ملخص
على رغم الطفرة في نوعية وعدد جرائم العنف ضد الأطفال، فإنه يخفت الحديث بجدية واستمرارية عن الإحصاءت والدراسات الخاصة بهذا الملف، فلماذا لا تهتم المؤسسات المعنية بتنظيم حملات كبيرة في هذا الملف، وبخاصة أن تلك الفئة هي الأضعف صوتاً والأكثر حاجة للحماية والوعي
ليس سراً أن هناك تحولاً نوعياً في الممارسات العنيفة ضد الأطفال، ربما في العالم كله، وفي مصر على وجه التحديد تفجر عدد من الحوادث الصادمة التي التـفت إليها رسمياً بعدما استحالت إلى قضايا رأي عام، خصوصاً أنها فئة لا صوت لها تقريباً، مما يجعلهم مضطرين للبقاء في وضع خطر لاعتبارات عمرية بطبيعة الحال، إضافة إلى أنه لا خطط فعالة ومستمرة تمنح تلك الفئة المعلومات الكاملة عن طرق تقديم الاستغاثة، وربما أيضاً للدعاية السلبية التي تتمتع بها وسائل الاستغاثة نفسها، التي قد تجعل بعضاً من المعنفين يتصورون أنها قد تجلب عليهم وبالاً إضافياً، وتضعهم في دور رعاية بلا رقابة على سبيل المثال، وفق ما أكده متخصصون في حديثهم إلينا.
على مدار أسابيع قليلة، تابع المصريون عدة حوادث موثقة بالصوت والصورة والاعترافات حول وقائع اعتداء جنسي على الأطفال، وقتل، وحقن بمواد كاوية، وإحراق وضرب مبرح أمام المارة، وإجبار على تناول مواد مخدرة. القاسم المشترك بينها أن جميع الحالات تعرضت لتلك الانتهاكات على أيدي الأهل، إمعاناً في ثقافة سائدة وشديدة الخطورة يظن معها الآباء والأجداد والأمهات أن لا أحد من حقه أن يسألهم عما يفعلون بصغارهم، وأن الضرب وسيلة تربوية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اللافت أن جميع هذه الحالات يجري التعامل معها قانونياً حالياً، لكن ماذا عن الانتهاكات التي لم تلتقط صورها بعد ولم تجد طريقها للجهات الأمنية المتخصصة، وترصد على نطاق أسري فقط ولا تخرج لعالم المنصات؟
أرقام مقلقة تطرح تساؤلات
قبل أيام قليلة، أعلن المجلس القومي للطفولة والأمومة أن 27 ألفاً و700 حالة انتهاك ضد الأطفال أُبلغ بها رسمياً من طريق خط نجدة الطفل، بزيادة نحو 30 في المئة مقارنة بالأعوام الماضية. لكن الحديث لا يكشف عن كم طفلاً تعرض للانتهاك، إنما يشير فقط إلى عدد البلاغات التي وصلت إلى المؤسسة.
ووفقاً للبيان الرسمي فإن أكثر من ربع هذا العدد تضمن التعذيب والضرب وختان الإناث، وفي ما بعد زواج القاصرات والابتزاز الإلكتروني والإهمال العائلي، وإن كان الجانب الإيجابي هو الوعي بالإبلاغ ومحاولة إنقاذ الأطفال، لكنه يظل ارتفاعاً مهولاً يؤكد أن التعنيف لم يعد يطاول النساء فحسب، بل إن الدائرة أخذت معها الصغار أيضاً في معادلة بديهية لمراحل إنتاج العنف المجتمعي.
لكن، من ينقذ هؤلاء؟ وما صلاحيات الشرطة ومؤسسات الطفولة في حماية الأطفال من ذويهم؟ وكيف تجري متابعة الحالات كي لا يتكرر الاعتداء مجدداً؟ ولماذا تبدو توعية الصغار أنفسهم بضرورة الإبلاغ عن أي انتهاك يحدث لهم ضعيفة للغاية، بل وتشاع حولها معلومات مغلوطة من قبيل أن الهدف من التوعية هو تقليد المجتمعات الأوروبية التي تأخذ فيها الجهات المعنية الأطفال من ذويهم وتضعهم في مؤسسات لا تقل سمية ولا تعنيفاً؟
وقبل كل ذلك، لماذا تبدو الإحصاءات شحيحة ولا تشرح الظاهرة كما ينبغي، فالأمر متعلق بالبلاغات التي وردت لخط النجدة فحسب، دون الحالات التي اكتشفت بطرق أخرى، ودون رصد إحصائي على الأرض، فبالبحث عن نسب الأطفال الذين يتعرضون للتعنيف بالفعل سواء أبلغوا أم لا، ورد أن آخر دراسة أجريت في هذا الصدد قبل نحو خمسة أعوام، أجراها مركز بصيرة البحثي (خاص)، والمفاجأة أن النسبة في حينها كانت 83 في المئة. أما آخر دراسة كبيرة على نطاق واسع فقد كانت قبل 12 عاماً، وأظهرت أن 93 في المئة من الأطفال الذين تراوح أعمارهم ما بين 1 و14 سنة تعرضوا لممارسات عنيفة وإساءات، وفقاً لما ذكرته "اليونيسيف"، بناءً على المسح السكاني لمصر خلال ذلك العام، وجميع تلك النتائج تضمنت أرقاماً كانت تستدعي استكمال البحث والتحليل الاجتماعي، والعمل بصورة أكبر على زيادة الوعي.
ملفات مهملة
إلى ذلك، يؤكد رئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة (خاصة) الدكتور هاني هلال، أن الاهتمام بملف العنف ضد الأطفال "تراجع بصورة ملحوظة في مصر خلال العقد الأخير"، معللاً سبب ذلك بأن "القضايا الاجتماعية عموماً تراجع طرحها في المشهد لمصلحة نظيرتها الأمنية والاقتصادية والسياسية"، منوهاً بأن الظروف التي يمر بها العالم "جعلت كثيراً من الدول تنحي المشكلات الاجتماعية جانباً أو تقلص نسبة الاهتمام بها لمصلحة أزمات تبدو أنها أكثر إلحاحاً". وأبدى اندهاشه من تصنيف البعض القضايا المجتمعية بـ"الرفاهية"، معتبراً أنها "صميم الأمن المجتمعي، وتندرج تحت بند الملفات الأمنية دون أدنى جدال".
وحول الخلل في الإحصاءات المتعلقة بالعنف ضد الأطفال، يقول هلال "للأسف أصبحت قضية العنف ضد الأطفال مركونة على الرف، على رغم أنها قضية أمن قومي من الدرجة الأولى، والأمر وصل إلى أن آخر تقرير صادر من وزارة العدل المصرية عن قضايا الأطفال التي وصلت إلى المحاكم كان قبل 20 عاماً، والأمر نفسه بالنسبة إلى تقرير محاضر الاعتداء على الأطفال، وهذا النوع من التقارير كان في غاية الأهمية، لأن مصدرها جهات معنية، ولديها الصلاحية للولوج إلى تلك المعلومات الشديدة الأهمية للباحثين، وللمجتمع المدني".
ويطالب هلال بـ"عودة مرصد الطفل المتوقف منذ 15 عاماً"، قائلاً "حينما نحضر مؤتمرات تابعة للأمم المتحدة حول الأطفال نذهب من دون معلومات ولا أرقام تقريباً ولا نسب، بسبب توقف كل تلك الجهات عن الرصد"، مشيراً إلى أنه على رغم الحوكمة والهيكلة الإلكترونية وتعدد جهات الإبلاغ مثل خط نجدة الطفل والشرطة ونيابة الأسرة والطفل بمكتب النائب العام، فإن نشر الأرقام والنسب "يسير بمعدلات شديدة البطء".
ونصت المادة الثانية من القانون رقم 12 لعام 1996، الخاصة بقانون الطفل، إضافة إلى تعديلاته التي تحمل رقم 126 لعام 2008 على أن الطفل المقصود قانوناً هو كل من لم يتجاوز سنه الـ18 سنة ميلادية كاملة. وأقرت الوثيقة الدستورية لعام 2014 بالتزام الدولة تجاه الطفل بحمايته وتخصيص جزء من الناتج القومي لقضاياه وتجريم الامتناع عن تقديم العلاج اللازم له أو تعريض حياته للخطر، بينما عقوبة تعنيف الأطفال تبدأ من ستة أشهر، وتتضاعف إذا كان المعتدي من ذويه لتصل إلى ثلاث سنوات، بينما الاعتداءات الجنسية والإصابات توضع في نسقها الطبيعي في التقاضي، وقد تصل العقوبة إلى الإعدام. والأخيرة تكررت داخل عدة مدارس في مصر خلال الأشهر الأخيرة وصاحبها صخب هائل.
اللافت أن تعديلات القانون أقرت أنه بات من حق الطفل أن يتصل هو بالجهات المعنية لطلب الحماية مثل خط نجدة الطفل، بعدما كان الأمر مقصوراً على ذويه من الدرجة الأولى، وفيما بات الأهل أنفسهم خلال أوقات كثيرة مصدراً للخطر، من الطبيعي أن يلجأ الأطفال بأنفسهم لطلب المساعدة، لكن كم نسبة الأطفال في مصر الذين يعلمون أن من حقهم طلب النجدة في حال تعرضهم لعنف بدني أو اعتداء من أي نوع، حتى لو كان الفاعل هو أقارب الدرجة الأولى ومن منوط بهم رعايته؟
توعية هشة
وفي حين توجد حملات يتذكرها المهتمون مثل "واعي وغالي"، و"أولادنا"، فإنها ظاهرياً لا تزال ضعيفة التأثير، نظراً إلى أن هذا النوع من الحملات الذي يخص تلك الفئة الضعيفة بدنياً التي هي في حاجة للاحتواء، ينبغي أن يحاصر الجمهور في المنصات ووسائل المواصلات ومؤسسات التربية والرياضة والترفيه، وأن يكون أسلوب حياة، وليس مجرد حملة موسمية، مما يشير إلى أنها برامج توعية هشة ولا تنشط إلا في أوقات الطوارئ والقضايا الشهيرة.
وفي حين أنه لا توجد إحصاءات حول تأثير الحملات أو حتى حول نسبة العنف ضد الأطفال بصورة دقيقة خلال الأعوام الأخيرة، فإن الملاحَظ أن المجتمع في حاجة إلى مزيد من الانتباه لهذا الملف الذي يمس 39.7 مليون طفل، وفقاً لإحصاءات العام الماضي التي نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أي ما يمثل نحو 37 في المئة من إجمال عدد السكان.
من جانبها، تبدي خبيرة علم النفس الاجتماعي بمعهد البحوث الجنائية والاجتماعية الدكتورة سوسن فايد دهشتها من تقصير المؤسسات المعنية في قضية العنف المتزايد، الذي يمارس ضد الفئة التي تمثل المستقبل، لافتة إلى عدم تعرض جميع الصغار للعنف، لكنها تشدد على ضرورة معرفة عدد المعنفين الحقيقي، وبخاصة أن الدراسات التي أُجريت منذ أكثر من عقد في هذا الشأن كانت مقلقة للغاية، وكان ينبغي متابعتها.
تقول فايد "قلة الوعي لدى كل الفئات جعلت الطفل لا يعلم ما أساليب حمايته وما حقوقه، وحتى إذا كان لديه الوعي فهو يخشى عواقب الإبلاغ، لأنه تربى على الترهيب. ولهذا، نجد صمتاً على اعتداء الأسرة والمدارس ومدربي الرياضة، فيجب أن تعمم ثقافة التوعية بحقوق الطفل، ولا يجري التعامل معها باهتمام وقتي يزول بزوال ’التريند‘ كي لا ينشأ فرد قليل الحيلة".
وبينما أتاح القانون لأي شخص أن يبلغ الجهات المعنية عن أي اعتداءات يراها بعينه تُمارس ضد أي طفل، وليس شرطاً أن يكون من أقاربه، فإن الطريقة التي يجري بها التعامل مع البلاغات في بعض الأوقات لا تشجع على الإيجابية. فوفقاً لموظفة بإحدى شركات المبيعات، رصدت بنفسها خلال وجودها في شرفة المكتب أباً يعنف ابنه داخل المنزل المقابل، وكاد يودي بحياته، فما كان منها إلا أن قامت بالإبلاغ، والمفاجأة أنها خلال اليوم التالي فوجئت بالأب يوبخها في الشارع، ويهددها ويتهمها بالتدخل في تربية ابنه، بل يحذرها بصورة صريحة، وذلك على رغم أن سرية بيانات المبلغ بند أساس من الضروري أن يضمنه المحققون في البلاغ.
يرى المتخصص في قضايا الطفولة الدكتور هاني هلال أن فتح المجال للإبلاغ وأن لا يكون الأمر مقصوراً على الأقارب لن يتحقق إلا بتحقيق السرية الكاملة في ما يتعلق بالطرف المبلغ، مشدداً على أن هذا البند سيشجع كثراً على أن يتصرفوا بإيجابية وأن ينقذوا الأطفال، لافتاً إلى أن سبب عدم احترام هذا البند في بعض المواقف يعود إلى أن من يتولون المتابعة غير مدربين، وما يقومون به هنا يعد انتهاكاً للخصوصية وتعريضاً لحياة المبلغ للخطر والتسبب في صدام اجتماعي وتشجيع العزوف عن الإبلاغ لا العكس، مؤكداً أن الأمر يحدث أيضاً حينما يقوم الابن بالإبلاغ بنفسه، فكشف هوية المبلغ لمصدر الاعتداء خطأ وخطر كبير ينبغي أن يتوقف.
على ما يبدو أن آلية المتابعة نفسها في حاجة إلى تحديث ومزيد من المثابرة، والاستعانة بمتخصصين في التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع، ووفقاً لهاني هلال، فإن الأمر معقد ويحتاج إلى خبرة طويلة واستمرارية لضمان أمان الحالات، متابعاً "أحياناً نجد كثراً يتعاطفون مع الأب، ويعدون أن الضرب وسيلة للتربية، بالتالي فأي تعليق يعد تدخلاً غير مقبول، هذا أيضاً يمكن أن يحل بمزيد من التثقيف، ويمكننا استغلال السوشيال ميديا بصورة إيجابية في فضح ممارسات العنف ضد الأطفال، وتسليط الضوء على أي قضايا في هذا الإطار، لأن هذا بحد ذاته إحدى وسائل الردع".
خلل التربية بالتعنيف
عدد من تلك القضايا عالجها القانون والمحاكم أخيراً، وأيضاً أسهمت السوشيال ميديا بصورة أو بأخرى في التوعية والتنديد بها، والمفارقة أن الطرف المعتدي كان من المفترض أنه يمثل مصدر الأمان والحماية، سواء كان أباً أو معلماً أو سائق حافلة مدرسية أو مدير مؤسسة تعليمية، أو حتى مدرباً رياضياً. ففي الحادثة الشهيرة التي اكتشف فيها الآباء تعرض بناتهم لسلسلة ممنهجة من الاعتداءات من قبل مدربهن، وارتبطت تلك القضية بنمط آخر يتمثل في خوف الضحية من الشكوى أو الإبلاغ، وهي مسؤولية تقع بصورة مباشرة على الجهات التي تصمم حملات التوعية وعلى العائلة كذلك، يعلق رئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة "الخوف لم يعد من كم الممارسات فحسب، إنما الخطورة تكمن في دخول فئات اجتماعية متعددة منطقة الشبهات، ليصبحوا مصدراً للانتهاك سواء أطباء أو معلمين أو مدربين. فبخلاف صعوبة الكشف، فالأمر يسبب صدمات نفسية وتشوهات في الشخصية يصعب علاجها".
الأكاديمية سوسن فايد أستاذة علم النفس ترى أن العنف في المجتمعات بصورة عامة لا يخص فئة دون أخرى. واصفة الأمر بالدائرة، فمن يعنف النساء يمكنه تعنيف الأطفال، ومن يقع عليها العنف من الطبيعي أن تصدره لصغيرها نتيجة كبت أو ضغط أو اعتباره أسلوباً طبيعياً للتعامل، لكنها تشدد على أن الاهتمام بالتوعية ضد خطورة الاعتداء على الصغار بكل ما تشمله تلك الكلمة من معنى يجب أن يصبح أولوية، لأن هذه الفئة لها خصوصية سيكولوجية، فالطفل في حاجة إلى الأمان أولاً.
وتشير فايد إلى أن مؤسسات الرعاية بدءاً من الأسر والمدرسة فقدت دورها في التنشئة السليمة، إذ تعتقد أن الآباء لا يلتفتون لا لمبدأ التوعية ولا حتى لفكرة أن تعنيفهم للأطفال سيؤثر فيهم لاحقاً، معتبرة أن اللجوء إلى طبيب نفسي لمحاولة معالجة تلك الآثار، وكأنهم يخلون مسؤوليتهم لن يفلح دون أن يقوموا بدورهم أولاً، وكذلك ذكرت أن حتى دور الرعاية باتت مصدر قلق للصغار أنفسهم بسبب قضايا الاعتداء التي حدثت بها أخيراً، وبسبب عدم التشهير بالمعتدين كما ينبغي وردعهم.