Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الموجة الجديدة"... وعلى الشاشة ثورة أيضا

دفع هذا الأمر بكثير من النقاد في العالم إلى تبني هذا النهج المفرط بالتلقائية في التصوير وتكسير قواعد كتابة السيناريو وثقل الحوارات المصطنعة

مشهد من أفلام الموجة الجديدة (وسائل التواصل)

ملخص

شكلت مجلة "دفاتر السينما" المختبر الفكري الآسر الذي منه خرج كل شيء. إنها بمثابة البيان السينمائي الأول الذي احتضن كتاباتهم النقدية قبل الدخول في معترك الإخراج السينمائي.

حظيت "الموجة الجديدة" أكثر من أي حركة فنية أخرى باهتمامات بالغة من قبل النقاد والباحثين والأكاديميين المتخصصين في الشأن السينمائي. ذلك أن القارئ يعثر على مجموعة من كتب ومقالات ودراسات قامت بتشريح التطور الفني الذي عرفته أفلام الموجة الجديدة، وكيف انعكس ذلك إيجاباً على سينما العالم. لم يكن متوقعاً داخل السينما الفرنسية خلال خمسينيات القرن الـ20 ميلاد حركة سينمائية ثورية ستُغيّر وجه الفن السابع وتجعله امتداداً تلقائياً للواقع في جمالياته وفوضاويته. نجحت "الموجة الجديدة" في استقطاب كبار الفلاسفة والباحثين الذين دائماً ما جعلوا نصوصهم الفكرية تنطلق من المتون الفيلموغرافية للموجة الجديدة، بحكم ما تطرحه من أسئلة فكرية عميقة حول طبيعة الحياة المعاصرة.

لهذا عدها مفكرون كثر من أبرز التيارات الراديكالية في تاريخ السينما التي تشجع على الفكر وتحث الفلاسفة على الاندماج في المنجز السينمائي، كتابة وتفكيراً وتأملاً، شأنها في ذلك شأن "الواقعية الإيطالية الجديدة" و"التعبيرية الألمانية".

هكذا حظيت "الموجة الجديدة" بنوع من التفكير المفرط من قبل باحثين ونقاد وفلاسفة، وجدوا فيها استمراراً ثقافياً لنوع من الفكر الذي يؤمنون به ويتبنونه في تفكيك الأنساق الفكرية على مستوى الكتابة. وهو نمط فلسفي يجد امتداداته في الواقع، حيث يصبح هذا الأخير مادة لتقوية الفكر ومختبراً فلسفياً لبلورة مشروع يخدم المجتمع. وجد فلاسفة أمثال جيل دولوز وإدغار موران فرصة لمعانقة السينما وتشذيب الفكر الفلسفي من طابع التجريدي من خلال الارتماء في حضن الصورة السينمائية، وما كانت تمارسه آنذاك من سلطة رمزية على مشاغل ويوميات الفلاسفة الفرنسيين بين 1950 و1975.

الموجة الجديدة... شهرة دائمة

ونظراً إلى الحمولة السينمائية التجديدية والثورة الفكرية في مقاربة الواقع في سينما فرونسوا تروفو وجان لوك غودار وإريك رومير وكلود شابرول وجاك ريفيت وآنييس فاردا، دفع هذا الأمر بكثير من النقاد في العالم إلى تبني هذا النهج السينمائي المفرط بالتلقائية في التصوير وتكسير قواعد كتابة السيناريو وثقل الحوارات المصطنعة والخروج بالسينما من الاستوديوهات الهوليوودية صوب الشارع. لذلك وجد النقاد في هذا الشكل السينمائي الجديد فرصة لاختراق ما بات يسمى بـ"سينما الواقع" وتبنيه على أنه علامة وجودية على سينما فرنسية كانت تبشر به مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945).

نجحت مختلف الكتابات النقدية التي قاربت "الموجة الجديدة" في شهرة هذه الأفلام، بل حولت الفكرة إلى جدل نقدي قبل أن تتحقق وجودياً على تضاريس الشاشة الكبيرة. بيد أن فعل الكتابة لم يبق رهن التربة الغربية، بل امتد بصورة أقوى إلى العالم العربي، حيث تطالعنا منذ ثمانينيات القرن الماضي مجموعة من مقالات ودراسة تشرّح سينما الموجة الجديدة وتبني معها علاقة وجدانية قائمة على العشق والإبداع. والحقيقة أن هذه الكتابات كانت تضمر في طياتها عمق التجربة الفرنسية، وكيف تماهى معها العرب وحولوها إلى نموذج سينمائي جريء سيتبلور لاحقاً على تضاريس الشاشة العربية من خلال نماذج سينما عربية تأثرت بأفلام الموجة الجديدة، وحاولت أن تبني علاقتها مع الواقع العربي انطلاقاً من البراديغم البصري الذي تبنته الحركة الفرنسية.

لكن هذه الكتابات لم تصل إلى درجة كتب فكرية تقرأ بصورة عامة المسار التاريخي الذي قطعته "الموجة الجديدة" بطريقة تصبح من خلالها هذه المؤلفات حفراً عميقة في مدارات التاريخ السينمائي، بل ظلت على مقالات تحليلية تقرأ الفيلم من زاوية ضيقة. وغالباً ما كانت هذه المقالات تنبع من عشق سينيفيلي خاص بالنسبة إلى الناقد السينمائي، إذ يتوقف عند أفلام معينة من ريبرتوار غودار أو تروفو أو فاردا ويجعلها مادة للتفكير والتأمل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سينما أيديولوجية

تأسست فلسفة "الموجة الجديدة" على جعل السينما تخرج من إطار كل ما هو تقليدي مميت يُقوقع الفن السابع في المحاكاة، صوب البحث عن وظيفة فكرية للسينما. ذلك أنها بالنسبة إلى الموجة الجديدة، عبارة عن آلة للتغيير وقوة ناعمة للتأثير وصورة أثيرة لخلق أثر يعول عليه داخل المجتمع. بهذا المعنى تأتي الصورة السينمائية باعتبارها أفقاً للنقد ومنهجاً للتفكيك وطريقة في التماهي مع ما يشهده الواقع من تحولات سياسية وتغيرات اجتماعية، إنها تبني معالمها وجمالياتها انطلاقاً من عنق اللحظة وأثرها.

وجه رواد الموجة الفرنسية الجديدة نقداً لاذعاً لكثير من الأفلام الهوليوودية القائمة على الترفيه والاستهلاك. بيد أن هذه الإدانة التي جاءت في نصوصهم النقدية كانت تعبر في باطنها عن رأسمالية السينما الأميركية والطريقة التي بها حوّل مخرجو هوليوود الفيلم إلى بضاعة تجارية خاضعة لمنطق العرض والطلب. لقد كان جان لوك غودار شديد النقد للفيلم الأميركي الذي يعده مجرد نشاط تجاري تتحكم فيه أوليغارشية سينمائية تفرض على السوق نمطاً سينمائياً بعيداً من الواقع. لذلك جاءت أفلام الموجة الجديدة رخيصة الإنتاج وتلقائية في كتابتها وتصويرها وهي ترُجّ تاريخ السلالات السينمائية وتفرض على العالم تياراً سينمائياً سيشغل الناس بقوة خلال ستينيات القرن الـ20.

السينما "الموجة الجديدة" ليست وسيلة للتربية كما يحدث اليوم بالعالم العربي، ولا هي أداة للترفيه والمتعة، بل تبني هويتها الوجودية من مفهوم الالتزام بالتعريف الغرامشي للكلمة. فلا يوجد فيلم من دون قضية ولا يوجد سرد سينمائي من دون إشكالية فكريّة، فهذه العناصر الفلسفية تكاد تشكل علامة جمالية فارقة لأفلام الموجة الجديدة، وهو ما يفسّر رهان المخرجين على الواقع، بوصفه مختبراً للتفكير والتأمّل. أعادت "الموجة الجديدة" سؤال وظيفة السينما وإلى أي حد يمكن اعتبارها تمثل اختياراً أيديولوجياً لا مجرد وسيلة للتعبير، فالأفلام التي عرضت خلال الستينيات كانت تبشّر بميلاد سينما يعترف أصحابها أنها أيديولوجية بامتياز، لكونها ظلت تمثل اختياراً جمالياً أكثر راديكالية في تاريخ الفن السابع.

لم يهتم رواد "الموجة الجديدة" بالسينما التجارية التي كانت آنذاك مدعمة من كبار المنتجين داخل هوليوود، بل جعلوا الصورة تخترق الحدود والسياجات داخل المجتمع الفرنسي وتنتقد من الداخل وتتأمل وتبوح وترصد وتفكر، عاملة على تقديم سينما واقعية بالتجريب البصري.

دفاتر السينما

شكلت مجلة "دفاتر السينما" المختبر الفكري الآسر الذي منه خرج كل شيء. إنها بمثابة البيان السينمائي الأول الذي احتضن كتاباتهم النقدية قبل الدخول في معترك الإخراج السينمائي. لذلك مثلت المجلة على مدى أكثر من نصف قرن، أكثر المطبوعات والمجلات السينمائية شهرة خلال القرن الـ20، إذ يصعب العثور على مثيل لها داخل الثقافة الأميركية على رغم وفرة المؤسسات العملاقة التي كانت دائماً تدعم قطاع النشر. إن "دفاتر السينما" تكاد تكون حلقة وصل بين المجتمع الفرنسي وأفلام "الموجة الجديدة"، وذلك لأن كل الأفكار والمواقف والنظريات والمفاهيم التي جاء بها رواد الحركة وجدت لنفسها طريقاً في عالم الشاشة الكبيرة، لدرجة يعثر المرء على نوع من التقابل البصري المذهل بين نص نقدي نظري وبين تجلياته الفكرة والمفهوم والعوالم داخل العمل السينمائي.

ونظراً إلى المادة الفكرية - النقدية الغنية التي كانت تحبل بها المجلة، فإنها سرعان ما وجدت لنفسها موقعاً محترماً داخل النسيج الفني العالمي، بسبب ارتكازها على قضايا جوهرية في عالم الفن السابع ودراسات موضوعية مبتكرة وحوارات مُبدعة وغنية، تعد اليوم بمثابة وثيقة تاريخية قادرة على أن تسعف المؤرخ المهتم بتاريخ الفن السابع من بناء سيرورة تاريخية تؤرّخ لمسار السينما الفرنسية خلال منتصف القرن الـ20.

إن المجلة تمثل اليوم تراثاً سينمائياً لا ينضب، إذ توفر للباحث في مجال التاريخ فسحة فكرية لإعادة النظر في تاريخ "الموجة الجديدة"، لا باعتبارها حركة سينمائية ظهرت بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، بل كسيرورة فكرية نقرأ فيها تطوّر الفن السابع ومظاهره وتجلياته وأعلامه. ذلك أن السينما ليست مجرد عالم سحري تتوقف جمالياته عند فعل الإدهاش، بل تكاد تكون وثيقة تاريخية على حد تعبير المؤرخ الفرنسي مارك فيرو، فالفيلم مثل الوثيقة أو الشاهدة نستطيع من خلاله قراءة تطور المجتمع وفهم خصوصياته السياسية وثوراته الاجتماعية وفق آلية حداثية تبتعد من ناحية التأريخ عن مفهوم الكرونولوجيا السردية التي عادة ما تنمّط الكتابة التاريخية، في حين أن سينما "الموجة الجديدة" تتجنب السرد وتبني علاقتها بالحدث بطريقة مركبة تؤثر لا محالة في عمل المؤرخ نفسه.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما