Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكومة بيرنهام... استيلاء الشمال على السلطة في بريطانيا 

مكافأة خصوم ستارمر وهندسة وزارية جديدة تواجه تحديات الإنفاق وتداعيات أزمات العالم

جانب من أول اجتماع للحكومة البريطانية الجديدة بقيادة آندي بيرنهام (غيتي) 

ملخص

دخل آندي بيرنهام مقر رئاسة الوزراء البريطانية حاملاً وعداً بأكبر تغيير في السياسة منذ أربعة عقود، فشكل حكومة يهيمن عليها نواب شمال إنجلترا، وألغى وزارة العلوم والتكنولوجيا مستحدثاً أول مقعد وزاري للذكاء الاصطناعي في تاريخ البلاد، وكافأ من عارضوا سلفه كير ستارمر بحقائب بارزة، وعلى رأسهم زعيم عمال اسكتلندا أنس سروار الذي يغادر أدنبرة إلى لندن تاركاً حزبه في الشمال أمام معركة خلافة مفتوحة.

كشف آندي بيرنهام عن حكومته الجديدة بعد توليه رئاسة الوزراء، واعداً بأكبر تغيير في السياسة البريطانية منذ 40 عاماً، ومبعداً شخصيات أساسية من عهد سلفه كير ستارمر. وجاءت التشكيلة لتعكس 3 خطوط واضحة في مشروع الرجل الآتي من مانشستر، نقل الثقل السياسي من لندن إلى الشمال وإعادة هندسة هياكل الوزارات حول أولويات اقتصادية وتكنولوجية جديدة ورد الجميل لمن أسهموا في إسقاط ستارمر أو دفعوا ثمن معارضته.

لم تكُن التشكيلة قطيعة كاملة مع حكومة ستارمر، إذ احتفظ عدد من الوزراء بمناصبهم أو انتقلوا إلى حقائب مغايرة. فبقيت شبانة محمود وزيرة للداخلية، وهي التي قادت جهود الحكومة السابقة لفرض ضوابط أشد على الهجرة، فيما احتفظ بات مكفادن بحقيبة العمل، وهايدي ألكسندر بوزارة النقل، وليزا ناندي بوزارة الثقافة، ودوغلاس ألكسندر بوزارة شؤون اسكتلندا. في المقابل، شهدت مناصب أخرى تحولات لافتة، إذ انتقل إد ميليباند من "الطاقة" التي تولاها منذ فوز حزب العمال في انتخابات 2024 إلى وزارة الخارجية ليصبح كبير دبلوماسيي بريطانيا، بينما عينت إيفيت كوبر التي شغلت "الداخلية" ثم "الخارجية" خلال عهد ستارمر، وزيرة للصحة والرعاية الاجتماعية.

وامتد منطق البقاء مع تغيير الأدوار إلى شخصيات أخرى، إذ عاد جوناثان رينولدز إلى وزارة الأعمال التي شغلها عند وصول "العمال" إلى السلطة قبل أن ينقل إلى منصب كبير مراقبي الحزب، لكن الحقيبة أصبحت أكثر اتساعاً لتشمل العلوم والتكنولوجيا. وخسرت بريدجيت فيليبسون، الحليفة المقربة من ستارمر، حقيبة التعليم لكن بقيت وزيرة لشؤون المرأة والمساواة مع حق حضور اجتماعات الحكومة. وخرج من الحكومة نهائياً أبرز أركان العهد السابق، وزيرة الخزانة راتشيل ريفز و"الخارجية" ديفيد لامي و"الأعمال" بيتر كايل، في وقت أعاد بيرنهام تشكيل الحكومة بحلفائه في المناصب الرئيسة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بصمة الشمال

السمة الأبرز في التعيينات هي الحضور الطاغي لنواب شمال إنجلترا على نحو غير مسبوق في تاريخ الحكومات البريطانية الحديثة، فوُصفت التشكيلة بأنها ربما الأقل تمركزاً حول لندن في التاريخ، مع هيمنة نواب الشمال الغربي ويوركشاير، وتمثيل كثيف لمانشستر الكبرى التي حصلت على خمسة مقاعد في الحكومة مقابل مقعدين فقط للعاصمة التي اعتادت لعقود أن تكون مركز الثقل السياسي والإداري للمملكة. وذهبت أوصاف أبعد من ذلك، إذ وصفت حكومة بيرنهام بأنها استيلاء شمالي على الحكم، وأظهرت التحليلات أن منطقة واحدة من الشمال تحديداً هي الصاعدة أكثر من غيرها.

تضم الحكومة الجديدة 43 في المئة من الوزراء المولودين شمال إنجلترا، بينما ولد وزيران خارج المملكة المتحدة هما وزيرة البيئة مياتا فاهنبوليه المولودة في ليبيريا، ووزير الذكاء الاصطناعي كانيشكا نارايان المولود في الهند.

والأهم في هذا التحول أن المناصب الأربعة الكبرى، أي رئاسة الوزراء والخزانة والخارجية والداخلية، خلت من أي تمثيل لندني للمرة الأولى في الذاكرة السياسية البريطانية، إذ يمثل بيرنهام دائرة في مانشستر الكبرى، بينما يمثل جون هيلي وإد ميليباند دوائر في يوركشاير، فيما تنتمي شبانة محمود إلى بيرمنغهام.

وتكشف المقارنة بين حكومة بيرنهام وحكومة سلفه عن حجم الانقلاب الجغرافي. فبحسب تحليل موقع "بوليتيكس هوم" المتخصص في شؤون ويستمنستر، فإن الشمال الغربي، وهو المنطقة الأم لرئيس الوزراء، هو الرابح الأكبر من حيث التمثيل الوزاري الرفيع، إذ عين بيرنهام ستة نواب "عماليين" يمثلون دوائر في هذه المنطقة، هم وزيرة التعليم لوسي باول ووزيرة الإسكان والمجتمعات أنجيلا راينر وكبيرة المراقبين أنليز ميدغلي ووزير الأعمال جوناثان رينولدز ووزيرة البيئة أنجيلا إيغل ووزيرة الثقافة ليزا ناندي، مقارنة بنائبين فقط من دوائر الشمال الغربي في حكومة ستارمر عند استقالته، أي إن تمثيل المنطقة تضاعف ثلاث مرات بين عشية وضحاها، من دون احتساب رئيس الوزراء الذي يمثل دائرة في المنطقة ذاتها.

ولا يقتصر الحضور الشمالي على الأسماء الكبيرة المعروفة، بل يمتد إلى الدائرة الضيقة التي هندست وصول بيرنهام إلى الحكم، فحصلت لويز هيغ وأنليز ميدغلي على مقعدين إلى طاولة الحكومة، وكلتاهما أدت دوراً محورياً في رحلة بيرنهام من عمدة مانشستر إلى "داونينغ ستريت"، علماً أن هيغ وصفت بأنها جزء من مجموعة نساء الشمال القويات اللواتي هندسن حملته الانتخابية في ميكرفيلد وتشير هذه التركيبة إلى أن شبكة بيرنهام الشمالية ليست مجرد توازن جغرافي في التعيينات، بل إنها جهاز سياسي متكامل انتقل معه إلى قلب الحكومة، ويتولى اليوم مفاصل التنسيق والانضباط الحزبي في ويستمنستر.

المفارقة أن قلق "التهميش" انتقل من الشمال إلى لندن هذه المرة، إذ سارع نواب عماليون في لندن إلى مطالبة بيرنهام بإعادة إحياء منصب الوزير المكلف بشؤون العاصمة، في انعكاس لمعادلة ظل فيها الشمال لعقود هو الطرف الذي يستجدي التمثيل والاهتمام.

 

هندسة الوزارات

على صعيد الحقائب، أقدم بيرنهام على أول عملية إعادة هيكلة كبرى لأجهزة الحكم، فألغى وزارة العلوم والابتكار والتكنولوجيا ودمج معظم صلاحياتها في وزارة الأعمال، وفاء بوعده بإدارة داعمة لقطاع الأعمال، ليقود جوناثان رينولدز الوزارة الجديدة المسماة وزارة الأعمال والابتكار والعلوم والتجارة. ونقلت أيضاً مسؤوليات أخرى من الوزارة الملغاة إلى وزارة الثقافة والإعلام والرياضة التي أعيدت تسميتها لتصبح وزارة الشؤون الرقمية والثقافة والإعلام والرياضة بقيادة ليزا ناندي. وجاءت هذه الخطوة على رغم اعتراضات قوية من رواد وقادة التكنولوجيا الذين حثوا الحكومة على الإبقاء على الوزارة، إذ حذرت هيئات القطاع من أن تفكيكها قد يبطئ زخم مشاريع كمعهد أمن الذكاء الاصطناعي وصندوقه السيادي.

وتجنباً للإخفاق في هذا المجال، برز الوجه الآخر للهيكلة الوزارية والمتمثل في استحداث غير المسبوق لمقعد وزاري للذكاء الاصطناعي، فأصبح كانيشكا نارايان أول وزير لهذه التكنولوجيا في بريطانيا يجلس إلى طاولة الحكومة. وعين نارايان وزيراً مبتدئاً لـ"AI" والسلامة الإلكترونية في سبتمبر (أيلول) عام 2025 خلال عهد ستارمر، وقال بعد تعيينه الجديد إن "الذكاء الاصطناعي ربما هو أهم تقنية في تاريخ البشرية وأثرها سيتجاوز كل ما عداها".

ولم تقتصر الترتيبات على المقعد الوزاري، إذ تولى مكتب مجلس الوزراء استراتيجية الذكاء الاصطناعي وتبنيها في القطاع العام، فيما يجري إنشاء مكتب جديد لرئيس الوزراء والحكومة سيدير فريق عمل مكلفاً الإشراف على الاستراتيجية الوطنية في المجال، في ما يعكس قناعة بأن هذه السياسات تنتمي إلى قلب الحكم لا إلى وزارة متخصصة معزولة، ولا سيما أن دولاً مثل فرنسا وكندا سبقت إلى مناصب مشابهة، وأن الخطوة إشارة واضحة إلى رغبة بيرنهام في موقع متقدم ضمن السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي.

 

التحديات الكبرى

في الوزارات السيادية، تتوزع التحديات على أربعة رجال ونساء يعرفون حجم الاختبار الذي ينتظرهم. ففي الخزانة، يجد جون هيلي نفسه على رأس الوزارة التي كانت سبباً في خروجه من الحكومة في يونيو (حزيران) الماضي، إذ جاءت استقالته المفاجئة من وزارة الدفاع بعد خلاف حول زيادة الإنفاق الدفاعي، وشكلت لحظة مفصلية في سقوط ستارمر. وأمامه الآن مهمة تمويل أجندة بيرنهام لمكافحة غلاء المعيشة، وقد بدأت الحكومة عهدها بقرار مكلف، إذ أعلن بيرنهام خفضاً ضريبياً على فواتير الكهرباء بقيمة 850 مليون جنيه استرليني وقال لوزرائه إنه سيقود حكومة معنية بكلفة المعيشة.

أما في الخارجية، فيتولى إد ميليباند إدارة الدبلوماسية البريطانية خلال لحظة دولية مضطربة، وقد أوضح مصدر مقرب من بيرنهام أن اختياره جاء بسبب خبرته على الساحة الدولية، بما فيها تفاوضه مع حكومات دول العالم خلال توليه حقيبة الطاقة، لكن انتقاله من ملف المناخ إلى إدارة العلاقات الخارجية مع الولايات المتحدة التي يقودها دونالد ترمب، وأزمات الشرق الأوسط وأوكرانيا سيضعه أمام اختبار مختلف تماماً.

في وزارة الداخلية، تواجه النائبة المسلمة شبانة محمود لغماً مبكراً داخل حزبها، إذ قد تتحول مطالبات نواب من حزب العمال في الصفوف الخلفية، بتخفيف قيود الهجرة الجديدة إلى نقطة صدام مبكرة بينها وبيرنهام، بعدما أثمرت جهود الحزب الحاكم في ملاحقة عصابات التهريب عن تقليص عمليات عبور القنال الإنجليزي.

وفي الدفاع، يحمل تعيين ويس ستريتينغ دلالة سياسية تتجاوز الحقيبة نفسها، إذ كان ستريتينغ يعتبر المنافس الرئيس المحتمل لبيرنهام قبل أن يستبعد نفسه من سباق الزعامة عقب فوز بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية، مما أثار تكهنات بأن رئيس الوزراء عرض عليه منصباً حكومياً لتجنب تحدٍّ على الزعامة. وسيتعين على وزير الصحة السابق أن يدير الملف الذي فجر الحكومة الماضية، أي التوفيق بين التزامات بريطانيا الدفاعية أمام حلفائها وضغوط الإنفاق الداخلية، خصوصاً أن بيرنهام تعهد خلال أول خطاب له باحترام الالتزامات الدفاعية مع الشركاء الدوليين.

 

مكافأة المعارضين

تصعب قراءة التشكيلة من دون ملاحظة نمط واضح في مكافأة من عارضوا ستارمر أو دفعوا أثماناً في عهده، فإضافة إلى هيلي الذي فجرت استقالته أزمة الحكم السابقة وعاد وزيراً للخزانة، عادت أنجيلا راينر لواجهة الحكم وزيرة للإسكان بعد استقالتها من المنصب نفسه ومن منصبي نائبة رئيس الوزراء ونائبة زعيم الحزب على خلفية أسئلة حول شؤونها الضريبية، قبل أن تبرئها سلطات الضرائب من أية مخالفة، وشوهدت تلتقي بيرنهام في مانشستر في وقت سابق من العام في إشارة إلى دعمها مسعاه نحو الزعامة.

كذلك عينت مياتا فانبوله التي استقالت من منصبها وزيرة للإسكان احتجاجاً على قيادة ستارمر مطلع العام، وزيرة للطاقة بعدما عملت مستشارة لبيرنهام في بلورة خططه، وتُعد من دائرته الضيقة. أما لويز هيغ، فباتت وزيرة لمكتب مجلس الوزراء وأول وزيرة دولة، مما يجعلها فعلياً الرقم الثاني في الحكومة.

وينتمي إلى هذا النمط أيضاً تعيين مثير للجدل، وهو ضم زعيم حزب العمال الاسكتلندي أنس سروار إلى الحكومة. فقد كان سروار من أوائل من طالبوا ستارمر بالتنحي في فبراير (شباط) الماضي، وسيمنح مقعداً في مجلس اللوردات ومنصباً وزارياً في وزارة الأعمال والابتكار والعلوم والتجارة المستحدثة بقيادة جوناثان رينولدز. وكان سروار أشاد بالرؤية "العمالية" الجريئة لرئيس الوزراء الجديد لدى دخوله "داونينغ ستريت"، وربما يريد بيرنهام بضمه أمرين معاً، مكافأة رجل عجّل برحيل ستارمر، والاستفادة من خبرته السياسية في وزارة اقتصادية موسعة تشكل قلب مشروعه الصناعي، وفي الوقت ذاته إبعاد شخصية مثيرة للانقسام من المشهد الاسكتلندي بعد هزيمة انتخابية قاسية.

خلاصة القول إن حكومة بيرنهام ليست مجرد تعديل وزاري، بل إعادة تعريف لمركز الثقل في السياسة البريطانية، جغرافياً نحو الشمال وهيكلياً نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المنتج وسياسياً نحو تحالف من المعارضين السابقين لستارمر. وقالت "داونينغ ستريت" إن أول اجتماع للحكومة عكس روح فريق موحد وطاقة جديدة وفرصة ثانية لانطباع أول، لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ حين تصطدم وعود خفض كلفة المعيشة بحسابات الخزانة، وحين يتضح ما إذا كان رحيل سروار بداية نهوض لـ"العمال" في اسكتلندا أو فصلاً جديداً من التراجع.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل