ملخص
يرى الباحث في "معهد الشرق الأوسط" بواشنطن أليكس فاتانكا أن مقتل علي خامنئي كشف أن السلطة في إيران تُدار عبر شبكات نفوذ معقدة في مقدمها الحرس الثوري، محذّراً من التركيز المفرط على الأفراد، واعتبر أن إيران تواجه ضغوطاً غير مسبوقة بسبب الحصار الأميركي على مضيق هرمز، في حين تبقى احتمالات التصعيد العسكري محدودة، مرجحاً تفضيل واشنطن لضربات محدودة بدلاً من حرب شاملة.
يبدو مصير التهدئة الحالية بين واشنطن وطهران معلقاً بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنه قرار لن يُتخذ بمنأى عن الموقف الإيراني فبناءً على سلوك طهران والتنازلات التي ستقدّمها، ربما يقرر ترمب مواصلة الحرب أو طي صفحتها نهائياً معلناً تحقق الأهداف الأميركية. ولتحديد ما ستقدمه إيران من تنازلات، فمن الضروري النظر إلى توازنات القوى المتباينة داخل النظام بعد تزايد تعقيداتها في أعقاب مقتل المرشد علي خامنئي الذي هيمن على الحكم طوال 36 عاماً، وتعيين نجله مجتبى خلفاً له وسط غموض حول سلطته الفعلية.
"اندبندنت عربية" استضافت أليكس فاتانكا الباحث في "معهد الشرق الأوسط" بواشنطن ومؤلف كتاب "معركة آيات الله في إيران" في حلقة جديدة من "حوارات أميركية"، لفهم هيكلة النظام الإيراني في ظل تواري مرشده الجديد وتزايد نفوذ "الحرس الثوري"، ومناقشة مآلات التهدئة الحالية بعد أسابيع على جمود المفاوضات بين واشنطن وطهران. وتطرقت المقابلة إلى احتمال عودة المواجهة المفتوحة، وتبعات الحصار الأميركي على مضيق هرمز على مستقبل النظام الإيراني، إضافة إلى الوساطة الباكستانية والموقف الصيني.
من يقود إيران اليوم؟
نشر فاتانكا كتابه "معركة آيات الله" في 2021 بهدف تفكيك عملية صنع القرار المعقدة في طهران بعد الثورة الإيرانية من خلال تتبع مسيرة خامنئي في ضوء صراعه مع أكبر هاشمي رفسنجاني، أحد زعماء التيار الإصلاحي. لكن بعد شهرين من الحرب الأخيرة التي قضت على أعمدة النظام وفي مقدمها خامنئي، تتجلى معركة نفوذ لا تقتصر على رجال الدين، بل تشمل الجنرالات والقيادات السياسية، ويبدو أن الطرف الأكثر قوة فيها هو "الحرس الثوري" في ظل تجنّب المرشد الجديد الظهور العلني منذ تعيينه في مارس (آذار) الماضي.
وفي حين أثار اختفاء مجتبى خامنئي التكهنات حول الحاكم الفعلي، طُرحت بعض الأسماء بوصفها الأكثر تأثيراً مثل قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، لكن فاتانكا يحذّر من "مغالطة الشخصيات"، والتي يعني بها التركيز المفرط على الأشخاص وإغفال أن النظام الإيراني يتحرك عبر شبكات مترابطة ومتباينة. ويقول، "إذا أردنا معرفة من يحكم إيران، فعلينا ألا نركّز كثيراً على الأفراد، خصوصاً بعد مقتل الشخصية الأبرز في النظام، بل الأهم هو النظر إلى تلك الشبكات ومصالحها، وفي مقدمها الحرس الثوري".
ويرى فاتانكا أن إيران اليوم لا تزال تُدار إلى حد كبير وفق النظام الذي شكّله خامنئي وأن الحرس الثوري هو الجهة الأكثر نفوذاً حالياً إلى جانب أجهزة أمنية أخرى بما في ذلك وزارة الاستخبارات، وشبكات اقتصادية نافذة، ولهذا السبب لم يؤدِّ مقتل خامنئي إلى نهاية النظام الإيراني مباشرة، وإنْ كان حدوث ذلك محتمل على المدى الطويل، لكنه يضيف بأن "القول إن إيران أصبحت فجأة دولة عسكرية مبالغة فالحرس كان نافذاً حتى قبل الحرب، لافتاً إلى أن أي تغيير في سلوك النظام لن يعتمد بالدرجة الأولى على هوية الشخصيات الحاكمة، بل ماهية السياسات التي ستضمن بقاء النظام.
ودفعت سطوة الحرس الثوري مراقبي الشأن الإيراني إلى اعتبار مجتبى مجرد واجهة رمزية لهيمنة الجنرالات، وفي حين يقرّ فاتانكا بالطابع الرمزي لصعود مجتبى، إلا أنه يقول إن والده عندما عُين مرشداً لم يملك نفوذاً واسعاً، واحتاج لسنوات قبل فرض سيطرته. وأضاف، "إذا استمر النظام، ومع نضوجه السياسي، فسيزداد تأثير مجتبى في إدارة شؤون الدولة، لكن هذا سيحدث تدرجاً كما حدث مع والده"، مشدداً على أن منصب المرشد الأعلى لا يمنح تلقائياً صلاحيات واسعة، بل إن "شخصية من يشغل هذا المنصب تلعب دوراً حاسماً" في تحديد حجم النفوذ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعما إذا كان مجتبى سيكون مرشداً أعلى بالاسم من دون أن يكون صاحب سلطة مطلقة، قال الباحث، "يمكن القول إنه مرشد أعلى شكلياً، لكن في الواقع يحتاج إلى دعم الحرس الثوري ومجموعات نفوذ أخرى. والده واجه المشكلة نفسها عام 1989 واحتاج إلى خمسة أو ستة أعوام قبل أن يشعر بالثقة والراحة ليمارس دوره السياسي ويبدأ بإحداث تغييرات. الأمر نفسه قد ينطبق على ابنه مجتبى، وربما بدرجة أكبر". وتابع، "كان الخميني قادراً على بدء حرب أو إنهائها، أما علي خامنئي لم يمتلك هذه القدرة بل اكتسبها مع مرور الوقت، حتى أصبح قادراً على قبول أو رفض التفاوض مع الولايات المتحدة، أما اليوم فمجتبى خامنئي لا يمتلك مثل هذه السلطة، ربما بعد 5 أو 10 أعوام. لذلك، من الخطأ التركيز على الشخصيات فقط، الأهم هو فهم شبكات النفوذ ومصالحها، وما الذي تسعى إليه في المستقبل".
وأضاف، "مجتبى لم يكن ضمن الأسماء المطروحة بقوة لتولي منصب المرشد الأعلى والسبب الوحيد الذي أوصله إلى السلطة هو اندلاع الحرب، والحاجة الملحّة إلى ضمان الاستمرارية بعد والده، حيث دعم الحرس الثوري ترشيحه ودفع به إلى هذا المنصب. لولا هذه الحرب في الأرجح لم يكن ليصبح المرشد الأعلى. بل إن والده، بحسب معظم التقديرات، لم يكن يرغب في أن يخلفه ابنه".
ويرى فاتانكا أن هناك مبالغة خصوصاً في الغرب في التركيز على الأفراد، فعلى الرغم من أن تتبع الشخصيات مهم، إلا أن الأهم بكثير هو الشبكات، مثل الحرس الثوري الذي يعد في جوهره شبكة مكونة من فصائل عدة ليست دائماً على توافق. أما على صعيد الانقسامات، فأضاف، "يُقال في الإعلام الغربي أن وحيدي القائد الحالي للحرس الثوري، يختلف مع قاليباف، رئيس البرلمان، وأن هناك صداماً بينهما حول كيفية التفاوض مع الأميركيين، لكن برأيي، كثير من هذا مجرد تكهنات إعلامية، إذ لا توجد أدلة قاطعة على وجود خلافات جوهرية. نعم، هناك اختلافات وكانت دائماً موجودة لكن لا توجد مؤشرات على انقسامات كبيرة حول القضايا الملحة مثل تجنب الحرب على المدى القصير.
هل يعود ترمب للحرب؟
يكبّد الحصار الأميركي على مضيق هرمز إيران خسائر تُقدَّر بنحو 400 مليون دولار يومياً بينما يؤكد ترمب الاستعداد لمواصلته لأشهر. يقرّ فاتانكا بتأثير هذا الحصار، مشيراً إلى أن نحو 90 في المئة من تجارة إيران تعتمد على الممرات البحرية، ويصف الوضع بأنه غير مسبوق، إذ "لم يختبر الإيرانيون هذا السيناريو من قبل حتى في الحرب مع صدام حسين"، ويشير إلى أن الحصار يختلف جوهرياً عن العقوبات، لأنه يشكل عائقاً مادياً مباشراً أمام التجارة، ويضع إيران في مواجهة مباشرة مع البحرية الأميركية، ما يجعل كسره أكثر تعقيداً. وفي هذا السياق، يتوقع أن تضطر طهران إلى البحث عن بدائل برية عبر آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا والعراق، وربما أفغانستان وباكستان. لكنه يربط فعالية هذا الضغط بعامل الزمن، معتبراً أن أسبوعاً أو أسبوعين لن يكونا كافيين لدفع الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار.
واستبعد فاتانكا عودة المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، مرجحاً أنه في حال استئناف العمليات العسكرية فستكون محدودة. وأشار إلى أن إدارة ترمب قد تسعى إلى إنهاء الحرب عبر ضربة عسكرية كبيرة من حيث التأثير لكنها محدودة من حيث النطاق، تتيح إعلان القضاء على البرنامج النووي الإيراني بشكل نهائي، لافتاً إلى أن وقف الحرب سيعتمد على سلوك إيران، ورضا ترمب عليها. أما في ما يتعلق باحتمال السيطرة على جزء من مضيق هرمز، فرجّح أن تتجنب واشنطن هذا الخيار، مؤكداً أن إدخال قوات برية يحمل خطر الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب وتوسّع في المهمة العسكرية. وفي هذا السياق، أشار إلى أن الولايات المتحدة امتنعت عن السيطرة على جزيرة خرج رغم التلويح بذلك لأسابيع، في محاولة لتفادي الانخراط في صراع أطول مما تخطط له.
وعن الوساطة الباكستانية باعتبارها القناة الوحيدة لمنع التصعيد، قال فاتانكا إن باكستان لديها علاقات ودية مع إيران لكنها ليست خالية من التوتر، وقد بلغ ذروته في اشتباك عسكري محدود لساعات في مطلع عام 2025، وأشار إلى أن هناك عدة عوامل خلقت الفرصة أمام باكستان للعب دور الوسيط، ومنها العلاقة المميزة بين ترمب و القيادة الباكستانية الحالية، إضافة إلى غياب البدائل، فدول مثل عمان وقطر التي لعبت سابقاً أدوار وساطة، لم تعد قادرة على القيام بذلك بعد استهداف طهران لها، وهنا وجدت باكستان نفسها في موقع فريد رغم أنها لا تملك نفوذاً كبير على إيران، نظراً لمحدودية التبادل التجاري بينهما. ولفت فاتانكا إلى دور الصين، معتبراً أن علاقتها الوثيقة مع باكستان قد تكون دفعتها إلى تشجيع طهران على قبول إسلام آباد وسيطاً. ورجّح أن تكون بكين قد نقلت رسالة مباشرة للإيرانيين مفادها أنه إذا كان ترمب مستعداً لقبول الدور الباكستاني، فمن المنطقي أن تقبل به إيران أيضاً، وفي تقديره فإن الصورة الكاملة لهذا الدور لم تتضح بعد، لكن المؤكد أن باكستان لم تلعب دوراً دبلوماسياً بهذا الحجم منذ عقود، وهو ما يعكس لحظة فارقة عززت موقعها على الساحة الدولية.