ملخص
يعاني الحضور الروسي في غرب أفريقيا من قصور رئيس، ففيما نجحت موسكو في التسويق لنفسها كحليف جديد في مجال الأمن لدول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلا أن هذه الدول حبيسة، وتزخر، في الوقت عينه، بثروات هائلة على غرار الذهب والكوبالت واليورانيوم، وهي مجالات تسعى موسكو إلى ضخّ استثمارات فيها.
بعد سنوات من نجاحها في ترسيخ نفوذ غير مسبوق لها في غرب أفريقيا، تسعى روسيا إلى فرض نفسها رقماً صعباً في خليج غينيا الذي بإمكانه أن يوفّر لها ممراً بحرياً نحو وسط القارة السمراء. وقبل أشهر، زحفت قوة روسية قوامها مئات الجنود والمدربين والمستشارين العسكريين نحو غينيا الاستوائية ما يعكس سعياً إلى تكريس حضور عسكري في محيط خليج غينيا.
3 عناصر متداخلة
الحضور الروسي في خليج غينيا تعزّز أخيراً من خلال توقيع اتفاقية عسكرية مع توغو تمنح موسكو استخدام الموانئ المشتركة في المنطقة، وأيضاً إجراء مناورات عسكرية وتدريب الجنود في تطور بدا لافتاً في توقيته.
في السياق، رأى الباحث في الشأن السياسي الروسي ديمتري بريدجيه أن الاهتمام الروسي بخليج غينيا هو خيار استراتيجي محسوب في الواقع، "ويرتبط بثلاثة عناصر متداخلة: الجغرافيا البحرية، اقتصاد الطاقة، ومعادلة النفوذ الدولي"، وفسّر بريدجيه الأمر قائلاً إن "هذه المنطقة لا تمثّل فقط شريطاً ساحلياً غنياً بالموارد، بل تعدّ عقدة ملاحة تربط الأطلسي بعمق غرب ووسط أفريقيا، وتملك قدرة فعلية على التأثير في خطوط التجارة والطاقة، وفي أمن الممرات البحرية التي تمر عبرها مصالح أوروبية وأميركية وصينية أيضاً".
ولفت إلى أن "السرّ الأول في هذا الاهتمام هو أن خليج غينيا يوفر لروسيا منصة بحرية منخفضة الكلفة مقارنة بنقاط الانتشار التقليدية، ويمنحها هامشاً أوسع للمناورة في زمن تتزايد الضغوط على حركة الأساطيل وسلاسل الإمداد، والسر الثاني أن المنطقة تقع في قلب اقتصاد الطاقة الأفريقي، من النفط والغاز إلى البنى التحتية المرتبطة بهما، ما يجعلها ساحة مناسبة لبناء شراكات نفطية وملاحية تمنح موسكو دخولاً مستداماً إلى الموارد والعقود، لا سيما حين تقترن بقطاع الأمن البحري ومكافحة القرصنة وحماية المنشآت، أما السر الثالث فهو سياسي إذ يعتبر خليج غينيا مساحة تنافس دولي كثيف لكنها، في الوقت ذاته، تعاني من فراغات أمنية وهشاشة مؤسساتية، ما يفتح المجال لقوى خارجية لعرض خدمات أمنية وعسكرية مقابل تسهيلات، في إطار صفقات براغماتية لا تتطلب تموضعات أيديولوجية كبيرة".
منافسة الشركات الغربية
يعاني الحضور الروسي في غرب أفريقيا من قصور رئيس، ففيما نجحت موسكو في التسويق لنفسها كحليف جديد في مجال الأمن لدول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلا أن هذه الدول حبيسة، وتزخر، في الوقت عينه، بثروات هائلة على غرار الذهب والكوبالت واليورانيوم، وهي مجالات تسعى موسكو إلى ضخّ استثمارات فيها.
وقال الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية وليد عتلم إن "الاهتمام الروسي المتزايد بخليج غينيا يعود إلى العديد من الأسباب الجيوسياسية والاقتصادية والتي من أهمّها تأمين ممر الساحل إلى الأطلسي، فبعد نجاح روسيا في طرد النفوذ الفرنسي من دول الساحل الحبيسة، أصبح خليج غينيا المنفذ الطبيعي والضروري لهذه الدول". وأكد عتلم في تصريح خاص أن "السيطرة على موانئ المنطقة تعني التحكم في شريان الحياة الاقتصادي والعسكري لوسط القارة"، وبيّن أن "المنطقة تزخر كذلك باحتياطيات ضخمة من النفط والغاز، خصوصاً في نيجيريا وغينيا الاستوائية. وتسعى روسيا عبر شركاتها مثل لوك أويل وروسنيفت لمنافسة الشركات الغربية التي بدأت استثماراتها تتقلص في بعض هذه الدول". وتابع "هنا روسيا تعمل على تعويض آثار العقوبات الغربية وتوفير سيولة من العملات الصعبة لمواجهة العقوبات الغربية".
أدوات هجينة
وتئنّ منطقة خليج غينيا تحت وطأة أزمة أمنية متفاقمة الأمر الذي يتيح لروسيا تقديم عروض دعم مقابل موطئ قدم لها هناك.
وقال عتلم إن "في مسعاها تجاه خليج غينيا، تعتمد موسكو مزيجاً هجيناً من الأدوات لفرض واقع جديد في المنطقة، ومن هذه الأدوات والآليات: الآلية العسكرية والأمنية حيث انتقلت روسيا من نموذج مجموعة فاغنر شبه العسكرية إلى نموذج فيلق أفريقيا التابع مباشرة لوزارة الدفاع". وأبرز أن "روسيا تعتمد أيضاً على اتفاقيات الدفاع، إذ وقعت اتفاقيات تعاون عسكري مع دول مثل توغو وغينيا الاستوائية تشمل تدريب القوات، وحماية النظم الحاكمة مقابل تسهيلات في الموانئ. وكذلك تراهن على مكافحة الإرهاب والقرصنة، إذ تستغل موسكو تصاعد التهديدات الإرهابية الآتية من الشمال (الساحل) نحو دول الخليج لتقدم نفسها كشريك أمني بديل لفرنسا والولايات المتحدة". ولفت المتحدث نفسه إلى أن "روسيا تراهن كذلك على الدبلوماسية الاقتصادية، وتسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف منها الوصول إلى موانئ استراتيجية مثل ميناء لومي في توغو، وموانئ غينيا الاستوائية، لاستخدامها كمراكز لوجستية وسفن حربية، وأيضاً الاستثمار في الطاقة والنووي، إذ تقدم شركة روساتوم عروضاً لبناء محطات طاقة نووية سلمية وتدريب مهندسين محليين، الأمر الذي يربط هذه الدول تكنولوجياً بروسيا لعقود مقبلة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على الصعيد السياسي تقدّم روسيا، وفقاً لعتلم "حزمة إجراءات ودعماً لحماية الأنظمة التي تخشى الانقلابات أو الضغوط الغربية في شأن الديمقراطية، ما يجعلها الحليف المفضل للقادة الطامحين للبقاء في السلطة". وتعتمد روسيا على القوة الناعمة والدعاية لتعزيز المشاعر المناهضة للاستعمار الغربي القديم، وتصوير روسيا كحليف "لا يتدخل في الشؤون الداخلية".
منافسة مع الصين
مع تركيز روسيا جهودها على خليج غينيا باتت تُطرح تساؤلات ملحّة حول ما إذا كانت موسكو ستواجه منافسة من بقية القوى العالمية التي تخوض سباقاً محموماً حول النفوذ في القارة السمراء الغنيّة بمواردها؟
ورأى عتلم أن "هذا التمدد الروسي يواجه تحديات كبيرة أهمها المنافسة الشرسة مع الصين التي تسيطر فعلياً على بنية تحتية ضخمة في الموانئ الأفريقية". وختم "إضافة إلى ذلك، قدرة روسيا على تقديم مساعدات اقتصادية كبرى محدودة مقارنة بالقوى الغربية والصين".