ملخص
عودة جهاز الردع إلى تمركزاته السابقة واستعانة الحكومة بقوات عسكرية من مصراتة تعيدان تشكيل التحالفات الأمنية
تسارعت وتيرة التطورات في المنطقة الغربية بليبيا، إذ بدأت بإغلاق مؤسسات حكومية من قبل محتجين يطالبون بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية وضعف البنية التحتية وانقطاع الكهرباء. وسرعان ما تطورت الأحداث إلى إزالة السواتر الترابية وإعادة فتح المقرات الرسمية، تزامناً مع وصول أرتال مسلحة تابعة للمجلس العسكري بمصراتة، مسقط رأس الدبيبة، إلى العاصمة طرابلس. وأعلن المجلس رفضه شل المؤسسات، مؤكداً في بيان مساء السبت تمسكه بـ"شرعية الدولة تجنباً لوقوع فراغ سياسي".
ووسط هذه التحركات الميدانية، تصدر المشهد عودة قوة الردع الخاصة إلى عدد من مقار نفوذها السابقة، بعدما كانت قد خسرت جزءاً منها إثر اشتباكات بينها وبين قوات حكومية قادها وقتها اللواء "444 قتال" في مايو (أيار) 2025، مواجهات أسفرت حينها عن تراجع نفوذ قوة الردع وفقدان سيطرتها على بعض المواقع الحيوية لصالح قوات حكومة الوحدة الوطنية التي سعت إلى إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية.
عودة يقول مراقبون إنها "تحمل دلالات تتجاوز إعادة الانتشار العسكري إلى استعادة النفوذ في طرابلس، وإثارة تساؤلات في شأن ما إذا كانت استرجاعاً لتوازنات ما قبل مايو 2025، أم أن العاصمة السياسية ستدخل مرحلة جديدة من صراع النفوذ بين القوى المسلحة؟".
صراع نفوذ
عن عودة جهاز الردع إلى مواقعه السابقة، يقول دكتور العلاقات الدولية والعلوم السياسية خالد الحجازي إن هذا الأمر لا يعني بالضرورة أن الجهاز استعاد كامل نفوذه كما كان قبل الاشتباكات، مستدركاً أن هذه التطورات تشير إلى أن موازين القوة في طرابلس لم تحسم لصالح طرف واحد، فما حدث بعد اشتباكات مايو 2025، أعطى انطباعاً بأن القوى الموالية لحكومة الوحدة الوطنية نجحت في توسيع نفوذها وتقليص مساحة حركة جهاز الردع، لكن عودة الأخير إلى مواقعه تكشف عن أن هناك تفاهمات أو ضغوطاً حالت دون استمرار هذا الواقع.
ويضيف في حديثه لـ"اندبندنت عربية" أن المشهد الأمني في العاصمة لا يزال قائماً على مبدأ التوازن أكثر من مبدأ الحسم، فكل طرف يمتلك من القوة والنفوذ ما يمنع الآخر من الانفراد بالمشهد، وهو ما يجعل أي تغيير ميداني قابلاً للمراجعة إذا تغيرت الظروف السياسية أو الأمنية.
وينوه الحجازي بأنه يمكن النظر إلى عودة "الردع" باعتبارها رسالة بأن هذا الجهاز لا يزال لاعباً رئيساً في معادلة الأمن داخل طرابلس، وأن تجاوزه أو إقصاءه ليس أمراً سهلاً، باعتباره قوة وازنة.
وعما إذا كانت هذه المستحدثات عودة لتوازنات ما قبل مايو 2025 أم بداية مرحلة جديدة من صراع النفوذ، يقول المتخصص بالشؤون الليبية والدولية إنها ليست عودة كاملة إلى توازنات ما قبل مايو، ولا هي أيضاً بداية لمرحلة مستقرة، فما جرى خلال الأشهر الماضية غير مستوى الثقة بين الأطراف، وأعاد رسم حدود النفوذ وطرق إدارة الصراع.
ويرى الحجازي أن المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى إعادة تموضع للقوى المتنافسة استعداداً لجولة جديدة من التنافس السياسي والأمني، مع بقاء احتمالات التصعيد أو التفاهم قائمة بحسب طبيعة التحركات الداخلية ومواقف الأطراف الخارجية. ويذهب إلى أن الجهة الغربية أمام توازن هش يختلف عن السابق، وقد يكون مقدمة لمرحلة جديدة من صراع على النفوذ أكثر تعقيداً وأقل قابلية للحسم العسكري.
دلالات سياسية وأمنية
العميد المتقاعد من قوات الجيش التونسي، وعضو الهيئة الاستشارية لمركز الجامعة العربية للدراسات الأمنية، المختار بالنصر، يقول إن انتشار قوة الردع في مواقعها السابقة في طرابلس، بعد انحسار نفوذها إثر اشتباكات مايو 2025، لا يبدو مجرد إجراء أمني فرضته ظروف الاحتجاجات الشعبية، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة تتجاوز البعد الميداني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويؤكد بالنصر أن هذه التطورات توحي بإعادة ترتيب موازين القوى داخل العاصمة، ومحاولة لاستعادة معادلة الردع والاستقرار وفق تفاهمات جديدة بين الفاعلين المحليين والداعمين لهم، منوهاً بأنه إذا استمر هذا الانتشار وترسخ ميدانياً، فقد يشكل مؤشراً إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في طرابلس، بما يعكس انتقالاً من مرحلة الحسم العسكري الموقت إلى مرحلة إعادة توزيع مراكز القوة ضمن توازنات أكثر تعقيداً وحساسية.
رئيس تحرير موقع "علاش" أكرم النجار يرى أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، لا يملك إلا مصالحة جهاز الردع بأي طريقة كانت، لإيقاف الاحتجاجات التي يقودها حراك شباب سوق الجمعة والتي تطارد وزاراته وهيئاته، بخاصة أن هذه الجولة من الاحتجاجات تحظى بغضب شعبي كبير يعم كل المنطقة الغربية.
ويوضح النجار أن عودة قوة الردع إلى تمركزاتها السابقة تبدو منطقية لأن هذه الخطوة ستعطي للحكومة وقتاً إضافياً، مشيراً إلى أنها سياسة متبعة منذ أكثر من عامين من قبل حكومة الدبيبة، التي تركز على ربح الوقت من دون وجود توجه أو رؤية واضحة لها حتى تتدبر كيفية إدارة الوضع المتأزم في الغرب الليبي.
تحالفات القوة المسلحة
وعلاقة باستدعاء رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة قوات عـسـكرية من مصراتة للحفاظ على حكومته في العاصمة طرابلس، يقول بالنصر إنها خطوة تتجاوز البعد الأمني المباشر، لتعكس في جوهرها إدراكاً بأن بقاء الحكومة أصبح مرتبطاً بقدرتها على الحفاظ على توازنات القوة داخل العاصمة أكثر من ارتباطه بالمؤسسات الرسمية وحدها.
ويتابع أنه منذ الاشتباكات التي شهدتها طرابلس في مايو 2025 وما ترتب عليها من تغيرات في موازين النفوذ بين التشكيلات المسلحة، أصبح المشهد الأمني أكثر سيولة، ولم يعد أي فاعل يمتلك القدرة على فرض معادلة مستقرة بصورة منفردة. ويذهب إلى أن الاستعانة بقوات من مصراتة هي محاولة لإسناد الحكومة بقوة عسكرية ترتبط بها سياسياً واجتماعياً، بخاصة أن الدبيبة ينحدر من مصراتة، وتتمتع بدرجة من الانضباط والقدرة على الردع، بما يهدف إلى منع أي محاولات لفرض أمر واقع جديد داخل العاصمة.
ويوضح أن هذه الخطوة تحمل رسالة مزدوجة للداخل الليبي وتحديداً إلى القوى المسلحة في طرابلس بأن الحكومة لا تزال قادرة على استدعاء حلفائها وتعزيز مواقعها متى اقتضت الضرورة، وخارجياً إلى الأطراف الإقليمية والدولية بأن السلطة التنفيذية ما زالت تمتلك أدوات ميدانية تحول دون انهيارها السريع.
ويرى بالنصر أن هذه السياسة تكشف في الوقت نفسه عن استمرار اعتماد الدولة الليبية على تحالفات القوة المسلحة بدلاً من الاحتكار المؤسسي لاستخدام القوة، وهو ما يعني أن أي تعزيز عسكري، مهما حقق من استقرار تكتيكي، يظل رهيناً بالتوازنات بين الفصائل وليس بسيادة مؤسسات الدولة.
ويقول إن استدعاء قوات من مصراتة لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد إجراء أمني موقت، بل باعتباره مؤشراً إلى إعادة تشكيل شبكة التحالفات العسكرية والسياسية التي يستند إليها رئيس الحكومة لضمان استمرارية سلطته في طرابلس، في ظل بيئة لا تزال تدار بمنطق توازن القوى أكثر مما تدار بمنطق الدولة.