Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

40 ألف موظف حكومي في غزة يواجهون مقصلة "الفحص الأمني"

تدقيق صارم لحظر الارتباط الفصائلي وموازنة بـ 400 مليون دولار لتسوية المستحقات أو التقاعد المبكر

يواجه موظفو غزة شروط الفحص الأمني الصارم كشرط أساس لتحديد بقائهم في السلك الحكومي واستمرار عملهم أو مغادرتهم وظائفهم بصمت (أ ب)

ملخص

باتت قضية الـ 40 ألف موظف حكومي في غزة تشكل لغزاً، إذ يرصد البند الخامس لخريطة طريق "مجلس السلام" 400 مليون دولار لتسوية ملف أشخاص أداروا القطاع لـ 20 عاماً. فبين طمأنات التكنوقراط وتهديد النقابة بالعصيان... هل تنجح خطة "الفلترة"؟

بينما تتجه أنظار العالم إلى الاتفاق التاريخي الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول النزع الكامل لسلاح الفصائل وإعادة هندسة المشهد الأمني في قطاع غزة، يتشكل في الكواليس لغز إداري وقانوني لا يقل فداحة.

صاغ مجلس السلام أخيراً خريطة طريق لتحويل بنود خطة السلام والازدهار إلى بروتوكول عملي يُنفَّذ على أرض غزة، وتوصل كبار الوسطاء الدوليين إلى اتفاق مع حركة "حماس" يحل أضخم مشكلتين: السلاح والموظفون العامون.

ومع انتقال اتفاق خريطة الطريق من الأوراق إلى محك التطبيق، يقف قطار التسوية الذي أطلقه "مجلس السلام" وجهاً لوجه أمام عقبة تتمثل في تحديد مصير 40 ألف موظف حكومي يعملون مع حكومة غزة التي تتبع لحركة "حماس"، والذين أداروا القطاع على مدار عقدين من الانقسام، إذ تحول الذين يسيّرون المستشفيات والمدارس وجهاز الشرطة إلى المعضلة الأكثر تعقيداً في حسابات الاستقرار المقبل.

المسار الإداري

فصّلت خريطة الطريق التي تتضمن 15 بنداً، هذا الملف المعقد في بندها الخامس المخصص للموظفين، والذي رسم مسار الانتقال الإداري بدقة.

ويواجه موظفو غزة شروط الفحص الأمني الصارم كشرط أساس لتحديد بقائهم في السلك الحكومي واستمرار عملهم أو مغادرتهم وظائفهم بصمت.

إذ وضع البند الخامس معادلة مالية وإدارية صارمة تقوم على منح الموظفين حقوقهم وفقاً للقانون الفلسطيني، شريطة خضوعهم لعملية فحص أمني وتدقيق دولي حاسم يضمن تجريدهم من أي ارتباطات فصائلية مسلحة.

التزامات مالية مشروطة

وينص البند الخامس من خريطة الطريق على أن "اللجنة الوطنية لإدارة غزة تلتزم بضمان استمرارية الخدمات والمؤسسات المدنية، مع التعهد بمعاملة الموظفين بإنصاف وفقاً للقانون الفلسطيني".

كذلك يتضمن التزاماً بـ "إجراء تدقيق مالي وإداري شامل للأصول العامة، وتقييم وتسوية الالتزامات المالية للجهات الموردة والموظفين بحد أقصى 400 مليون دولار أميركي تُصرف تدريجاً على مدار 3 سنوات، على أن تُرحَّل أي مطالبات متبقية ليتم التعامل معها لاحقاً ضمن عملية وطنية فلسطينية أشمل".

لم يكن إدراج ملف موظفي غزة في البند الخامس من خريطة الطريق مجرد إجراء إداري عابر، بل جاء كاعتراف ضمني من "مجلس السلام" بأن استقرار الشارع في القطاع يمر حتماً عبر الحفاظ على مؤسساته الخدمية من الانهيار.

 

تقسيم الكادر الوظيفي

لكن هذا الاعتراف الضمني ليس كاملاً، إذ يقوم على استراتيجية مشروطة بفرز الموظفين وتصفية كادرهم الإداري والأمني، تمهيداً لإنهاء العمل مع شريحة واسعة منهم ومغادرتهم لمواقعهم الحالية.

فالخطة الدولية لا تمنح استمرارية مطلقة للموظفين، وإنما تضعهم تحت مقصلة لجان التدقيق التي ستتولى حصر الكوادر و"فلترتها" (تنقيتها) لاستبعاد الولاءات الحزبية.

ويقف المخطط الإداري الجديد لقطاع غزة أمام جيش وظيفي متكامل يقدَّر بـ 40 ألف موظف عمومي، وهم ليسوا مجرد أسماء في دفاتر الرواتب، وإنما المحرك الفعلي للحياة اليومية.

يعمل في الشق المدني نحو 22 ألف موظف يمثلون العصب الخدمي للقطاع، وتتركز غالبيتهم العظمى في قطاعي التعليم والصحة إلى جانب المهندسين والإداريين في الوزارات الخدمية وموظفي البلديات والمحاكم الشرعية والمدنية.

بينما يعمل في الشق الأمني والعسكري نحو 18 ألف موظف، ينقسم هذا الشق داخلياً إلى مستويين، الأول هو الأجهزة ذات الطابع المدني مثل جهاز الشرطة القضائية وشرطة المرور والدفاع المدني، أما المستوى الثاني، فهو أجهزة الأمن الداخلي والأمن الوطني، وهي قوات ذات عقيدة عسكرية مباشرة وصارمة ارتبطت تاريخياً بالمنظومة السياسية والأمنية لحركة "حماس".

منذ سنوات طويلة يعاني هؤلاء الموظفون من أزمات مالية حادة، إذ لم يتلقوا راتباً كاملاً منذ عام 2013، ويتقاضون نسباً تتراوح بين 40 في المئة إلى 50 في المئة من راتبهم عبر آلية "ملف المستحقات المتراكمة في الدفاتر".

مراحل "الفلترة" الصارمة

لن يكمل هؤلاء الموظفون جميعهم حياتهم في السلك الحكومي، بل سيخضعون إلى إجراءات فرز صارمة، تقوم على بروتوكول تصفية وتطهير شامل للسجلات، تقوده اللجنة الوطنية لإدارة غزة بدعم مباشر من قوة الاستقرار الدولية، وستخضع لرقابة وفحص معلوماتي متقاطع تشارك فيه أطراف دولية وإقليمية.

وتعتمد آلية الفرز المعتمدة على استراتيجية "الفلترة" على ثلاث مراحل متتالية، الأولى حصر السجلات، وتتولى هذه المهمة اللجنة الوطنية وستقوم بجمع ومراجعة السجلات الإدارية والمالية لكافة العاملين، للتأكد من المسميات والدرجات الوظيفية الحقيقية وتجريد الكادر من أي إضافات وهمية جرت خلال سنوات الحروب.

ثم تأتي مرحلة الفحص الأمني والسياسي، من خلال إخضاع الأسماء لتدقيق صارم يهدف إلى التأكد التام من خلو السجل الشخصي أو العائلي للموظف من أي ارتباط تنظيمي أو عسكري بالفصائل المسلحة.

وأخيراً مرحلة الدمج والتقاعد، إذ يتم تثبيت الموظفين المدنيين (في الصحة والتعليم) الذين يجتازون الفحص كموظفي دولة رسميين، بينما الموظفون الأمنيون والذين يرفضون الشروط أو يفشلون في عبور "الفلترة"، يُحالون قانونياً إلى "التقاعد القسري والعادل" أو تُنهى خدماتهم بصمت تماشياً مع قانون الخدمة المدنية.

يقول المدير التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، "لقد انتهينا بالفعل من عملية التدقيق والفحص الأمني الصارم لمجموعة أولية تضم نحو 5 آلاف فلسطيني من سكان قطاع غزة، وذلك استعداداً لإنشاء نواة قوة الشرطة الفلسطينية الجديدة وتجهيز أولى الدفعات التدريبية ضمن الخطة المشتركة للقطاع".

وتابع، "لا يوجد جدول زمني عشوائي أو متسرع لنشر هذه العناصر، فعقد العمل واستمرارهم مشروط بتوافر ظروف أمنية معينة على الأرض، ويلتزم هؤلاء بإتمام برامج تدريبهم وتأهيلهم الأمني الكامل في مراكز خارج قطاع غزة قبل إعادتهم لتسلم المهمات ميدانياً".

تسوية الموظفين المستبعدين

أما بالنسبة للموظفين الذين لن تشملهم قوائم القبول والدمج، فإن خريطة الطريق لم تترك مصيرهم معلقاً في فراغ يهدد الاستقرار المدني. فبموجب الصيغة التوفيقية التي وضعها الوسطاء، تَقرر ألا يُقصى هؤلاء الموظفون بشكل تعسفي يقطع أرزاق عائلاتهم، بل سيتم التعامل معهم إدارياً عبر مسار "الإحالة القانونية على التقاعد العادل والمنصف"، مع التعهد الصارم بمنحهم كامل مكافآتهم وحقوقهم المالية المتراكمة وفقاً لأحكام التشريعات الفلسطينية السارية.

هذا الالتزام هو المقايضة اللازمة لضمان خروجهم من السلك الحكومي من دون إثارة ضجة، وهو الأمر الذي فرض موازنة طارئة تُقدَّر بنحو 400 مليون دولار لتغطية هذه الالتزامات الهائلة.

التمويل المالي

في الواقع، تسعى اللجنة من خلال هذا البند إلى طمأنة الكوادر الخدمية بأن خطة السلام لا تعني إقصاءً عشوائياً، بل عملية ترتيب تضمن استمرار تقديم الخدمات للسكان من دون فراغ مؤسسي.

يشرح الباحث القانوني والتشريعي صفوت حجازي أن "البند الخامس يقدم صياغة مزدوجة تحاول الموازنة بين تفكيك النظام الإداري القائم وبناء نموذج جديد، ويكشف عن تلازم مشروط بين التمويل والتصفية الإدارية، فالاعتراف بالحقوق المادية لا يُمنح كحزمة كاملة بل كعملية تدريجية خاضعة للمراجعة والتدقيق والرقابة الدولية الصارمة".

ويضيف، "من الناحية النظرية، يتحدث النص عن الإنصاف وحفظ الكرامة وحماية استمرارية المؤسسات، وهي لغة دبلوماسية صُممت لتهدئة الجبهة الداخلية في غزة وتجنب انهيار القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة".

ويشير إلى أن "البند الخامس يركز على استقرار مؤسسات غزة عبر تسليم إدارتها للتكنوقراط مع الالتزام بقانون الخدمة المدنية الفلسطيني"، مؤكداً أن "هذه الآلية تهدف إلى ضمان استمرار الخدمات الحيوية وتحديد مصير الموظفين بشكل قانوني عادل".

وبموجب الاتفاق، تلتزم اللجنة بمنع الإقصاء الوظيفي للموظفين القائمين حالياً، كذلك تعتمد على قانون الخدمة المدنية لعام 1998 وقوانين التقاعد كمرجعية وحيدة لتسوية حقوق الموظفين، سواء بتثبيتهم أو إحالتهم للتقاعد بشكل عادل بعد "الفلترة".

ولم يكن تحديد مبلغ 400 مليون دولار لدفع مستحقات وديون حكومة غزة مبنياً على جردة حساب تفصيلي للديون المتراكمة لقطاع غزة، بل كان هندسة سياسية. فالواقع الاقتصادي والميداني على الأرض يؤكد أن حجم مستحقات الموظفين والديون القانونية المترتبة على حكومة غزة أكبر بكثير من هذا الرقم، والذي لا يغطي سوى جزء بسيط من التزامات تراكمت على مدار ما يقارب عقدين من الزمن نتيجة الرواتب المجتزأة وديون شركات القطاع الخاص وأموال الموردين المستحقة العالقة.

ولتفادي إحداث صدمة مالية غير محتومة وضمان حوكمة النفقات، نصت خريطة الطريق على أن مبلغ الـ 400 مليون دولار لن يتم ضخه دفعةً واحدة، بل سيُصرف بشكل تدريجي ومجدول على مدار 3 سنوات.

وتتولى اللجنة الوطنية جدولة عمليات الصرف السنوية بمعدل تقريبي يصل إلى 133 مليون دولار سنوياً بناءً على مراجعة دقيقة وتدقيق مالي دولي تشرف عليه لجان المانحين لضمان الشفافية والنزاهة.

خطة شديدة الذكاء

يقول الباحث في شؤون التنمية والاقتصاد محمد عبد الكريم إن "المقاربة الدولية هنا شديدة الذكاء، فالصرف المتدرج على مدار ثلاث سنوات بمعدل 133 مليون دولار سنوياً لا يهدف فقط إلى إنعاش السوق المحلية المنهارة، بل يُستخدم كجزرة مالية لضمان السلوك السياسي والإداري الهادئ للشارع في غزة".

ويضيف أن "المانحين لن يفرطوا في دولار واحد من دون تدقيق، وأي تلويح بالعصيان الإداري قد يعني تجميد الصندوق الائتماني الدولي بالكامل، مما يضع اللجنة الوطنية في مواجهة مباشرة مع الموظفين".

ويتابع، "بذلك يتحول لغز الـ 400 مليون دولار من مجرد بند لتغطية الديون، إلى أداة ضبط وربط مالي مُحكمة تضع تصفية الملف الإداري القديم لغزة تحت شروط تصفية نهائية، معلقةً بآمال وتوافقات سياسية مستقبلية بعيدة المدى".

الخطوط الحمراء لنقابة الموظفين

ولم تتأخر نقابة الموظفين في القطاع العام بغزة في تسجيل موقفها الحاسم والرافض لأي ترتيبات إدارية قد تمس أمنهم الوظيفي.

وفي ظل تزايد المخاوف من آليات "الفحص الأمني" والقيود المالية لخريطة الطريق، وضعت النقابة برئاسة نقيب الموظفين خليل حمادة محددات صارمة اعتُبرت "خطوطاً حمراء" لا تقبل المساومة أو الانتقاص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول حمادة إن "الموقف النقابي حازم في الرفض القاطع لسياسة الإقصاء الجماعي أو شطب أي كادر أدار القطاع وثبت في موقعه الخدمي طوال عقدين من الزمن، لا سيما في الطواقم الطبية والدفاع المدني والمعلمين". ويضيف أن "حقوق الموظفين الإدارية والمالية والدرجات التي حصلوا عليها هي خط أحمر وثابت قانوني، ولن نقبل بأي مساس بمراكزهم الوظيفية المكتسبة".

ويتابع، "قطع أرزاق 40 ألف موظف يعني بشكل مباشر تدمير شبكة الأمان الاجتماعي لأكثر من 400 ألف مواطن في غزة يعتمدون بالكامل على هذه الرواتب، وهو ما يهدد بانهيار اجتماعي شامل وفوضى مدنية لا يمكن لأحد السيطرة عليها".

ولوّحت نقابة موظفي غزة بخيارات العصيان الإداري والإضرابات الشاملة لشل القطاعات الحيوية في حال تبين أن الوعود الدولية بالإنصاف ليست سوى غطاء لعمليات شطب وإقصاء ممنهجة.

رسائل اطمئنان

في المقابل، سارعت اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى إرسال إشارات تهدئة قوية للشارع الإداري والنقابي، سعياً منها لامتصاص هذا الغضب النقابي وترويض العاصفة الإدارية قبل بدء استلام المقرات الوزارية ميدانياً.

وقال رئيس لجنة التكنوقراط علي شعث إن "نموذجنا الإداري للمرحلة الانتقالية يقوم على قاعدة ذهبية وهي سلطة واحدة وقانون واحد والمساءلة للجميع، التزامنا بالإنصاف وحفظ كرامة الموظفين ليس شعاراً، بل هو واجب وطني وقانوني، ولن يكون هناك إقصاء عشوائي لأي كادر فني أو مهني حافظ على استمرارية الخدمات الحيوية للمواطنين".

وأضاف شعث، "نحن ندرك حجم الهواجس في شأن الرواتب المتأخرة، ولهذا نعمل بالتنسيق المباشر مع مجلس السلام على إثبات أعلى معايير الشفافية ومدونة السلوك الإداري، لأنها السبيل الوحيد لضمان تدفق التمويل الدولي وتسيير الصندوق الائتماني المخصص للمستحقات من دون عوائق سياسية، أما بالنسبة لمن سيتعذر استمرارهم لأسباب فنية أو أمنية، فإننا نضمن لهم حلولاً عادلة ومنصفة للتقاعد المبكر تضمن كامل حقوقهم وتصون كرامة عائلاتهم وفقاً للقانون الفلسطيني".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير