ملخص
تلوح في الأفق أخطار دخول بريطانيا ركوداً تضخمياً إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، وفق تحذيرات "إرنست أند يونغ". ويرى كاتب المقالة أن ارتفاع أسعار الطاقة، وتشدد السياسة النقدية، وتراجع استثمارات الشركات والوظائف الشاغرة، إلى جانب ضغوط التكاليف على قطاع التجزئة، تشكل مؤشرات إنذار متزايدة.
عادت مخاوف الركود لتؤرق بريطانيا، مضيفة مزيداً من التوتر إلى الأجواء التي خلقتها موجة أخرى من الحر القاتل.
تعد "إرنست آند يونغ"، وهي شركة للخدمات المهنية، من الجهات التي يصغي الناس إلى توقعاتها عندما تستخدم كلمة "ركود". والواقع أنها رفعت قليلاً توقعاتها لنمو الاقتصاد البريطاني عام 2026 إلى معدل قوي، وإن لم يكن لافتاً، قدره 0.9 في المئة، لكن التحذير الذي رافق هذا التوقع هو الذي استرعى الانتباه.
قال بيتر أرنولد، كبير الاقتصاديين لدى "إرنست أند يونغ" في المملكة المتحدة: "إذا أعيد فتح مضيق هرمز خلال الأشهر المقبلة، نتوقع أن تتجنب المملكة المتحدة تباطؤاً أشد وطأة، لكن استمرار إغلاقه حتى عام 2027 من شأنه أن يرفع معدل التضخم، وقد يدفع الاقتصاد إلى الانكماش".
ويحدث الركود عندما يسجل الاقتصاد انكماشاً خلال فصلين متتاليين، ويخشى أرنولد أن يحدث ذلك إذا ظل مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق في الشرق الأوسط الذي أصبحنا جميعاً نعرف عنه أكثر مما ينبغي، مغلقاً حتى العام المقبل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يمر عبر المضيق نحو خمس إمدادات النفط والغاز في العالم، فضلاً عن المواد الكيماوية الزراعية وغيرها. ولا تحصل بريطانيا على نسبة كبيرة من طاقتها من المنطقة، لكن ذلك لا يهم: إذا كانت النتيجة النهائية لإغلاقه ارتفاعاً حاداً في الأسعار العالمية، فسيدفع الجميع ثمناً أعلى.
قد تكون النتيجة أسوأ أشكال الركود الممكنة: ركود ناجم عن صدمة سعرية، يضطر معها بنك إنجلترا إلى رفع معدلات الفائدة في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى تحفيزه عن طريق خفضها، وهذا ما يسمى "الركود التضخمي"، وهو ما يستخدمه الاقتصاديون لإخافة اللاعبين الاقتصاديين الصغار عندما يسيئون التصرف.
لكن مهلاً، قد تتسألون، ألم ينخفض معدل التضخم؟ لقد تراجع رسمياً، حتى وإن كان الأمر لا يبدو كذلك حين تتحول كل زيارة إلى متجر للمواد الغذائية إلى غوص عميق في البحيرة السوداء. لسوء الحظ، لا يزال معدل 2.6 في المئة المسجل في يونيو (حزيران) الماضي أعلى من هدف بنك إنجلترا البالغ اثنين في المئة، ومن المتوقع أن يرتفع من الآن فصاعداً، وقد لاحظ من يتابعون تصويت لجنة السياسة النقدية في المصرف المركزي، المسؤولة عن تحديد معدلات الفائدة، أن عدد أعضائها المطالبين برفع المعدل يتزايد باطراد.
وأبقى المصرف سعر الفائدة عند 3.75 في المئة في الأسبوع الماضي، بموافقة ستة أعضاء في مقابل ثلاثة رافضين، لكنه حرص على التشديد على أنه "مستعد للتحرك" استجابة للتطورات في الشرق الأوسط. بعبارة أخرى، قد يتلقى الاقتصاد ضربة مزدوجة من ارتفاع معدلات الفائدة وتكاليف الطاقة.
ما المؤشرات الأخرى التي ينبغي للمتشائمين مراقبتها؟
تعد قراءات مؤشر نشاط الشركات البريطانية (مديري المشتريات) إشارة إنذار مفيدة، ويستند المؤشر إلى استطلاعات تشمل مسؤولين عن المشتريات في الشركات، ممن لديهم معرفة مباشرة بمستويات الطلبيات وأوضاع الأعمال، وتشير أي قراءة دون 50 نقطة إلى انكماش النشاط الاقتصادي. وقد انخفض أحدث مؤشر لقطاع التصنيع إلى أدنى مستوى له خلال أربعة أشهر، مسجلاً 51.9 نقطة في يوليو (تموز) الماضي، وهي علامة مثيرة للقلق. كما ينبغي مراقبة قراءة قطاع الخدمات، الذي يهيمن على الاقتصاد البريطاني، إذ عاد بصورة غير متوقعة للنمو في يونيو (حزيران) الماضي مسجلاً 51.8 نقطة، وكان من المقرر صدور قراءة يوليو (تموز) هذا الأسبوع.
إذا بدأت هذه المؤشرات في الانخفاض إلى مستويات الانكماش، مع العلم أن قطاع البناء، وهو الثالث في هذه المجموعة، لا يزال في حالة ركود منذ فترة، خذوا جانب الحذر.
المؤشر المقلق التالي الواجب النظر فيه هو استثمارات الشركات، أظهرت البيانات الرسمية ارتفاعاً فيها خلال الفصل الأول من العام، أي بين يناير (كانون الثاني) الماضي ومارس (آذار) الماضي، لكن الأعمال القتالية لم تندلع إلا في نهاية فبراير (شباط) الماضي، وظل مستوى الاستثمار أدنى من مستواه المسجل عام 2025.
وسيؤدي التباطؤ إلى كبح النمو والإضرار بالتوظيف، وكثيراً ما توصف البطالة بأنها "مؤشر متأخر"، لأن أصحاب العمل لا يلجأون عادة إلى الاستغناء عن الموظفين إلا عندما يشعرون بأنهم مضطرون تماماً إلى ذلك، ذلك أن عمليات التسريح الجماعي مكلفة ومربكة. وإذا أساءت شركة تقدير الموقف ثم تحسنت بيئة الأعمال بسرعة، تجد نفسها في الغالب مضطرة إلى إعادة توظيف العاملين، وهو أيضاً أمر مكلف ومربك، لكن ينبغي مراقبة عدد الوظائف الشاغرة. يعد تجميد التوظيف أسهل وأقل كلفة بكثير من البدء في تسريح الموظفين، لقد انخفض عدد الوظائف الشاغرة في بريطانيا خلال يونيو (حزيران) الماضي، وليس من الصعب معرفة السبب: اقتصاد متوتر وحرب دائرة.
أما التحذير الأخير فهو المشهد المحبط المتمثل في بحث السياسيين البريطانيين عن أكباش فداء، أطلق وزير المالية الجديد جون هيلي شرارة هذا التوجه في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، مهدداً متاجر السوبرماركت ومحطات الوقود، ومحذراً إياها من أن "الأخ الأكبر" سيراقبها بحثاً عن أي مؤشرات إلى استغلال الأزمة لرفع الأسعار.
وجاء الرد سريعاً وعنيفاً، إذ أشارت متاجر السوبرماركت، مجدداً، إلى أنها تعمل بهوامش ربح منخفضة جداً، تقل عن اثنين في المئة، وأن هذه الهوامش تراجعت خلال الأشهر الأخيرة. وهي غاضبة للغاية وإن لم تعبر علناً عن غضبها، وتفيد بأن أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ليست وحدها التي ترفع كلفة المعيشة، إذ تؤدي سياسات الحكومة دوراً مهماً أيضاً.
وأدت الضرائب الأعلى على الوظائف، والارتفاع المتسارع في الحد الأدنى للأجور، إلى جانب إرغام متاجر السوبرماركت على إعادة ترتيب أرففها تلبية لمطالب جماعات الضغط المعنية بالصحة العامة، إلى إشعال موجة جديدة من الضغوط على هيكل التكاليف في قطاع تجارة البقالة. وربما يجدر بأحدهم أن يهمس بهذه الحقائق في أذن السيد هيلي، قد تصفونني بالمتشائم، لكنني أرجح أنه يدرك ذلك بالفعل.
غني عن القول إن دونالد ترمب أعلن تعليق الضربات وعاد للحديث عن السلام، ولعل مضيق هرمز يفتح مجدداً، فتتبدد مخاوف "إرنست أند يونغ" وتواصل بريطانيا نموها، وإن بمعدل بعيد من أن يكون ممتازاً.
لكن إذا استمر النزاع، راقبوا هذه المؤشرات واستعدوا لإحكام إغلاق النوافذ والأبواب، فقد تتخذ الأمور منحى قبيحاً.
© The Independent