ملخص
يقود رئيس الوزراء البريطاني الجديد أوسع عملية إعادة توزيع للسلطة والمال في إنجلترا منذ جيل، عبر منح رؤساء البلديات الإقليميين حصة من ضريبة الدخل، وفتح مقر ثان لرئاسة الحكومة في مانشستر، قائلاً إن هذا المسار يقود منطقياً إلى دستور مكتوب للمملكة المتحدة، وهي خطوة لم تعرفها البلاد طوال تاريخها الحديث، لكن مراكز الأبحاث تحذر من أن البنية التحتية للمشروع أنجزت من دون أن يجري فيها المال بعد، وأن مكافأة المناطق على نموها قد تعمق الفوارق بدلاً من أن تردمها.
يظل الملمح الأبرز في الأسابيع الأولى من ولاية رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بيرنهام، افتتاح ما سماه "المنزل رقم 10 شمالاً"، وهو فرع لمكتب رئاسة الوزراء في مانشستر، اتخذ من مبنى "هيرون هاوس" مقراً موقتاً، على أن ينتقل إلى "الحرم الرقمي" الحكومي بعد اكتماله عام 2032.
ووفق بيان وزاري خطي قدمته البارونة سميث أوف بازيلدون في الـ 11 ممن يوليو (تموز) الماضي، انتقلت إلى هذا المقر صلاحيات اللامركزية والنمو الاقتصادي المحلي من وزارة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي ووزارة الخزانة، ويقول بيرنهام إنه سيعمل من هناك يوماً واحداً خلال الأسبوع في الأقل، وإن المكتب ليس "حيلة دعائية، بل مركز أعصاب بريطانيا المعاد توصيلها".
وفي الـ 30 والـ 31 من يوليو الماضي، أعلنت الحكومة ما وصفته بـ "أكبر نقل للسلطة والتمويل والمسؤولية من وستمنستر منذ جيل"، وبموجب الخطة يحتفظ رؤساء البلديات في إنجلترا بحصة من الضرائب العقارية التجارية اعتبارا من أبريل (نيسان) 2027، ثم بحصة من ضريبة الدخل المحصلة في مناطقهم اعتباراً من أبريل 2028، وكذلك يُستحدث مبدأ اسمه "المحلي أولاً"، يلزم الوزراء بتبرير بقاء أي صلاحية في وايتهول بدلاً من نقلها.
خلال مقابلة نشرتها صحيفة "غارديان" مطلع أغسطس (آب) الجاري، ربط بيرنهام بين برنامجه اللامركزي ومطلب أقدم يحمله منذ أعوام، وهو دستور مكتوب للمملكة المتحدة، وقال إن البرنامج "يزيد الحجة لمصلحة دستور، لأن بريطانيا تتغير من خلاله، وإنجلترا تتغير بالتأكيد"، مضيفاً أن الأمر "يبدأ بالفعل في الإشارة إلى تسوية دستورية جديدة".
ويستلهم رئيس الوزراء صراحة القانون الأساس الألماني، الذي ينص على ضرورة تحقيق مستويات معيشة متكافئة في جميع الولايات، مع إعادة توزيع موارد الولايات الأغنى على مستوى البلاد، وكان قد كتب في كتابه "اتجه شمالاً" عام 2024 أن "ترتيباتنا الدستورية غير المكتوبة والغامضة أدت إلى تكدس السلطة في عدد قليل من الأيدي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأوساط الأكاديمية والبحثية قابلت الفكرة بحذر واضح، فقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة "كوين ماري" لندن، تيم بيل، إن تبني دستور مكتوب سيكون "خروجاً هائلاً" عن التقليد البريطاني، مذكراً بأن معظم الدول أقدمت على ذلك في أعقاب ثورة أو حرب نزعت الشرعية عن النظام السابق، مضيفاً أن الأمر قد يمثل "قيداً كبيراً على السلطة التنفيذية"، لأنه سيضع قواعد اللعبة خارج متناول البرلمان بغالبية بسيطة، وأنه وإن كان قد يوضح اختصاصات مستويات الحكم المختلفة، "فلا سبيل إلى قصره على ذلك".
الرئيسة التنفيذية لمعهد "الحكومة"، هانا وايت، رأت أن دستوراً مدوناً بالكامل "يجب أن يتجاوز اللامركزية بكثير، ليشمل كل القواعد التي تنظم بنية الدولة"، بينما جاء الاعتراض الأكثر تقنية من "معهد الدراسات المالية"، إذ يرى رئيس قسم تمويل الحكومات، ديفيد فيليبس، أن الخطة "بعيدة من الجذرية بمقاييس الدول الأخرى، لكنها مهمة في السياق الإنجليزي"، محذّراً من أن ربط تمويل رؤساء البلديات بأداء اقتصاداتهم يعني مكافأة أكبر ومخاطرة أكبر في آن، لأن الإيرادات قد تتباين لأسباب خارجة تماماً عن سيطرتهم.
وتقدر حسابات المعهد أن ما بين ستة وتسعة في المئة من إيرادات ضريبة الدخل المحلية، تكفي لتعويض التسويات المالية المتكاملة لسلطات الشمال ووسط إنجلترا، بينما يكفي أقل من واحد في المئة لتغطية تسوية لندن الكبرى، فيما تزيد إيرادات ضريبة الدخل للفرد في العاصمة على ثلاثة أضعاف ونصف عن نظيرتها في "ويست ميدلاندز"، ومن دون نظام تعادل مصمم بعناية، فقد يفاقم الإصلاح الفوارق الإقليمية بدلاً من معالجتها.
على الضفة المؤيدة للمشروع، وصف معهد "أبحاث السياسة العامة" الإعلان بأنه "جريء إلى حد استثنائي، وأهم تحول في طريقة تمويل إنجلترا منذ جيل"، لكن رئيسة فرع المعهد في الشمال، ميرتي بوت، وضعت للخطة اختبارين، أولهما أن يمنح رؤساء البلديات حرية الاقتراض في مقابل إيرادات مستقبلية، لتمويل بنية تحتية طويلة الأمد، على غرار ما فعلته لندن مع مشروع "خط إليزابيث" لسكة الحديد، وثانيهما أن تقتسم عائدات النمو مع المناطق الأبطأ نمواً، واصفة "المنزل رقم 10 شمالاً" بأنه "يمد السباكة لكن الماء لم يجر في الأنابيب بعد".
ويتقاطع هذا مع تقييم جوناثان كار وست من وحدة "معلومات الحكم المحلي"، الذي رأى أن أجندة بيرنهام "أكثر التصريحات طموحاً من سياسي رفيع منذ جيل"، لكن المجالس المحلية الإنجليزية "أُنهكت مالياً حد أن الرؤية تحتاج إلى مركبة لا تملكها بعد".
أما خارج إنجلترا، فلم يلق المشروع الحماسة ذاتها، فرئيس الوزراء الإسكتلندي جون سويني رد بأن "الخطاب وحده لن يكون كافياً"، موضحاً أن أربع انتخابات متتالية في هوليرود منحت حزبه تفويضاً لتقرير المصير، أما رئيس وزراء ويلز، رون أب إيورويرث، فكان أكثر تعاوناً لكنه قال إنه يتوقع ألا يتحول "المنزل رقم 10 شمالاً" إلى "وايتهول برمز بريدي مختلف"، وطالب بقانون جديد لويلز يمنحها صلاحيات الشرطة والقضاء، وببديل لصيغة بارنيت يحقق لبلاده تكافؤاً تمويليا ًمع إسكتلندا، وقد تجنب بيرنهام خلال لقائه الأول معهما في غلاسكو أي نقاش حول استفتاء ثان على استقلال إسكتلندا.
من جهته، وصف وزير الحكم المحلي في حكومة الظل المحافظة، جيمس كليفرلي، النهج الحكومي بأنه "مانشسترية من أعلى إلى أسفل"، ستؤدي في رأيه إلى ضرائب أعلى من دون ضمان نتائج أفضل، مضيفاً أن "ما ينجح في مانشستر لن يكون هو ذاته في إسيكس أو كورنوول أو كمبريا". وبالنسبة إلى زعيم حزب "ريفورم"، نايجل فاراج، فحذّر من أن وجود منزل رقم 10 في الجنوب وآخر في الشمال سيقود إلى تصارعهما، إضافة إلى اعتراض مناطق بلا عمدة منتخب، مثل كورنوول، التي أقر بيرنهام نفسه بأنها ستُستبعد من المستوى الأعلى للامركزية، لغياب هذا المنصب فيها.
ثمة تحد آخر أقل ظهوراً في الخطاب السياسي، وهو أن قانون اللامركزية وتمكين المجتمعات لعام 2026، لا ينقل السلطة إلى أسفل وحسب، بل يعيد رسم خريطة الحكم المحلي، فهو يستحدث فئة "السلطات الإستراتيجية" بمستوياتها الثلاثة، ويلغي البنية المزدوجة في مقاطعات عدة لمصلحة سلطات موحدة. وخلال مناقشات مجلس اللوردات، تكرر الاعتراض بأن قانوناً يُفترض أنه لامركزي، يمنح وزير الدولة صلاحيات واسعة لإعادة تشكيل البنى المحلية، وفرض رؤساء بلديات من دون موافقة محلية صريحة، وهو ما وصفه معلقون في "جمعية القانون الدستوري" بأنه توتر بنيوي داخل المشروع نفسه.
وخلاصة ما تقوله مراكز الدراسات أن بيرنهام يملك رؤية أوضح من أدواته، فالمملكة المتحدة تبقى، وفق مركز "سنتر فور سيتيز"، الأكثر مركزية مالياً في "مجموعة السبع"، والإصلاح المعلن لا يمنح سلطة فرض الضرائب، ولا ينقل موازنات "الخدمة الصحية الوطنية" من لندن، أما الدستور المكتوب فيصطدم بعقبة أعمق وهي سيادة البرلمان، إذ لا يمكن لبرلمان أن يقيد خلفه، مما يجعل أي تدوين حقيقي مشروطاً بترتيبات ترسخ تغيّر طبيعة النظام السياسي البريطاني ذاته، ويشير نائب مدير وحدة الدستور في "جامعة كوليدج" لندن، توم فليمنغ، إلى أن أجندة بيرنهام تُبنى في جزء كبير منها على ما بدأته الحكومة السابقة، وأن الإصلاحات الأثقل، مثل استبدال مجلس اللوردات بمجلس شيوخ للأمم والأقاليم، أو تغيير النظام الانتخابي، مؤجلة على الأرجح لما بعد الانتخابات العامة عام 2029.