ملخص
أدى الجفاف القياسي في بريطانيا إلى تراجع المحاصيل، مما أثار مخاوف في شأن الأمن الغذائي، ودفع المزارعين للمطالبة بدعم حكومي والتكيف مع تغير المناخ.
تصاعدت سحب كثيفة من الغبار خلف حصَّادة تزحف ببطء عبر حقل يابس على أرض المزارع البريطاني جون باوسي، في مشهد يكشف آثار تغير المناخ بعدما شهدت البلاد الشهر الماضي أكثر أشهر يوليو (تموز) الماضي جفافاً على الإطلاق، وسط مخاوف في شأن الأمن الغذائي، مع حدوث موجات الحر بصورة متكررة في المملكة المتحدة منذ مايو (أيار) الماضي.
وقال باوسي "جفت الأرض فجأة وبصورة كاملة"، مضيفاً أن الجفاف "يبدو كأنه مستمر بلا نهاية" منذ أسابيع في مزرعته بمقاطعة سوفولك شرق إنجلترا.
ويواجه المزارعون الإنجليز تداعيات أكثر أشهر يوليو جفافاً منذ بدء هيئة الأرصاد الجوية البريطانية تسجيل البيانات، في أنباء غير سارة لمزارعين مثل باوسي الذين لم يجنوا سوى محاصيل ضئيلة من الشوفان والقمح والبيقية.
وتصدرت المخاوف في شأن الأمن الغذائي عناوين الصحف البريطانية، في ظل سلسلة من موجات الحر التي شهدتها البلاد هذا العام.
وقال باوسي "تحققت كل مخاوفنا عندما أدخلنا الحصادات إلى الحقول وأدركنا أن المحصول انخفض فعلياً... ما بين 25 و30 في المئة".
وتحصد عائلة باوسي أراضي سوفولك منذ أن انتقل إليها جده الأكبر الاسكتلندي، وكان واحداً من عدد من العمال المزراعين الذين توجهوا جنوباً في أعقاب الكساد الزراعي في أواخر القرن الـ19.
وكما فعل أسلافه، يجد باوسي البالغ 62 سنة، نفسه أمام مستقبل حافل بالتحديات، معرباً عن قلقه إزاء الأعوام المقبلة، ويمثل الجفاف أحدث تحدٍ مناخي يواجه مزارعي بريطانيا خلال الأعوام الخمس الماضية.
وحض باوسي منتجي الغذاء على التكيف، معتبراً أن على المزارعين القادرين على مواكبة التغيرات النظر إلى تغير المناخ باعتباره "فرصة".
وجرب باوسي زراعة محاصيل جديدة، مثل الفول والحمص، تتلاءم بصورة أفضل مع المناخ الأكثر حرارة وجفافاً، إلى جانب أساليب تهدف إلى تعزيز قدرتها على الصمود، من بينها زراعة محصولين مختلفين معاً في الحقل نفسه، بما يدفعهما إلى النمو في ظل تنافسهما على المساحة والعناصر الغذائية، ودعا باوسي الحكومة إلى دعم المزارعين في "الانتقال" إلى استخدام أساليب مماثلة.
ويؤيد خبير الأمن الغذائي تيموثي بينتون تقليل الاعتماد على الزراعة المكثفة، معتبراً أن "نظاماً زراعياً أكثر تنوعاً ودائرية" من شأنه أن يعزز الأمن الغذائي ويقلل الاعتماد على واردات منتجات مثل الفاكهة والأسمدة.
وقال بينتون لوكالة "الصحافة الفرنسية"، "ستزداد تداعيات تغير المناخ"، مضيفاً أن "الأنظمة الغذائية ستضطر إلى التغير".
وأوضح "لا نستثمر بما يكفي في صور الابتكار التكنولوجي اللازمة لمواجهة أزمة أكبر".
"قائمة مختلفة"
ترى الأستاذة في الكلية الملكية للزراعة نيكولا كانون أن تغير المناخ قد يجبر البريطانيين أيضاً على تغيير عاداتهم الغذائية، وتزرع كانون فول الصويا بهدف التوسع في زراعته في المزارع البريطانية، وتضررت بشدة من الجفاف محاصيل أساس على موائد البريطانيين.
وتقول كانون إن محصول البازلاء هذا العام لم يتجاوز "50 في المئة مما كنا نأمل في حصاده"، مشيرة إلى أن البازلاء لم تتح لها فرصة تذكر للنمو، إذ لم تتوافر سوى "رطوبة ضئيلة جداً منذ مارس (آذار) الماضي.
وفي مزرعة باوسي في سوفولك، تضرر محصول الكينوا بالكامل، وقال صاحبها "لم تهطل علينا أي أمطار"، مضيفاً أن "الأشياء الوحيدة التي بدأت تنمو كانت الحميض والشوك".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوقع رئيس الاتحاد الوطني للمزارعين توم برادشو، أن يؤدي استمرار الجفاف إلى نقص بعض المواد الغذائية، وذلك خلال تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية ’بي بي سي‘، وحذر برادشو قائلاً "اعتبرنا إمداداتنا الغذائية أمراً مضمونا لفترة أطول مما ينبغي".
ويؤدي انخفاض المحاصيل إلى تراجع ربحية الزراعة، مما يحرم المزارعين من رأس المال اللازم للاستثمار في التكيف مع تغير المناخ وتجربة محاصيل جديدة.
وتعتقد كانون أن شراء المنتجات البريطانية الموسمية يمنح "المزارعين قدراً أكبر من اليقين في شأن السوق، مما يتيح لهم الاستثمار في إجراءات التكيف".
"الأمن الغذائي هو أمن قومي"
بدوره، يقول خبير الأمن الغذائي تيموثي بينتون "استثمرنا أكثر مما ينبغي في التركيز على جينات القمح، ولم نستثمر بما يكفي في الأنظمة الزراعية".
وكان متحدث باسم رئيس الوزراء قد شدد في وقت سابق هذا الأسبوع على أن "الأمن الغذائي هو أمن قومي".
وتعهدت الحكومة البريطانية "باستثمارات قياسية في البنية التحتية للمياه، تشمل تسعة خزانات جديدة".
وقال بينتون إن تكييف الأنظمة الغذائية سيتطلب تدخلاً أكبر من الحكومة، وحذر من أن "التغيير سيكون أكثر كلفة بكثير"، لافتاً إلى أن "الأمور ستزداد سوءاً خلال العقود المقبلة".
من ناحيته، حذر باوسي أنه إذا استمرت أنماط الطقس الحالية "فسيفلس المزارعون"، وتابع "سيعني ذلك إما ارتفاع الأسعار، أو اضطرار الحكومة إلى مواصلة دعم المزارعين".