت تؤكد فيه وزارة الداخلية أن الحدود تشهد مستوى عالياً من الأمن والاستقرار، لفتت خلية الإعلام الأمني إلى أن رفع الجاهزية يأتي للحفاظ على هذا المستوى ومنع أي تهديد محتمل. وعليه، فإن الرسالة الأبرز التي تحملها الإجراءات الأخيرة تتمثل في أن المؤسسة الأمنية العراقية تريد أن تكون في موقع الاستعداد لا الانتظار، وأن يكون التعامل مع أي تهديد محتمل في مراحله الأولى، مع التشديد على أن الأراضي العراقية لن تكون منصة لاستهداف الآخرين، وأن السلاح واستخدام القوة يجب أن يبقيا ضمن إطار الدولة والقانون.

 

دخلت المنظومة الأمنية والعسكرية في العراق مرحلة جديدة من الاستعداد والاحتياط، بعد توجيه القائد العام للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي برفع مستوى الجاهزية الأمنية والاستعداد القتالي للقوات الأمنية والعسكرية، في خطوة شملت مختلف صنوف القوات، وامتدت من الشريط الحدودي إلى العمل الميداني في مختلف مناطق البلاد.

وبحسب ما أعلنت خلية الإعلام الأمني، فإن التوجيهات الجديدة لا تقتصر على رفع حال التأهب الإداري، وإنما تتضمن تنفيذ ممارسات تدريبية وتحريك القطعات، بهدف الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية وتعزيز قدرة القوات على التعامل مع أي تطورات أمنية محتملة، مع التشديد في الوقت ذاته على حماية المواطنين والمصالح العامة والحفاظ على الاستقرار.

وتزامن الإعلان عن رفع الجاهزية مع عقد اجتماع أمني موسع ترأسه مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبدالأمير الشمري، بحضور رئيس أركان الجيش، ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب، وعدد من الوكلاء والقادة الأمنيين والمديرين العامين وممثلين عن هيئة "الحشد الشعبي"، إلى جانب مشاركة قادة العمليات والشرطة في المحافظات عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة.

ويعكس اتساع دائرة المشاركة في الاجتماع محاولة لوضع التوجيهات الأمنية ضمن إطار موحد يشمل مختلف تشكيلات الدولة، في وقت ركزت فيه القيادة الأمنية على سرعة التعامل مع المعلومات الاستخباراتية وتوحيد الخطاب الإعلامي ومكافحة الإشاعات، إلى جانب تعزيز الانتشار والاستعداد الميداني.

رفع الجاهزية على مستوى العراق

وأكدت خلية الإعلام الأمني أن تطبيق توجيهات القائد العام يبدأ من الشريط الحدودي ويمتد إلى العمل الميداني في مختلف مناطق البلاد، مما يعطي الإجراء بعداً واسعاً لا يرتبط بمنطقة جغرافية محددة أو تهديد معلن بعينه.

وشدد الاجتماع الأمني على عدم السماح بأن تكون الأراضي العراقية منطلقاً لأي تهديد داخلي أو خارجي يستهدف أي دولة، في رسالة ترتبط في جانب منها بمبدأ الحفاظ على سيادة العراق ومنع استخدام أراضيه في الصراعات الإقليمية.

ويأتي التركيز على الحدود في ظل كونها إحدى أبرز نقاط المسؤولية الأمنية، خصوصاً مع اتساع مساحة العراق وتعدد حدوده البرية، مما يتطلب استمرار الانتشار والمراقبة ومنع عمليات التسلل والتهريب وأي نشاط يمكن أن يتحول إلى تهديد أمني.

في هذا السياق، أكدت وزارة الداخلية أن الحدود العراقية تشهد مستوى عالياً من الأمن والاستقرار، مشيرة إلى أن قيادة قوات الحدود، بإسناد من مختلف التشكيلات الأمنية، تواصل تنفيذ خطط للمراقبة والسيطرة على الشريط الحدودي.

وقال رئيس دائرة العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية اللواء مقداد ميري إن إجراءات المراقبة والسيطرة أسهمت في الحد من محاولات التسلل والتهريب، لافتاً إلى اعتماد التقنيات الحديثة والانتشار الميداني في تأمين الحدود. وتشير هذه المعطيات إلى أن رفع الجاهزية لا يعني بالضرورة وجود مواجهة وشيكة، بقدر ما يمكن أن يكون جزءاً من إجراءات احترازية تهدف إلى رفع قدرة القوات على الاستجابة السريعة لأي طارئ.

ما وراء قرار رفع الجاهزية؟

أهمية القرار لا تكمن فقط في رفع مستوى الاستعداد العسكري، وإنما في توقيته وطبيعة الإجراءات المصاحبة له.

فالعراق يعيش في بيئة إقليمية معقدة تتداخل فيها ملفات أمنية وسياسية عدة، في وقت تحاول الحكومة تثبيت سياسة تقوم على منع استخدام الأراضي العراقية في أي صراع أو نشاط يستهدف دولاً أخرى.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة رفع الجاهزية باعتباره إجراء متعدد الأهداف، فهو من جهة يعزز قدرة القوات الأمنية على مواجهة أي تهديد محتمل، ومن جهة أخرى يبعث برسالة إلى الأطراف الداخلية والخارجية بأن المؤسسات الأمنية تراقب التطورات ومستعدة للتعامل معها.

كذلك فإن التركيز على الجهد الاستخباري وسرعة التعامل مع المعلومات يشير إلى أن التحديات الأمنية الحديثة لا تعتمد فقط على الانتشار العسكري، بل على القدرة على اكتشاف التهديد قبل تحوله إلى حادثة أمنية واسعة.

إجراء احترازي ورسالة ردع

في سياق التطورات، تحدثت مصادر إعلامية عن رفع مستوى الجاهزية في مختلف صنوف القوات الأمنية والعسكرية، مع إجراءات احترازية شملت إبقاء القادة والآمرين على أهبة الاستعداد واتخاذ تدابير ميدانية تحسباً لأي طارئ. وربطت المصادر الإجراءات بالتطورات المرتبطة بالملف الأمني وحصر السلاح بيد الدولة، فضلاً عن استحقاقات سياسية وأمنية مرتقبة.

في السياق قال المتخصص الأمني فاضل أبو رغيف إن توجيه القائد العام للقوات المسلحة برفع مستوى الحيطة والحذر إلى "المرحلة جيم" يندرج ضمن الإجراءات الوقائية الدفاعية. ورأى أبو رغيف أن الخطوة تحمل رسالتين "الأولى خارجية تتمثل في تأكيد امتلاك العراق مؤسسات أمنية واستخباراتية قادرة على التعامل مع التحديات، والثانية داخلية تستهدف ردع من يحاول العبث بالأمن الداخلي أو ارتكاب الجرائم المنظمة"، وبحسب هذا التفسير، فإن رفع الجاهزية لا يعني بالضرورة الانتقال إلى حال مواجهة، وإنما يمثل أداة لزيادة القدرة على الردع ومنع التهديدات قبل وقوعها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الجهد الاستخباري في صدارة المشهد

أحد أبرز العناوين التي خرج بها الاجتماع الأمني الأخير كان تأكيد أهمية المعلومة الاستخباراتية وسرعة التعامل معها.

وتحظى المعلومة الأمنية بأهمية متزايدة في إدارة الأخطار، خصوصاً في بيئة تتعدد فيها مصادر التهديد، إذ إن اكتشاف النشاط المشبوه في مراحله المبكرة قد يمنع تحوله إلى أزمة أمنية أو مواجهة ميدانية.

ولهذا، فإن توجيه القادة إلى التعامل السريع مع المعلومات يعكس توجهاً نحو الانتقال من رد الفعل إلى العمل الوقائي، عبر رصد المؤشرات وتحليلها وربط المعلومات القادمة من مختلف الأجهزة الأمنية.

في المقابل، جاء التشديد على توحيد الخطاب الإعلامي ومكافحة الإشاعات باعتباره جزءاً من إدارة الأمن، وليس مجرد ملف إعلامي منفصل، ففي أوقات رفع الجاهزية، يمكن أن تتحول الأخبار غير الدقيقة أو المعلومات غير الموثقة إلى عامل ضغط على الشارع، لذلك تسعى المؤسسات الأمنية إلى ضبط المعلومات الرسمية وتقليل مساحة الإشاعات التي قد تؤثر في الاستقرار العام.

حصر السلاح... مسار موازٍ للجاهزية الأمنية

تزامناً مع رفع الجاهزية، أكدت خلية الإعلام الأمني أن الحكومة ماضية في سياسة حصر السلاح بيد الدولة "من دون رجعة"، معتبرة أن هذا الملف يمثل أحد العناصر الأساسية لتعزيز الأمن المجتمعي وترسيخ هيبة المؤسسات الرسمية.

وقال رئيس الخلية الفريق سعد معن إن سياسة حصر السلاح بيد الدولة أقرت ضمن قرار مجلس الأمن الوطني رقم 21 لسنة 2018، وتشمل تنظيم ترخيص الأسلحة، ومكافحة التجارة غير المشروعة، وجمع الأسلحة غير المرخصة وتقليل انتشارها. وأشار إلى استمرار اللجنة الأمنية الداعمة لتنظيم الأسلحة وحصرها بيد الدولة في فتح مكاتب تسجيل الأسلحة وتنظيمها بالتوازي مع تطبيق القوانين النافذة.

ويرتبط هذا الملف بصورة مباشرة بمفهوم احتكار الدولة لاستخدام القوة، إذ إن تعزيز سلطة المؤسسات الأمنية لا يعتمد على زيادة أعداد القوات أو رفع جاهزيتها فحسب، وإنما يتطلب أيضاً تنظيم حيازة السلاح ومنع استخدامه خارج الأطر القانونية.

ماذا تعني المرحلة المقبلة؟

تشير مجمل التطورات إلى أن العراق يتجه إلى مرحلة من التشدد في إدارة الملف الأمني، تقوم على ثلاثة مسارات متوازية بينها رفع مستوى الجاهزية والاستعداد للقوات الأمنية والعسكرية وتعزيز العمل الاستخباري وحماية الحدود ومنع أي نشاط يمكن أن يشكل تهديداً داخلياً أو خارجياً.

كذلك مواصلة سياسة حصر السلاح بيد الدولة وتطبيق القوانين المتعلقة بحيازة السلاح واستخدامه، مع استمرار ملاحقة المظاهر المسلحة الخارجة عن القانون. وإذا نجحت هذه المسارات في العمل ضمن منظومة واحدة، فإن رفع الجاهزية يمكن أن يتحول من إجراء احترازي موقت إلى جزء من استراتيجية أوسع لتعزيز قدرة الدولة على إدارة الأخطار الأمنية.

أما التحدي الأكبر فيبقى في الحفاظ على التوازن بين رفع مستوى الاستعداد وإبقاء الحياة العامة مستقرة، بحيث لا تتحول الإجراءات الأمنية إلى مصدر قلق للمواطنين، وإنما تكون وسيلة لطمأنتهم وتعزيز ثقتهم بالمؤسسات الرسمية.

ويضع قرار رفع الجاهزية الأمنية والاستعداد القتالي القوات العراقية أمام مرحلة تتطلب أعلى درجات التنسيق والانضباط، خصوصاً أن التوجيهات لم تقتصر على مؤسسة أمنية واحدة، بل شملت مختلف التشكيلات والقادة والعمليات في المحافظات.

وبين تعزيز أمن الحدود، ورفع مستوى الاستعداد الميداني، وتطوير الجهد الاستخباري، ومكافحة الإشاعات، وحصر السلاح بيد الدولة، تبدو الحكومة أمام محاولة لإدارة مرحلة أمنية حساسة بأدوات وقائية قبل أن تتحول أي مؤشرات تهديد إلى أحداث ميدانية.

وفي وقت تؤكد فيه وزارة الداخلية أن الحدود تشهد مستوى عالياً من الأمن والاستقرار، لفتت خلية الإعلام الأمني إلى أن رفع الجاهزية يأتي للحفاظ على هذا المستوى ومنع أي تهديد محتمل. وعليه، فإن الرسالة الأبرز التي تحملها الإجراءات الأخيرة تتمثل في أن المؤسسة الأمنية العراقية تريد أن تكون في موقع الاستعداد لا الانتظار، وأن يكون التعامل مع أي تهديد محتمل في مراحله الأولى، مع التشديد على أن الأراضي العراقية لن تكون منصة لاستهداف الآخرين، وأن السلاح واستخدام القوة يجب أن يبقيا ضمن إطار الدولة والقانون.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي