ملخص
تؤكد إليزابيث دينت، المسؤولة السابقة عن شؤون الخليج في "البنتاغون"، أن الضربات السعودية ضد الميليشيات الموالية لإيران في العراق رسمت خطاً أحمر أمام استهداف المنشآت النفطية، وقد تدفع بغداد إلى تسريع جهود نزع سلاح الجماعات الخارجة عن سلطة الدولة، خصوصاً مع موقف مقتدى الصدر المناهض للميليشيات، مرجحةً تعاوناً أوثق بين الجيشين العراقي والأميركي لتحديد مواقع الجماعات المسلحة.
تعرف إليزابيث دينت الشرق الأوسط من موقعين متداخلين، غرفة صنع السياسة في واشنطن وميدان تنفيذها في المنطقة. سياسياً، منحها العمل رئيسةً لشؤون الخليج والجزيرة العربية في "البنتاغون" ميزة الإشراف اليومي على العلاقات الدفاعية مع دول مجلس التعاون الخليجي واليمن. أما عملها الميداني في العراق وسوريا كمستشارة لوزارتي الدفاع والخارجية الأميركية فقد مكّنها من الاطلاع من كثب على سلوك الميليشيات المدعومة من إيران، والعلاقة المعقدة بين الحكومات والجماعات المسلحة.
بينما يتحول الانتباه إلى الوكيل الإيراني كطرف في الحرب وهدف لها، استضافت "اندبندنت عربية" دينت التي تعمل حالياً باحثة في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" ضمن حلقة جديدة من "حوارات أميركية"، لمناقشة خيارات الرئيس دونالد ترمب تجاه إيران، واحتمالات اتساع الضربات ضد الميليشيات المدعومة منها، ومستقبل الملاحة في المنطقة، والموقف الدولي من حرب بدأت في إيران وامتدت آثارها من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، مهددةً أهم ممرين لإمدادات الطاقة العالمية.
توسيع الحملة العسكرية
ترى المسؤولة السابقة في "البنتاغون" أن الولايات المتحدة تملك خيارات عدة لإلحاق ضرر أكبر بإيران، ولا تستبعد توسيع الحملة العسكرية أو حتى نشر قوات برية مما سيقود إلى تصعيد إيراني والتحول إلى صراع أوسع. ومع أن مؤشرات الحرب الإقليمية ظهرت فعلياً في أكثر من جبهة، تعتقد دينت أن الدول المعنية لا تزال تحاول إبقاء المواجهة عند مستواها الحالي، وإن لم يكن واضحاً مدى قدرتها على تحقيق ذلك. وأضافت أن الخيارات المتاحة تشمل إعادة بناء الردع، وتعزيز الدفاعات الجوية، وحماية القوات الأميركية وقوات الشركاء الإقليميين، إلى جانب مواصلة الضربات الدقيقة ضد الجماعات الموالية لطهران.
وشنت السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية "سينتكوم"، هذا الأسبوع ضربات نوعية على الميليشيات الموالية لإيران رداً على اعتداءاتها المتكررة على المنشآت النفطية السعودية، مؤكدةً أنها لا تسعى إلى التصعيد إلا أنها سترد على أي عدوان تتعرض له. وتقول دينت إن هذه الخطوة تشير إلى استعداد واشنطن وبعض شركائها الخليجيين لمواجهة شبكة الوكلاء الإيرانية، مؤكدةً أن الضربات "إنذار" للحكومة العراقية لوقف الهجمات العابرة للحدود التي تشنها الميليشيات المدعومة من إيران، والمسارعة بنزع سلاحها.
وأوضحت دينت أن الضربات السعودية "رسمت خطاً أحمر" هدفه إيقاف هجمات الميليشيات في العراق على المنشآت النفطية، وهو تطور زاد من أهمية تنفيذ الوعود التي قطعها رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال زيارته واشنطن، حيث تعهد أمام الرئيس ترمب احتكار السلاح بيد الدولة. ويبقى السؤال على حد قولها ما إذا كانت الحكومة العراقية قوية بما يكفي لإخضاع الميليشيات. وبينما تعتقد المسؤولة السابقة أن الزيدي جاد في شأن وعود نزع السلاح، فإنها تذكّر بأنه هدف فشل أسلافه في تحقيقه.
وترى دينت أن موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي دان ما وصفه بأفعال الميليشيات "الوقحة" الرامية إلى جر العراق إلى الحرب يزيد الضغط على الحكومة العراقية لنزع السلاح ويمنحها في الوقت نفسه فرصة ثمينة، كون الصدر لا يمثل صوتاً سياسياً وحسب، بل رجل دين تصغي إليه شريحة واسعة من العراقيين، مما يجعل معارضته لاستخدام البلاد منصة لمهاجمة الجيران مؤثرة. وأضافت، "خروجه علناً ضد الجماعات المسلحة قد يساعد الحكومة على حشد دعم شعبي لوضعها تحت مظلة الدولة". ورداً على ذلك، من المرجح أن تفعّل إيران شبكاتها ونفوذها داخل العراق لعكس ومقاومة موجة التأييد لنزع السلاح، على حد قولها.
وتؤكد المسؤولة السابقة في "البنتاغون" بأن الولايات المتحدة تتمتع بمعرفة استخبارية أفضل حول الميليشيات في العراق وأن انكشافها أكبر مقارنة بالميليشيات في اليمن أو الهياكل العسكرية في إيران نفسها، لكنها تقر بأن الجهود الأميركية خلال العامين الماضيين لم تكن مركّزة عليها لأن الميليشيات في العراق تجنبت شن الهجمات آنذاك، مشيرةً إلى أن القيادة المركزية الأميركية قادرة على استهدافها بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والعمل الوثيق مع الجيش العراقي نفسه. وأضافت، "لا أعلم ما إذا كان الجيشان العراقي والأميركي يعملان معاً حالياً على تحديد أهداف هذه الميليشيات، لكنني أرجح أن تكون هذه هي الخطوة المقبلة".
تحالف دولي
استخدمت إيران الحوثيين لتهديد الملاحة عبر باب المندب، بعد تعطيل حركة السفن في مضيق هرمز ضمن استراتيجية لتوظيف الممرات البحرية الحيوية أداةً للضغط. ودفع هذا النهج الرئيس ترمب إلى توجيه انتقادات علنية إلى أوروبا بسبب تقاعسها عن دعم المهمات الرامية إلى استعادة أمن الملامح. ومع تعرض مضيقين حيويين للتهديد، تقول دينت التي عملت سابقاً في تحالفات قتالية دولية أن الدول الأوروبية ينبغي أن تضطلع بدور أكبر ضمن إطار دولي يهدف إلى استعادة حرية الملاحة، سواء في باب المندب أو مضيق هرمز أو أي جزء من البحر الأحمر.
وأضافت أن "الدول الأوروبية، وكذلك كثير من الدول الآسيوية، تمتلك مصلحة مباشرة في ضمان مرور السفن من دون تعرضها للهجمات، ولذلك الجهد ينبغي أن يقتصر على أوروبا أو الغرب. يجب أن يكون التزاماً عالمياً حقيقياً، تشارك فيه الدول بصورة فعلية عبر تقديم السفن والمعلومات الاستخباراتية والأفراد، حتى يمكن استعادة القدرة على عبور هذه الممرات البحرية بأمان".
وبينما يستعد مسؤولون دفاعيون من أميركا وبريطانيا للاجتماع في لندن هذا الأسبوع لمناقشة مضيق هرمز وفقاً لموقع "أكسيوس"، قالت دينت إن المحاولات السابقة لبناء تحالفات بحرية لم تنجح في حشد دعم واسع النطاق، لكن مع تصاعد تهديد إيران ووكلائها لقطاع الشحن، تتوقع تغيراً تدرجياً في هذا الموقف وإمكان انضمام دول كثيرة لمبادرات لحماية السفن وتعزيز الردع، ومن الممكن بالتأكيد أن تفضي هذه الاجتماعات إلى تحرك عملي، لكن هذا الجهد يجب أن يكون أوسع من مجرد مبادرة غربية، إذ ينبغي للحكومة الأميركية، بالتعاون مع حكومات أخرى، أن تجمع وزراء ومسؤولين لبحث تشكيل تحالف لضمان حرية الملاحة.
وفي سياق متصل، أوردت "رويترز" أمس الأربعاء نقلاً عن مصدرين مطلعين أن السعودية تسعى إلى تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين، موضحين أن تشكيل التحالف لم يُحسم بعد، ولا يزال قيد المناقشة مع عشرات الدول.
وبينما يتساءل البعض عما قد يدفع الصين إلى الضغط على إيران لوقف تعطيل الملاحة العالمية، جاءت تقارير عن سعي الصين إلى توريد طهران بأنظمة صاروخية وهو ما نفته بكين، لتثير سؤالاً معاكساً حول ما إذا كانت القوة الآسيوية أكثر اهتماماً بمنع هزيمة إيران من كبح سلوكها. ترى المسؤولة السابقة أن الدعم الصيني تحركه أولاً حسابات اقتصادية إلى جانب الأبعاد السياسية، إذ لا تبدو الصين منزعجة من تورط الولايات المتحدة في حرب طويلة، خصوصاً أنها لم تتحمل حتى الآن كلفة كبيرة جراء اضطراب الملاحة، مرجحةً أن تراقب بكين استنزاف واشنطن قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط بقدر من الارتياح في وضع تصفه بأنه "منخفض الأخطار وعالي المكاسب".
مستقبل الحرب
دخل ترمب الحرب، بحسب دينت، بأهداف كبيرة شملت إسقاط النظام الإيراني وإنهاء البرنامج النووي وشل قدرات طهران الصاروخية، لكن مسار الحرب غيّر الأولويات، وجعل إعادة فتح مضيق هرمز في صدارة أهداف البيت الأبيض، وقالت، "أعتقد أن إدارة ترمب أرادت في البداية إسقاط النظام، لكن الحرب أصبحت بالنسبة إليها متمحورة حول إعادة فتح مضيق هرمز"، مرجحةً أن تغيير النظام لم يعد هدفاً لدى ترمب، فقد قال إنه غير النظام بالفعل بعد مقتل المرشد الإيراني، وبدلاً من ذلك فهو يسعى إلى تحسين موقعه قبل العودة إلى طاولة التفاوض للتوصل إلى اتفاق في شأن مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
وعن تنبؤاتها لمسار الحرب، تقول دينت إنها لا ترى نهاية قريبة للصراع، وعلى رغم أن إدارة ترمب تصر على أن الولايات المتحدة ليست في حال حرب وأن عملية "ملحمة الغضب" انتهت، فإن الوقائع تشير، في تقديرها، إلى عكس ذلك، مع انهيار مذكرة التفاهم وعودة الضربات والضربات المضادة بوتيرة منتظمة، مرجحة أن تتواصل المواجهة لبعض الوقت، مع سعي الطرفين إلى رفع كلفة الحرب على بعضهما البعض لتحسين موقعيهما عند العودة إلى طاولة التفاوض.