ملخص
الأسلحة التي تقوم روسيا بشحنها نحو دول الساحل الأفريقي انطلاقاً من ميناء كوناكري تتعدى كونها أسلحة خفيفة، لتشمل قطعاً ومعدات مثل الدبابات والآليات المدرعة والمدفعية وسلاح الجو وأجهزة التشويش.
مع نجاحها في توسيع نفوذها في غرب أفريقيا، لجأت روسيا إلى موانئ بحرية ومطارات من أجل شحن إمدادات عسكرية إلى قواتها التي تنشط ضمن الفيلق الأفريقي الذي يتبع وزارة الدفاع الروسية مباشرةً في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وتحدثت منظمات استقصائية مثل "ذي سنتري" عن اعتماد موسكو على ميناء كوناكري في غينيا من أجل توريد الأسلحة إلى قواتها التي تقود عمليات في دول مثل مالي.
وتخلّت روسيا قبل أعوام عن خدمات مجموعة "فاغنر" شبه العسكرية في أفريقيا وذلك إثر تمرد زعيمها الراحل، يفغيني بريغوجين، وأنشأت "الفيلق الأفريقي" بديلاً عنها في خطوة عكست سعيها إلى ترسيخ موطئ قدم دائمة لها في قارة تزخر بثروات هائلة.
بنية تحتية طويلة الأمد
وعلى رغم أن حضورها العسكري حظي في البداية بترحيب من شعوب المنطقة التي باتت مناهضة بصورة كبيرة للغرب وخصوصاً فرنسا، إلا أن روسيا لا تزال تكافح لتحقيق مكاسب ميدانية حقيقية في مواجهة التحديات الأمنية التي تعرفها المنطقة.
وتسعى روسيا من خلال استغلال موانئ مثل ميناء كوناكري إلى تمرير ترسانة عسكرية لقواتها التي تعمل مع أنظمة عسكرية متحالفة مع موسكو في الساحل الأفريقي.
وعدّ الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، علي السيد، أن "الهدف الروسي يقتصر على استخدام ميناء كوناكري كممر لوجيستي لنقل المعدات العسكرية بل يتعداه إلى بنية تحتية استراتيجية طويلة الأمد، وهذه البنية تسمح لموسكو بتثبيت حضورها في منطقة الساحل الأفريقي بعد تراجع نفوذ فرنسا والغرب عموماً".
وتابع السيد أن "روسيا تطمح إلى السيطرة سياسياً على المزيد من النفوذ في الساحل الأفريقي، فالموانئ وخطوط الإمداد هي عناصر أساسية في تكريس نفود عسكري وسياسي مستدام، خصوصاً من خلال التعاون بين موسكو وعواصم المنطقة على غرار واغادوغو وباماكو ونيامي".
وشدد على أنه "من الناحية الجيوسياسية، أعتقد أن روسيا تسعى لترسيخ نفسها كشريك أمني بديل بعد سحب القوات الفرنسية في غرب أفريقيا، وهو ما منحها نفوذاً اقتصادياً وعسكرياً في منطقة ذات أهمية استراتيجية سواء بسبب اختزانها لمعادن وثروات طبيعية أو طرق التجارة أو لموقعها الجغرافي، لذلك المسألة ليست مجرد شحن عسكري بل أيضاً إعادة رسم لمعالم القوة والنفوذ في غرب القارّة".
شراكة وبوكسيت
وبحسب تقرير لمجلة "جون أفريك"، فإن روسيا تسعى إلى تجاوز عقبة رئيسة تعترض نفوذها في الساحل، وهي أن بعض الدول مثل مالي هي دول حبيسة لا تملك سواحل تمكن من وصول المعدات العسكرية إليها بطريقة سهلة.
لذلك لجأت إلى ميناء كوناكري الذي تصله شحنات عسكرية، ثم يجري تحويلها إلى مالي براً من خلال مسافة تقارب الـ 1000 كيلومتر عبر الأراضي الغينية وصولاً إلى باماكو.
ويعتقد الباحث الأمني والسياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، عبدول ناصر سيدو أن "روسيا تركز كثيراً على نقاط ضعف حكومة الرئيس الغيني، مامادي دومبويا، حيث يُعدّ البوكسيت وهو الصخر الطبيعي الذي يُستخرج منه الألمنيوم ركيزة من ركائز الاقتصاد في البلاد، ويحتاج النظام الغيني إلى إرساء الاستقرار الأمني والسياسي من أجل تأمين إمدادات البوكسيت، لذلك هناك ما يشبه المقايضة بين موسكو وكوناكري: الأمن والاستثمارات مقابل عبور الإمدادات العسكرية الروسية إلى الساحل".
وأوضح سيدو في تصريحٍ خاص أن "في هذا الشأن تستغل روسيا استثمارات شركة 'روسال' لصناعة الألمنيوم والتي تنشط في غينيا من أجل تفريغ شحنات الأسلحة والمعدات العسكرية، التي ستعبر إلى مالي. وقد مكنت هذه الاستراتيجية موسكو من تحقيق العديد من الأهداف منها الالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة عليها، والتي كان من المفترض أن تمنعها من نقل أسلحة إلى الدول الأفريقية الغارقة في أزماتها أصلاً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مسألة معقدة
وبحسب "جون أفريك" ومنظمات مثل "ذي سنتري"، فإن الأسلحة التي تقوم روسيا بشحنها نحو دول الساحل الأفريقي انطلاقاً من ميناء كوناكري تتعدى كونها أسلحة خفيفة، لتشمل قطعاً ومعدات مثل الدبابات والآليات المدرعة والمدفعية وسلاح الجو وأجهزة التشويش.
ومع ذلك، من غير الواضح قدرة هذه الإمدادات على المساهمة في اختراق الأزمات الأمنية التي تعصف بالساحل الأفريقي، لاسيما في ظل المتاعب التي يعانيها "الفيلق الأفريقي" وحليفه في باماكو.
وبيّن السيد أن "مسألة الأمن والاستقرار في غرب أفريقيا معقدة للغاية، إذ قد يسهم الدعم الروسي في تعزيز قدرات الجيوش الوطنية في تلك الدول في مواجهة الجماعات المسلحة على غرار ’القاعدة‘ و’داعش‘ على المدى القصير".
واستدرك بالقول "لكن العسكر لا يحسم المعركة إلى الأبد، فالتجارب السابقة أثبتت أن الحلول العسكرية لا تحسم مثل هذه المعارك إذا لم تكن هناك إصلاحات سياسية وتنمية اقتصادية وتعزيز مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد وتكريس الشفافية".
وأفاد السيد بأنه "إذا لم يتم ذلك، فإن خطر تصاعد الصراع وحتى التنافس الدولي يبقى قائماً، لذلك فإن مستقبل الأزمة الأمنية في الساحل الأفريقي لا يتحدد فقط وفق كميات السلاح التي تصل إلى هناك أو الدعم العسكري الذي يقدّم إلى الجيوش الوطنية، بل وفق معطيات أخرى".