Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كريستوفر هيل: علاوي حذر مبارك من المالكي فقال له عد إلى بغداد

السفير الأميركي لدى العراق بين عامي 2009 و2010 لـ"اندبندنت عربية": طالبنا المالكي بوقف استهداف السنة وأدركت نفوذ الحرس الثوري عبر قنبلة كادت تقتلني

ملخص

يروي السفير الأميركي السابق في العراق كريستوفر هيل كواليس مرحلة أوباما ونودي المالكي، مؤكداً أن الانسحاب الأميركي نتيجة لإصرار من أوباما على رغم تحفظات الجيش، وأن واشنطن لم تكن راضية عن المالكي لكنها لم تجد بديلاً  وبحسب روايته، فإن تنامي النفوذ الإيراني لم يكن نتيجة تغاض أميركي مباشر بقدر ما كان، في رأيه، حصيلة الغزو وسقوط صدام وضعف الدولة العراقية، ويقر هيل بخطورة تدخل الحرس الثوري والميليشيات المدعومة من طهران، مستشهداً بمحاولة اغتياله في الناصرية.

قصة باراك أوباما والعراق لا تخلو من صفقات وأسرار تثير الأسئلة، منها هل تغاضى الرئيس الأميركي عن تنامي النفوذ الإيراني وسمح بدخول الحرس الثوري إلى العراق بلا رقيب، ولماذا لم تقف واشنطن في وجه نوري المالكي الذي يصفه معارضوه بأنه "رجل إيران المخلص".

التساؤلات كثيرة وقلة من أعضاء الإدارة الأميركية تسترجع التاريخ بشفافية، لكن السفير السابق إلى العراق كريستوفر هيل وافق على التحدث لـ"اندبندنت عربية"، مستعرضاً كواليس الصراعات السياسية العراقية والموقف الأميركي.

بوصفه سفير أميركا لدى بغداد بين عامي 2009 و2010، شهد السيد هيل أربع زيارات لنائب الرئيس جو بايدن إلى العراق، وكُلف بالمساعدة في تشكيل حكومة ائتلافية توحد فرقاء البلاد، لكنه سرعان ما غادر منصبه، واصفاً تلك المهمة بأكبر تحدٍ دبلوماسي واجهه طوال مسيرته السياسية.

تطرق هيل إلى أسباب إخفاق واشنطن في تمكين قيادات عراقية غير موالية لإيران، والاتهامات لها بتعمد إفشال المناوئين لطهران، ورد على أسئلة حول فشل أوباما في مواجهة النفوذ الإيراني وتخفيف النزعات الطائفية التي طغت على السياسة العراقية، وتفاوتت الإجابات بين التحفظ والشفافية، لكن القاسم المشترك بينها أن إدارة أوباما اعتبرت النفوذ الإيراني نتيجة حتمية للغزو وسقوط صدام.

أوباما تجاهل تحذيرات الجيش من الانسحاب

كشف السفير السابق عن أن الجيش الأميركي أبدى معارضته الشديدة للانسحاب من العراق، إلا أن الرئيس أوباما كان مصراً على هذه الخطوة. بغضون ذلك، وصل هيل إلى بغداد كممثل سياسي لقيادة بلاده ونحو 144 ألف جندي أميركي في العراق آنذاك. وفق هيل، كانت نية أوباما بالانسحاب مُبيتة، فعلى رغم التحذيرات من احتمال توسع النفوذ الإيراني، كان الرئيس يعول على الانسحاب لبناء علاقة طبيعية بين حكومتين مدنيتين.

وقال "مجيء القوات الأميركية لغرض الغزو هو الذي سبب مشكلات كثيرة مع العراقيين الرافضين للتوقيع على أي اتفاقات متعلقة بوضع القوات، ولذلك رأى الرئيس أوباما أن سحب جميع الجنود يعد النهج الأمثل، وإذا احتجنا لاحقاً إلى إعادتهم، يمكن تحقيق ذلك بدعوة من الحكومة العراقية"، معتبراً أن الانسحاب كان صائباً. وأشار إلى الانتقادات الموجهة له في واشنطن قائلاً، إن "الصراعات التي خضناها كانت أكثر مع الأميركيين أنفسهم منها مع العراقيين".

 

وأضاف هيل أن أوباما وبايدن كلفاه بمهمة تقليص الوجود العسكري، وحرص نائب الرئيس على زيارة العراق أربع مرات لتحقيق هذا الهدف، لكن ما اكتشفه هيل هو صعوبة التفاهم مع العراقيين، وتحديداً رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، الذي كان يملك "قناعات متزمتة وعلاقات متوترة بالدول العربية السنية"، على حد وصفه. وقال "إذا أمضيت 10 دقائق في العراق فلن تندم على إزاحة صدام حسين، لكننا أدركنا متأخراً أن إسقاطه سيعني قيام حكومة بقيادة شيعية يُنظر إليها بعين الريبة والشك من العالم العربي السني".

يربط كثر في الخليج والولايات المتحدة تزايد النفوذ الإيراني في العراق بصعود المالكي والانسحاب الأميركي، لكن السيد هيل يرسم صورة مختلفة، في أحيان تبدو متعاطفة أكثر من كونها ناقدة، فبينما تجاهل صلات المالكي مع إيران، قال إن "النفوذ الإيراني في العراق كان أمراً لا مفر منه، لأن العراق كان معزولاً من الدول العربية السنية ولم تكن العلاقات ودية مع دول مجلس التعاون الخليجي، لذلك حاولت إيران اللعب في هذا الميدان عبر تدخلات خبيثة باستخدام الفصائل المسلحة".

 

وأضاف هيل "أي شخص غير صدام لكان أفضل منه، فقد كان آلة قتل أخرت العراق عقوداً عديدة. ربما لم يمتلك أسلحة نووية كما أدركنا لاحقاً، لكنه كان يحمل عدائية واضحة تجاه الجميع، وكان لا بد من رحيله. التحدي لم يكن سقوطه بل تأسيس نظام عراقي يتعاون مع جيرانه ويعزز الاستقرار الداخلي، وقد أدوا عملاً لا بأس به، لأن بحسب آخر ما شهدته عندما وصلت إلى هناك، لم تتغير الحدود الخارجية".

"أدركت النفوذ الإيراني عبر قنبلة كادت تقلتني"

لكن الحلقة المفقودة في إجابات السفير الأميركي السابق تتمثل في تحديد من يتحمل مسؤولية تمدد النفوذ الإيراني في العراق؟ هيل يبرئ إدارة أوباما، ولا يضع القدر الأكبر من اللوم على المالكي، بل يعود مراراً إلى فكرة أن هذا التمدد كان نتيجة حتمية للغزو وسقوط صدام.

عما إذا كانت إدارة أوباما تعمدت غض الطرف عن دخول عناصر الحرس الثوري الإيراني إلى العراق، قال إن "تدخل الحرس الثوري كان من العوامل المزعزعة للاستقرار، لكن لم تكن له أي علاقة بأوباما، بل ارتبط بحقيقة أن الحكومة العراقية كانت عاجزة عن توحيد البلاد، فالسنة كانوا ينظرون إلى المالكي بعين الريبة والازدراء، فيما لم تكن علاقته بالأكراد أفضل بكثير".

 

ويقر هيل بأن تأثير الحرس الثوري تجسد في تعرضه لمحاولة اغتيال أثناء زيارة إلى الناصرية جنوب وسط العراق، حين استهدفت قنبلة موكبه قرب كومة نفايات على جانب الطريق، لم تصب سيارته مباشرة، لكنها انفجرت بين سيارتين في الموكب. ويقول إن جماعة شيعية مدعومة من إيران كانت مسؤولة عن الهجوم، مضيفاً أن لديه "سبباً شخصياً" لاستيائه العميق من التدخلات الإيرانية "الخبيثة" في العراق.

ويعود إلى فكرته الأولى قائلاً إن التدخل كان حتمياً ولا مفر منه بعد إسقاط صدام. وعندما سألته عن مدى وضوح نشاط الحرس الثوري له أثناء وجوده في بغداد، أجاب "لم يكن واضحاً جداً بالنسبة إليَّ إلا حين حاولوا قتلى في الناصرية، وتلك حادثة لا تُنسى".

المالكي أداة إيرانية أم أميركية؟

ترافق صعود المالكي مع قبول أميركي وإيراني له، وعلى رغم الاتهامات له بالولاء لإيران فإن هيل يرفض تصويره كأداة إيرانية رغم امتلاكه معارف وحلفاء مؤيدين لإيران وفي الوقت نفسه يقول إنه لم يكن حليفاً حقيقياً لأميركا. وأوضح أنهم كأميركيين لا يختارون دائماً الشخصيات التي يتعاملون معها، بل يجدون أنفسهم مضطرين إلى التعامل مع من تفرزهم السياسة المحلية، فحين وصل إلى بغداد، كان المالكي رئيساً للوزراء وبقي كذلك حين غادرها.

سبب الريبة الغربية منه، في رأيه، لم يكن فقط علاقته بإيران، بل طبعه السياسي المباشر والصدامي الذي جعل كثراً يرونه جزءاً من المشكلة الإيرانية، لكن هيل يقول إن إيران كانت مشكلة قبل المالكي، وظلت مشكلة بعده. وما فعله المالكي، في نظره، أنه حكم بلداً منقسماً، بحكومة شيعية منشغلة بتثبيت سلطتها أكثر من انشغالها ببناء جسور مع السنة أو حتى مع بقية القوى الشيعية.

وفي مثل هذا الفراغ، يقول هيل إن إيران وجدت  فرصتها لـ"الصيد في المياه العكرة"، لتحويل العراق إلى جسر صديق نحو جماعات شيعية أخرى في سوريا ولبنان، ولذلك سعت إلى التغلغل داخل مؤسسات الدولة المنهكة بفعل الحروب والعزلة التي تسبب بها النظام السابق، وهذا هو الواقع الذي وجدت واشنطن نفسها تتعامل معه.

 

وأوضح السفير الأميركي أن النفوذ الإيراني كان واسعاً في الجنوب العراقي، ولا سيما في البصرة، مشيراً إلى أن التيار الصدري نفسه كان خاضعاً لنفوذ طهران. لكنه يقول إنه لم ير، خلال وجوده في بغداد، صلة مباشرة بين المالكي وقاسم سليماني، رأس الحربة الإيرانية في العراق آنذاك.

بالنسبة إليه، كان المالكي زعيماً محاصراً وغير محبوب إلى حد كبير، يواجه أزمات يومية أكثر إلحاحاً من التفكير في إيران، من انقطاع الكهرباء في حر الصيف، إلى ضعف الخدمات، ومحاولة إعادة تشغيل قطاع النفط، والتوتر مع الأكراد.

ولدى سؤاله عن اتهام المالكي لسوريا عام 2009 بالسماح لمقاتلي "القاعدة" بالعبور من أراضيها إلى العراق، رفض هيل ربط ذلك بإيران، ففي رأيه، لم يكن الأمر متعلقاً بدور إيراني، بل بعجز بشار الأسد عن ضبط مشكلاته الداخلية، التي بدأت تتحول إلى مشكلات خارجية للعراق. كان هناك، كما يقول، منتمون إلى "الإخوان المسلمين" غير راضين بشدة عن الأسد، وكانت سوريا نفسها تدخل مرحلة التفكك التي انفجرت بعد عامين مع اندلاع الانتفاضة السورية.

لماذا تساهل أوباما مع المالكي؟

حين بدا من رواية هيل أن إدارة أوباما تعاملت مع صعود المالكي والنفوذ الإيراني بقدر من التسليم، قلت له إن الصورة التي يقدمها توحي بأن واشنطن لم تُظهر إحباطاً حقيقياً من الاتجاه الذي كانت تمضي فيه البلاد، فرد سريعاً "لا، هذا غير صحيح. هذا ببساطة غير صحيح. لقد عبرنا عن إحباطنا".

واستدعى هيل زيارات بايدن إلى العراق دليلاً على أن القلق الأميركي لم يكن غائباً، وقال إن نائب الرئيس زار بغداد ست مرات، منها أربع خلال فترة وجوده سفيراً هناك، ليضع أمام المالكي مخاوف واشنطن، وخصوصاً ما يتصل بالميليشيات المرتبطة بإيران، لكن دون إظهارها للعلن لتجنب إحراج المسؤولين العراقيين، وقال إن "بايدن كان مباشراً جداً معهم وكانت هناك مواقف بالكاد استطاع بعدها المسؤولون أن يبتسموا أمام الكاميرات".

وأضاف السفير السابق "أستطيع أن أؤكد لك أن أحداً لم يكن يحب نوري المالكي. ربما زوجته تحبه، لكنني لا أعرف أحداً غيرها يحبه".

 

وعن كواليس تلك الاجتماعات، قال "كان بايدن يطلب من الجميع مغادرة الغرفة، حتى أنا كنت أغادرها، ثم ينفرد بالمالكي للحديث حول الملفات الحساسة". وأضاف "المالكي اختاره العراقيون، لكنه لم يكن حليفاً لنا بأي معنى من معاني الكلمة... وما أدركناه أننا نتعامل مع شخصية غير معتادة على الاستماع للآخرين، وكان الجميع يعد الأيام إلى حين مغادرته، ثم جاءت الانتخابات، ولم يكن هناك بديل شيعي آخر واضح".

في محاولة لاستعادة تلك الاجتماعات المتوترة، قال "أحياناً كانت تلك الاجتماعات تتناول مسائل محددة جداً، مثل اعتقال أحد القادة المحليين. كان العراقيون يقولون إنه خالف القانون، بينما كنا نرى أن المسألة مرتبطة بكونه سنياً، وأنه ينبغي الإفراج عنه. وكانوا يردون ’لا، لم يعتقل لأنه سني، فهناك كثير من السنة خارج السجون‘. لم نعتقله لأنه سني، بل لأنه خالف القانون. وكنا نختلف معهم باحترام، ونقول ’لا، نعتقد أن أشخاصاً من هذا النوع يحتجزون لهذا السبب تحديداً‘. ولم نكن نتحدث هنا عن شخصيات وطنية كبرى بل عن شخصيات محلية".

لكن الخلاف الأكبر كان حول اتفاق وضع القوات، إذ قال "واجهنا أيضاً صعوبات كبيرة مع العراقيين في هذه المسألة، ولم نكن مستعدين لإبقاء القوات الأميركية في العراق لأنه كان من الممكن اعتقال أفرادها وإيداعهم السجون العراقية، ومحاكمتهم أمام القضاء العراقي. ولم نتمكن من التوصل إلى اتفاق مع نوري المالكي حول هذه النقطة. كانت مسألة بالغة الجدية، وهي في نهاية المطاف أحد الأسباب الرئيسة التي دفعتنا إلى المغادرة".

"إياد علاوي كان أقل طائفية من غيره"

يعترف السفير السابق بأن المالكي لم يكن الرجل القادر على إدارة المعادلة العراقية، التي تستلزم قادة يدركون أن مهمتهم لا تقتصر على العمل مع الأقلية العراقية السنية، بل تمتد أيضاً إلى بناء علاقة مع جوار العراق السني، لكن العثور على بديل له لم يكن سهلاً، وقال "ناقشت البدائل كثيراً مع جلال طالباني، وفي كل مرة كان يظهر اسم يبدو مناسباً، سرعان ما يتبين أن الطريق أمامه مسدود".

يستحضر هيل هنا إياد علاوي، بوصفه المثال الأبرز للبديل الذي بدا واعداً، قائلاً "كان علاوي رجلاً مثيراً للإعجاب، يتحدث الإنجليزية ببراعة وهو شيعي، لكن علاوي لم يخض حملته الانتخابية داخل المناطق الشيعية. كان حزبه أقرب في الواقع إلى قاعدة سنية. أعرف كثراً كانوا يحبون فيه ذلك، لأنه كان أكثر علمانية وأقل طائفية. ونحن كنا نريد قادة علمانيين، لا قادة طائفيين"، لكن هذا الانفصال شكل تحدياً أمام علاوي.

ومع اقتراب انتخابات 2010، يتذكر هيل أن واشنطن كانت تراقب البدائل الممكنة للمالكي، لكنها كانت تصطدم دائماً بحقيقة أن هذه البدائل تبدو واعدة من بعيد ثم تتعثر عند اختبار السياسة العراقية، مشيراً إلى دور طالباني الحاسم في فوز المالكي.

في تلك الانتخابات، تقدمت "القائمة العراقية" بزعامة علاوي على ائتلاف "دولة القانون" بزعامة المالكي بفارق مقعدين، لكن ذلك لم يكن كافياً لتشكيل الحكومة، فالسلطة في عراق ما بعد 2003 لم تكن تُحسم بعدد المقاعد وحده، بل بقدرة الفائز على بناء ائتلاف أكبر.

ومع تفسير مفهوم "الكتلة الأكبر" بطريقة سمحت بتشكيلها داخل البرلمان، تمكن المالكي من التحالف مع قوى شيعية أخرى، ثم الحصول على دعم كردي ضمن تسوية أوسع أبقت طالباني في رئاسة الجمهورية ومهدت الطريق أمام المالكي لولاية ثانية.

ويروي هيل أن علاوي، بدلاً من أن يخوض معركة كسب القادة والناخبين الشيعة في الداخل، ذهب إلى العواصم العربية يشتكي من المالكي ويصفه بأنه ديكتاتور جديد. وفي إحدى تلك الجولات زار مضر والتقى رئيسها.

وينقل هيل، عمن حضروا اللقاء، أن الرئيس المصري حسني مبارك قال لعلاوي "إذا كان الوضع بالسوء الذي تصفه، فلماذا أنت هنا في القاهرة؟ مشكلتك ليست هنا، مشكلتك في بغداد. لماذا تأتي لتحدثني عنها؟ ينبغي أن تكون في بلدك تعمل على حلها".

لكن علاوي قدم في 2023 رواية مغايرة اتهم فيها الولايات المتحدة وإيران بـ"تخريب" العراق، ووصف بايدن بـ"الكذاب والمنافق"، مشيرا إلى أن نائب الرئيس آنذاك كان يتردد نحو ثلاث مرات شهرياً على بغداد لإقناعه بالتنازل لمصلحة المالكي.

 

في المقابل، يقول هيل إن واشنطن لم تكن متحمسة لولاية ثانية للمالكي، لكن كثيراً من العراقيين كانوا قد تقبلوا الأمر واستعدوا له، ومن بينهم طالباني الذي كان يقول هناك "مالكي طيب" و"مالكي سيئ"، وإن التخلص من الرجل لم يعد ممكناً، ومن ثمَّ ينبغي محاولة مخاطبة الجانب الأفضل فيه.

على رغم النفوذ العسكري والسياسي الواسع الذي امتلكته الولايات المتحدة في العراق، يقدم هيل صورة لواشنطن كقوة مقيدة أكثر من كونها قوة قادرة على فرض المسار الذي تريده، فهو يتجاوز إلى حد بعيد الاتهامات الموجهة إلى إدارة أوباما بأنها تغاضت عن صعود المالكي أو تمدد النفوذ الإيراني، ويعيد المسألة إلى حدود القدرة الأميركية داخل عراق أعادت واشنطن تشكيله.

وفي خلاصة روايته التي لا تخلو من جدل، لم تكن الولايات المتحدة راضية عن المالكي، لكنها لم تكن تملك بديلاً جاهزاً تستطيع فرضه. ويختصر هيل حدود الدور الأميركي في تلك اللحظة بالقول إن واشنطن لم تكن قادرة على أن تلوح بإصبعها في وجوه العراقيين بعد غزو بلادهم، وتقول لهم "اختاروا هذا الرجل لا ذاك".

إيران الجديدة

على وقع الهجمات الصادرة من ميليشيات عراقية موالية لإيران على دول خليجية، يرى الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد أن العراق قد يتحول إلى "إيران الجديدة" في ظل تحول نفوذ هذه الميليشيات إلى مشكلة بنيوية وآنية ورطت العراق في الحرب إلى جانب إيران.

لدى سؤاله عن هذه المقاربة، لا يذهب هيل إلى حد تبني التحذير من أن العراق قد يتحول إلى "إيران جديدة"، مشيراً إلى أن العراق ليس في رأيه مصدر تهديد للدول العربية، لكن المشكلة تكمن في أن الدولة العراقية نفسها لا تملك دائماً السيطرة الكاملة على ما يجري داخل حدودها.

ورداً على التهديد الفعلي الذي تشكله المليشيات العراقية لأمن دول الخليج، يفسر السفير الأميركي ذلك بهشاشة الدولة العراقية بعد الغزو، فالعراق، كما يقول، "بلد شاسع، وإذا ذهبت إلى عمقه فلن تجد حضوراً راسخاً للقانون والنظام، بل زعماء قبائل، وفاعلين محليين من كل نوع".

يكرر هيل هنا استخدام كلمة "القبيلة"، بوصفها اختصاراً لغياب الدولة، غير أن المقارنة مع دول الخليج تكشف حدود التفسير الذي يقدمه السفير، فالقبلية موجودة ومتجذرة في الدول الخليجية، لكنها لم تتحول إلى مصدر تهديد عابر للحدود، لذلك تبدو المسألة في جانبها الأعمق، أقل ارتباطاً بالقبيلة وأكثر صلة بمشروع إيراني يستغل الهويات الطائفية، وضعف مؤسسات الدولة لتحقيق أهداف الهيمنة الإقليمية.

في رده على هذا الاعتراض، يتحفظ السفير السابق على المقارنة بين العراق ودول الخليج، قائلاً إن الأول جاء من تاريخ مختلف تماماً طَبعَه حكم صدام حسين، وعلاقاته السيئة مع الجميع تقريباً والعزلة والحروب، وهي عوامل أسهمت في نشأة "ممارسات سيئة" في السياسة العراقية، لتجد الدولة الجديدة نفسها مضطرة إلى التعامل مع إرث ثقيل لم تصنعه وحدها.

لكنه في الوقت نفسه لا يستخف بخطر الفصائل المسلحة، قائلاً إن محاولة احتواء الولاءات الإيرانية عبر إدخال أصحابها في مؤسسات الدولة العراقية كانت رهاناً خاسراً من البداية، فبدلاً من أن تذوب هذه الجماعات في الدولة، حملت ولاءاتها معها إلى داخلها، وأضعفت قدرة بغداد على التحدث بصوت واحد.

المزيد من حوارات