ملخص
اندبندنت عربية" أجرت حواراً مع عالم السياسة الأميركي غريغوري غاوس، وكان التركيز على هواجس التقسيم التي تراجع معها استشعار الخطر الإيراني إلى مرتبة أقل مقابل تصاعد القلق من سياسات إسرائيلية تستهدف الفوضى لا البناء وفق غاوس، بالتزامن مع مواقف سعودية ومصرية رافضة لمشاريع التفكيك في اليمن والسودان.
يدرك الدراسون الغربيّون لسياسات الخليج أهمية أستاذ الشؤون الدولية في "كلية بوش"، غريغوري غاوس، كأحد أبرز علماء السياسة المتخصصين بدراسة هذه المنطقة المحورية لاقتصاد العالم. درس غاوس اللغة العربية في القاهرة إبان الثمانينيات، وعلى خلاف كثير من الأميركيين ممن اتجهوا للتركيز على شمال أفريقيا أو الشام، ركّز غاوس في دراساته على السعودية والخليج. أبحاثه يُستند إليها على نطاق واسع في الجامعات، ونقده للدراسات الغربية بعد "الربيع العربي" كشف عن استعداده لتحدي الافتراضات غير المفحوصة.
ينطلق العالم الأميركي في مقاربته للسياسة الخارجية السعودية بأنها تفضّل الاستقرار على أهداف مبالغ بها تؤدي إلى إرباك موازين الإقليم. تتطلب هذه المقاربة توافقاً على احترام سيادة الدول كمبدأ أساس في العلاقات الدولية. لكن نظرة خاطفة على منصات التواصل الاجتماعي تكشف قلقاً سعودياً وعربياً متزايداً بشأن تشجيع الجماعات غير الحكومية على فرض سياسة الأمر الواقع. ونظرة سريعة على التحركات الدبلوماسية، تكشف أيضاً عن مساعٍ سعودية بالتعاون مع مصر، والدول المتأثرة، لإجهاض مطامع التقسيم.
"اندبندنت عربية" أجرت حواراً مع السيد غاوس المعروف بمقارباته الواقعية والمباشرة، وكان التركيز على هواجس التقسيم التي لم تعد محصورة بلون أو لهجة، والتي تراجع معها استشعار الخطر الإيراني إلى مرتبة أقل مقابل تصاعد القلق من سياسات إسرائيلية تستهدف إضعاف مشروع إعادة بناء الدولة في سوريا، وتقويض وحدة الصومال. وجاء ذلك بالتزامن مع مواقف السعودية ومصر الحاسمة والرافضة لمشاريع التقسيم في اليمن والسودان، حيث اعتبرتا تفتيت الدولتين تهديداً مباشراً لأمنهما القومي.
إسرائيل "عامل فوضى"
لعقود كان التركيز الإسرائيلي على بلاد الشام، لكن أدبيات ما يُعرف بـ"إسرائيل الكبرى" عمّقت اليوم المخاوف من رغبة إسرائيلية لتوسيع تأثيرها في مناطق أبعد. يقول غاوس، إن "الإسرائيليين سبقوا التدخلات الأميركية في الشرق الأوسط بعد أحداث 11 سبتمبر، ففي الثمانينيات، ظنوا أنهم قادرين على إعادة تشكيل السياسات اللبنانية عبر حلفائهم المحليين، وتحديداً حزب الكتائب الذي خرجت منه لاحقاً "القوات اللبنانية بقيادة بشير الجميل، لكن فشلوا، وكان فشلهم مكلفاً من حيث الكلفة المالية والبشرية والمعنوية".
دفعت هذه التجربة إسرائيل إلى الابتعاد لفترة مؤقتة عن التدخل المباشر في السياسات الداخلية في لبنان وسوريا، بينما وجهت تركيزها على فلسطين، لكن غاوس يلاحظ اليوم أن الإسرائيليين لا يسعون إلى إعادة تشكيل السياستين السورية أو اللبنانية، بقدر ما يسعون إلى منع حدوث ذلك.
ولذلك يعتبر العالم الأميركي أن سلوك إسرائيل يدل على أنها "عامل فوضى، لا داعما لبناء الدول"، مستطرداً، "الإسرائيليون مرتاحون لفكرة أن تبقى سوريا دولة ضعيفة ومجزأة، تفتقر إلى حكومة مركزية قوية، وهو ما يتعارض تماما، برأيي، مع مصالح دول الخليج، ومع المصالح المعلنة للولايات المتحدة في المرحلة الراهنة. وهذا تحول لافت ومثير للاهتمام في السياسة الإسرائيلية".
تعيش إسرائيل، وفق غاوس، حالاً من "الغرور" بعد إعادة توزيع موازين القوى في الإقليم في أعقاب حرب غزة، بوصفها منطلق الحملة الواسعة ضد المحور الإيراني، التي لم تقتصر على الضربات المدمرة لـ"حماس" و"حزب الله" فقط، بل شملت ضرب إيران مباشرة. وقال، "الغرور الإسرائيلي تجسد في قصف قطر وهي حليف أميركي ومقر أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، لكن ترمب أوقفهم عند حدهم في تلك اللحظة، حين وبخهم علناً وبطريقة مهينة، وأجبر بنيامين نتنياهو على الاعتذار علناً لأمير قطر على شاشة التلفزيون".
هذا الواقع الجديد كافٍ، وفق الأكاديمي الأميركي، لتفهم أسباب شعور كثيرين في الخليج اليوم "بأن القلق من إيران تراجع نسبيا، بعد الضربات التي تلقتها، مقابل قلق أكبر من كيفية استخدام إسرائيل، بوصفها قوة عسكرية طموحة، لهذه القوة، ربما ليس ضد دول الخليج نفسها، بعد الخط الأحمر الذي رسمه ترمب، لكن في سوريا ولبنان، حيث تبدو إسرائيل عامل فوضى، لا داعما لبناء الدول".
تشجيع إسرائيل للتفكيك ليس جديدا
عن مخاوف التقسيم، يقول غاوس "لا أعتقد بأن للإسرائيليين تأثيراً كبيراً في السودان أو الصومال، بقدر تأثيرهم فيما يحدث في لبنان وسوريا، وبالطبع فلسطين، لكنه يقر بأن "المقاربة الإسرائيلية، من دون مبالغة في تقدير حجم تأثيرها، تميل إلى تشجيع التفكيك".
والتفكيك ليس طارئاً، إذ يمثّل كما يقول غاوس "القضية المركزية في المشرق العربي منذ مطلع هذا القرن، بعدما غزت الولايات المتحدة العراق ودمرته. ثم جاء "الربيع العربي"، وشهدنا انهيار الحكم في ليبيا واليمن وسوريا. ويجب أن نضيف إلى ذلك لبنان الذي كان دائماً دولة ضعيفة نسبياً، ولم يستعِد أبداً قدرته المؤسسية ودور الدولة الإداري منذ الحرب الأهلية في سبعينيات القرن الماضي".
كمتخصص في الخليج يرى غاوس أن "التهديد الأول اليوم للمنظومة الخليجية هو الخلافات الداخلية، تحديداً بين الإمارات والسعودية في شأن اليمن، حيث استقراره مهم لجميع دول مجلس التعاون لمحاذاته السعودية وعمان، وأية تطورات فيه سترتد على الضفة العربية من الخليج، سواء عبر ما شهدناه من قدرات الحوثيين الصاروخية واستهدافهم أبو ظبي، أو من خلال الأزمة الإنسانية التي قد تؤدي إلى تدفق لاجئين يمنيين". وقال، "بلورة موقف خليجي موحد تجاه اليمن تمثل المهمة الأكثر إلحاحاً أمام دول المجلس، وبعد ذلك تأتي قضايا أخرى لا تقل أهمية مثل استقرار سوريا والأزمة السودانية. لكن جوهر التحدي، في رأيي، يكمن في تباين وجهات النظر داخل دول الخليج نفسها، مما يشكل المسألة الأبرز التي ينبغي على مجلس التعاون التعامل معها في المرحلة الراهنة".
وحذر غاوس في هذا السياق من التفكيك والجماعات غير الحكومية، مشيراً إلى أنها المدخل التقليدي لإيران لتوسيع نفوذها في المنطقة العربية، وقال، "لا أحد، في تقديري، يخشى جيشاً إيرانياً يعبر الحدود ويسيطر على الدول، كما فعل صدام حسين حين اجتاح الكويت عام 1990. الطريقة التي توسع بها إيران نفوذها تتم باستغلال انهيار الحكومات وصعود جماعات غير حكومية، وعندها تجد طهران مدخلاً إلى الدول العربية".
التحركات السعودية لمنع التقسيم
كثّفت الدبلوماسية السعودية تحركاتها ضد مطامع إعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر مشاريع التقسيم في سوريا واليمن والسودان والصومال. بعد زيارته مصر، أجرى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان زيارة إلى الولايات المتحدة، بينما كان نائبه وليد الخريجي يلتقي رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، وذلك بالتزامن مع حراك سعودي مكثف للحفاظ على وحدة اليمن.
وفق غاوس، تقوم مقاربة السعودية في وجه السلوك الإسرائيلي المزعزع لاستقرار المنطقة على أن "الاستقرار الإقليمي شرط أساس لنجاح تحولها الاقتصادي في إطار "رؤية 2030"، فهي تطمح لتكون عقدة مركزية في الاقتصاد العالمي المعولم، ولتحقيق ذلك، تحتاج إلى بيئة مستقرة، إن لم يكُن سلاماً مثالياً، فعلى الأقل استقراراً إقليمياً"، ومن هذا المنطلق، جاء التقارب السعودي – الإيراني، رغم أن الرياض لا تزال ترى إيران طرفاً إشكالياً".
وأضاف العالم الأميركي الذي يزور الرياض باستمرار بأن "جوهر المقاربة السعودية تجاه إسرائيل يقوم أيضاً على ترسيخ فهم واقعي لدى الإسرائيليين لدور السعودية في المنطقة، فمنذ بداية حرب غزة، كانت الرياض واضحة تماماً في موقفها بأنه لا يمكن تطبيع العلاقات مع إسرائيل من دون مسار واضح ومحدد يقود إلى قيام دولة فلسطينية، هذا هو الموقف المعلن، وهذا هو أيضاً الموقف الحقيقي".
وقال، "أعتقد بأن الرياض تتوجه اليوم إلى إدارة ترمب بالقول: "عليكم أن تتحدثوا مع الإسرائيليين لأنكم الجهة الوحيدة القادرة على كبحهم، فسلوك إسرائيل الحالي في المنطقة يعوّق التعاون الاقتصادي"، موضحاً بأن "السعودية بوسعها توظيف علاقاتها القوية مع إدارة ترمب لإيصال رؤيتها بوضوح حول أن الدور الإسرائيلي الحالي يعمل ضد الاستقرار الإقليمي، وهو شرط أساس لنجاح العلاقات التجارية والاقتصادية".
وتابع، "كل ما يميز إدارة ترمب، في رأيي، يتمحور حول التجارة والأعمال والاقتصاد. هذا هو هدفها الأول. رأينا ذلك في التصريحات العلنية التي بررت التدخل في فنزويلا، ورأيناه خلال زيارة ترمب إلى الخليج العام الماضي، ورأيناه أيضاً خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في نوفمبر من العام نفسه. الذكاء الاصطناعي والاستثمار كانا على رأس جدول الأعمال".
أميركا ومشاريع نشر الديمقراطية
شهد الدور الأميركي في الشرق الأوسط تحولات مهمة خلال العقد ونصف العقد الماضي، بدءاً من "التحول نحو آسيا" في عهد باراك أوباما، مروراً بما اعتبر انسحاباً من المنطقة خلال عهد جو بايدن، وصولاً إلى تبني الرئيس ترمب دبلوماسية قائمة على الصفقات.
لكن غاوس يعتبر أن الشعور بانسحاب أميركي مدفوع باهتزاز موثوقيتها لدى شركائها في المنطقة، وقال "أتفهم شعور كثرٍ في المنطقة بالتساؤل، هل الولايات المتحدة شريك موثوق؟ وما الذي تسعى إليه بالضبط؟ إلا أنني أرى أن من الخطأ المبالغة في فكرة أن الولايات المتحدة تعيد توجيه اهتمامها بعيداً من المنطقة. وأفهم مصدر هذا الانطباع نظراً إلى أن آخر ثلاث رؤساء من بينهم ترمب خاضوا حملاتهم الانتخابية على أساس أن الولايات المتحدة تبالغ في إنفاق الوقت والجهد والموارد على قضايا الشرق الأوسط، وأن عليها التركيز على مناطق أخرى".
الواقع، وفق الأكاديمي الأميركي، يؤكد أن هذه الإدارات ظلت منخرطة مباشرة في الشرق الأوسط، وفي بعض الحالات عسكرياً. وأحدث مثال مشاركة إدارة ترمب في الحرب الإسرائيلية ضد إيران. وأضاف، "إذا نظرنا إلى حرب غزة، لم تكُن الصين ولا روسيا، بل كانت الولايات المتحدة التي قامت بدور الوسيط، بدرجات متفاوتة بالطبع، وبانحياز أوضح إلى إسرائيل في كل من إدارة بايدن وإدارة ترمب الثانية. لكن في نهاية المطاف، كانت الولايات المتحدة، وليس قوى كبرى أخرى ولا أوروبا، التي قادت الجهد الدبلوماسي المتعلق بحرب غزة.
لكن الاختلاف البارز بين سياسات أوباما وبايدن وترمب وسياسة بوش، هي أن مشروع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط تراجع إلى مراتب متأخرة جداً ضمن قائمة الأهداف الأميركية. فعلى رغم أن أوباما تحدث كثيراً عن الديمقراطية، خصوصاً خلال "الربيع العربي"، فإن الولايات المتحدة لم تبذل جهداً حقيقياً لدفع هذا المسار، وكذلك الأمر بالنسبة لبايدن.
وأضاف الأكاديمي الأميركي في "كلية بوش" أن "حملة نشر الديمقراطية في ذلك الوقت كانت تنطوي على قدر من الجدية، ولم تكُن مجرد بروباغندا، فإدارة بوش كانت ترى فعلاً أن نشر الديمقراطية في المنطقة هدف بحد ذاته، حتى إن لم يكُن هذا الدافع الوحيد وراء حربي العراق وأفغانستان، لكنه كان حاضراً، برأيي، في ذهن الرئيس بوش وبعض أعضاء إدارته".
أما الرئيس ترمب الذي قال من الرياض العام الماضي إن أميركا ستتوقف عن "محاضرة" الآخرين حول طرق العيش والحكم، فكان أكثر صراحة من أوباما وبايدن، وفق غاوس، عبر انفتاحه على تبني نهج قائم على الصفقات. وقال، "نرى ذلك بوضوح في فنزويلا، حيث لا يوجد أي ذكر للديمقراطية في سياق التدخل العسكري الأميركي الذي أطاح بالرئيس مادورو، ورغم أن ترمب أدخل تغييراً في الخطاب، لكنه ليس تغييراً جذرياً، لأنني لا أعتقد بأن إدارتي أوباما أو بايدن كانتا في الأساس معنيتين بصورة جدية بتعزيز الديمقراطية في المنطقة".
بين مادورو وخامنئي
بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لمح بعض المقربين من ترمب مثل السيناتور ليندسي غراهام بأن إيران هي التالية.
يقول غاوس إن تغيير النظام "حلم أميركي" منذ أكثر من أربعة عقود، لكن الأمر أكثر تعقيداً من فنزويلا، لأسباب، أولها أن اعتقال مادورو على الأرجح لم يكُن ليحدث من دون اختراق عميق داخل النخبة الفنزويلية نفسها، وقال، "يبدو لي أن ما قامت به إدارة ترمب لا يمكن تفسيره إلا على أساس وجود صفقة ما خلف الكواليس بانتقال السلطة إلى نائب الرئيس، وهذا يوحي بأن بعض النخب داخل النظام كانت مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة".
ويضيف، "لكنني لا أعتقد بأن الولايات المتحدة تمتلك القدرة نفسها على اختراق النخبة الإيرانية. تغيير النظام كان حلم السياسة الأميركية تجاه إيران طوال 45 عاماً، فقط في فترات نادرة، خلال عهد أوباما، أبدت واشنطن استعداداً حقيقياً للتعامل مع النظام الإيراني عبر القنوات الدبلوماسية، وأثناء إدارة ترمب الأولى، كانت سياسة الضغوط القصوى، بحسب قراءتي، تستهدف في جوهرها تغيير النظام عبر الأدوات الاقتصادية، لكنها فشلت، كما فشلت تقريباً كل محاولات تغيير النظام في إيران. لذلك، إذا كانت إدارة ترمب تعتقد اليوم بأنها قادرة على تحقيق تغيير للنظام في إيران، فهي برأيي تسيء بصورة كبيرة تقدير قدرتها على التأثير في موازين القوة في الشرق الأوسط".
لكن هذا لا يعني أن إيران لا تشعر بالتهديد بعد سقوط نظام الأسد، وتدهور شبكة وكلائها، إلا أن غاوس، يرى أن النخب الإيرانية اليوم أكثر قلقاً مما يجري في الداخل مما يجري خارجياً. وبحكم نزعتها الارتيابية، فمن المؤكد أنها ترى يداً خارجية وراء الاضطرابات الداخلية التي تشهدها البلاد حالياً، لكن النظرة الموضوعية إلى البيئة الإقليمية المحيطة بها، تكشف تهديدات أقل على حد رأيه.
وقال، "في الانتخابات التشريعية العراقية في نوفمبر 2025، حققت القوى الموالية لإيران نتائج جيدة جداً، العراق، هو الجار الأكثر أهمية لإيران فقد خاضت معه حرباً استمرت ثمانية أعوام. ولا أعتقد بأن من المنطقي أن تنظر طهران إلى العراق اليوم على أنه تهديد أو خصم، نظراً إلى نفوذها الواسع هناك. أما أفغانستان، فصحيح أن إيران لا تحب "طالبان"، لكن الحركة تبدو منشغلة أكثر بحدودها الشرقية مع باكستان، ولا تتصرف بطريقة عدوانية تجاه إيران أو تسعى إلى تحديها إقليمياً. وبالطبع، هناك تقارب سعودي – إيراني لبناء علاقات طبيعية ومستقرة.
وتابع، "من هذا المنطلق، لا أرى أن الوضع الإقليمي المباشر لإيران يشكل تهديداً وجودياً لها. وبطبيعة الحال، إيران قلقة من إسرائيل وقلقة من الولايات المتحدة. وكلما أطلق دونالد ترمب تصريحات من نوع "أميركا متأهبة" إذا قامت إيران بخطوة ما، سواء في الداخل أو الخارج، فإن ذلك يثير المخاوف بلا شك.لكن ما أثبتته إسرائيل حتى الآن هو قدرتها على تنفيذ عمليات داخل إيران لاغتيال أشخاص، لا على دعم معارضة منظمة قادرة على تغيير النظام. أما الولايات المتحدة، فأظهرت قدرة أقل حتى من ذلك على اختراق السياسة الداخلية الإيرانية أو التأثير فيها بصورة حاسمة".
الخليج بين الصين وأميركا
يتنبأ منظر الواقعية الهجومية جون ميرشايمر بحرب لا مفر منها بين الولايات المتحدة والصين، مما يشكل تحدياً أمام دول الخليج الساعية إلى علاقات جيدة مع الدولتين، لكن غاوس يرى أنه إذا نظرنا إلى المصالح الأساسية لكل من الصين وأميركا في الشرق الأوسط، فسنجد أنها ليست مختلفة جداً.
وقال العالم الأميركي، "أدرك طبيعة التنافس في شرق آسيا، حيث تطوق الولايات المتحدة القوة الصينية عبر حلفائها مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفيليبين، وإلى حد ما فيتنام وتايلاند، لكن إدارة ترمب، سعت إلى تخفيف حدة الخطاب حول حتمية المواجهة مع الصين لأنها تعطي الأولوية للمصالح الاقتصادية والتجارية ، ولأن الوضع ليس شبيهاً بالحرب الباردة، فالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لم تكُن بينهما تقريباً أية علاقات اقتصادية، بينما الصين والولايات المتحدة اليوم من أكبر الشركاء التجاريين لبعضهما بعضاً".
وتابع، "أتفهم لماذا يقول البروفيسور ميرشايمر إن صعود قوة عظمى في مواجهة قوة عظمى راكدة يشكل وصفة للحرب. لكنني أعتقد بأن المصالح الاقتصادية قد تضع، في الأقل، نوعاً من الكوابح أمام الانزلاق إلى صراع مباشر". أما عن تأثير كل ذلك في الشرق الأوسط، فأضاف بأن "الصين لا تزال فاعلاً اقتصادياً أكثر منها فاعلاً سياسياً أو أمنياً في المنطقة، ورأينا ذلك بوضوح خلال حرب غزة. فلو كانت إيران تعتقد بأن الصين ستكون حليفها من القوى الكبرى في مواجهة العداء الإسرائيلي والأميركي، فقد اتضح عكس ذلك. الصين لم تكُن حاضرة عندما تعرضت إيران للهجوم، ولا تزال تضطلع بدور اقتصادي بالدرجة الأولى، وليس دوراً جيوسياسياً مباشراً في الشرق الأوسط، ربما يتغير ذلك مستقبلاً، لكن هذه هي الحقيقة في الوقت الراهن.