Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوروبا في مواجهة تحالف طهران و"فوكستروت"

كيف حولت إيران شبكة إجرام سويدية إلى أذرع تنفيذية لها في القارة العجوز

شبكة "فوكستروت" الإجرامية تشكلت في السويد على يد رَوا مجيد المولود في 12 يوليو 1986 بمدينة كرمانشاه الإيرانية (اندبندنت عربية)

ملخص

شبكة إجرامية سويدية تحولت خلال أعوام إلى أداة تنفيذية في يد أجهزة إيرانية، تنفذ هجمات على سفارات ومصالح يهودية في أوروبا، وتستأجر مراهقين عبر تطبيقات التواصل مقابل مبالغ مالية. الغرب فرض عقوبات على الشبكة وزعيمها، فيما تقود السويد فرقة عمل أوروبية لملاحقة نشاطها أو ما بات يعرف بـ"العنف كخدمة".

في الـ19 من مارس (آذار) 2025، اقتحمت قوة خاصة من شرطة ويست يوركشاير غرفة في فندق بمدينة هدرسفيلد شمال إنجلترا، واعتقلت شاباً نرويجياً لم يتجاوز الـ18 من عمره. عُثر في الغرفة على مسدس نصف آلي و17 رصاصة وألفي جنيه استرليني. وبعد أكثر من عام، تحديداً في الـ29 من يوليو (تموز) الماضي، دانت محكمة في لندن يوهانس ناتلاند بتهمة التآمر على القتل، في أول قضية جنائية بريطانية تعزوها السلطات إلى شبكة فوكستروت"، مع بقاء هوية الهدف مجهولة.

في قلب هذا الملف يقف رجل واحد. رَوا مجيد، المولود في 12 يوليو 1986 بمدينة كرمانشاه الإيرانية لأسرة كردية- عراقية كانت في طريقها إلى السويد هرباً من حرب العراق وإيران، واستقرت في أوبسالا حين كان المولود في الشهر الأول من عمره. وبعد ثمانية أعوام قضاها داخل السجن في قضايا مخدرات، وتلقيه تهديداً بالقتل من جماعة منافسة، غادر السويد عام 2018 إلى تركيا، حيث حصل على جنسيتها عبر برنامج "الفيزا الذهبية" مقابل شراء فيلا بقيمة 300 ألف دولار، على رغم وجود مذكرة توقيف دولية بحقه. وفي السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، أوقفته الشرطة الإيرانية قرب الحدود مع تركيا.

الرواية التي تبنتها الأجهزة الغربية هي أن التوقيف في إيران كان بداية التجنيد لا نهايته، إذ نقلت صحيفة "داغنز نيهيتر" السويدية عن وثائق استخباراتية أن مجيد وُضع أمام خيارين بعد اعتقاله في إيران، التعاون مع النظام أو السجن. أما التوصيف الرسمي الأميركي فجاء أكثر تحديداً، إذ أكدت وزارة الخزانة أن مجيد تعاون تحديداً مع وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، وهي جهة خاضعة للعقوبات الأميركية بموجب صلاحيات متعددة.

الحصيلة الميدانية لهذه العلاقة بدأت تظهر مطلع 2024، ففي يناير (كانون الثاني) من ذلك العام، نظمت الشبكة هجوماً على السفارة الإسرائيلية في ستوكهولم، حين تُركت متفجرات عند مدخل مجمع السفارة قبل أن تتدخل الأجهزة الأمنية وتحبط العملية. وفي أكتوبر أُطلق الرصاص على واجهة السفارة نفسها، وفي اليوم التالي وقع هجوم في كوبنهاغن. وبحسب سلسلة تحقيقات بثها التلفزيون السويدي، أمكن ربط سبع هجمات منفذة ومخطط لها ضد مصالح إسرائيلية في السويد والدنمارك وبلجيكا، بشبكة مجيد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الثالث من فبراير (شباط) الماضي، دانت محكمة كوبنهاغن سويديين اثنين بالإرهاب والشروع في القتل، بعدما ألقيا قنبلتين يدويتين لم تصلا إلى هدفهما وانفجرتا على شرفة مبنى سكني تقطنه أسرة وأطفالها على بعد نحو 100 متر من السفارة. وقال المدعي العام سورين هاربو إن الشبكة الإجرامية تصرفت بوصفها الذراع المسلحة لتنظيم إرهابي شرق أوسطي في الدنمارك، والمعتقل الأصغر سناً اعترف في المحاكمة بانتمائه إلى "فوكستروت"، مؤكداً أن الشبكة جندته خلال أعوام دراسته الثانوية. وأقر المتهمان بإلقاء القنبلتين لكنهما نفيا وجود دافع أيديولوجي، وقالا إنهما فعلا ذلك مقابل المال.

الربط بين طهران والشبكة لم يأتِ من مصدر واحد، ودعّمته السلطات السويدية خلال مؤتمر صحافي مشترك ضم الحكومة وإدارة العمليات الوطنية وجهاز الأمن. وقال المسؤول في الجهاز دانيال ستنلينغ إن بلاده تمكنت خلال الأعوام الأخيرة من إحباط حالات توافرت فيها أدلة ملموسة على مخططات اغتيال مرتبطة بأجهزة أمنية إيرانية استخدمت شبكات إجرامية في السويد كوكلاء.

طهران رفضت الرواية، واستدعت الخارجية الإيرانية القائم بالأعمال السويدي في 2 يونيو (حزيران) 2024 احتجاجاً على ما وصفته باتهامات لا أساس لها، بعدما كانت السفارة الإيرانية لدى ستوكهولم نفت مسبقاً تجنيد أفراد من العصابات لتنفيذ أعمال عنف. ووصفت الخارجية الإيرانية تلك الاتهامات بأنها منحازة وقائمة على معلومات مضللة مصدرها إسرائيل.

الرد الغربي بدأ اقتصادياً، ففي الـ12 من مارس عام 2025، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "فوكستروت" بوصفها منظمة إجرامية عابرة للحدود، وعلى زعيمها الهارب مجيد، مع الإشارة إلى أن الشبكة تستخدم المراهقين بصورة روتينية لتنفيذ الهجمات. وفي الـ14 من أبريل 2025 أعلنت بريطانيا عقوبات مماثلة شملت حظر سفر وتجميد أصول ومنع مجيد من تولي مناصب إدارية، وأشارت الخارجية البريطانية إلى أن لندن تعاملت منذ مطلع عام 2022 مع أكثر من 20 مخططاً مدعوماً من إيران شكّلت تهديدات محتملة بالقتل لمواطنين ومقيمين بريطانيين.

 

على المستوى الأوروبي، جاءت الخطوات أبطأ لكن أوسع أثراً. ففي الـ15 من يوليو 2025، فرض مجلس الاتحاد الأوروبي عقوبات على ثمانية أشخاص وكيان واحد، معلناً قلقه من القمع العابر للحدود الذي تمارسه أجهزة إيرانية عبر وكلاء مجرمين وشبكات الجريمة المنظمة التي تستهدف المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك على أراضي الاتحاد. وفي الـ19 من فبراير الماضي، صنف المجلس الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، مما يعني تجميد أصوله داخل دول الاتحاد وحظر إتاحة أية أموال له.

الأخطر في هذا الملف ليس هوية المنفذين بل نموذج التشغيل، إذ أطلق مكتب الشرطة الأوروبية (يوروبول) في أبريل عام 2025 فرقة عمل عملياتية باسم "غريم" لمواجهة ظاهرة "العنف كخدمة" وتجنيد الشباب في الجريمة المنظمة، وهي فرقة تقودها السويد ويشارك فيها عدد من الدول الأوروبية بدعم تحليلي وتنسيقي من "يوروبول". وخلال عامها الأول، حددت الفرقة أكثر من 1400 شخص مرتبطين بهذا النمط، وسجلت نحو 280 توقيفاً بمشاركة 11 دولة بينها بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وهولندا وإسبانيا والنرويج وبريطانيا. وخلصت التحقيقات إلى أن 10 عمليات قتل مأجورة في أوروبا الغربية نفذها قاصرون، إضافة إلى أكثر من 100 جريمة أخرى شملت تفجيرات وعمليات خطف وتعذيب وإطلاق نار.

وفضلاً عن العقوبات، اتجهت الدول الأوروبية إلى ملاحقة القيادات خارج القارة. ففي الـ12 من مايو الماضي، أعلنت الشرطة السويدية اعتقال شخصية مركزية في الشبكة داخل تونس، وقال رئيس وحدة التحقيقات في إدارة العمليات الوطنية نيكلاس أندرسون إن التوقيف يُعد استراتيجياً ويُتوقع أن يؤثر في قدرة الشبكة على تنفيذ جرائم العنف.

في الداخل السويدي، ذهبت الحكومة إلى تعديلات تشريعية غير مسبوقة، وأعلنت في سبتمبر (أيلول) عام 2025 خططاً لخفض سن المسؤولية الجنائية من 15 سنة إلى 13، بعدما تضاعف خلال عقد عدد الجرائم التي يُشتبه في أن أطفالاً دون الـ15 ارتكبوها. ويُعد هذا من أسباب تراجع عمليات إطلاق النار، على رغم اعتراض منظمات حقوقية على التعديلات.

التحدي الأكبر أمام الأوروبيين في طبيعة النموذج نفسه، فبإضافة وسطاء من الدرجتين الثانية والثالثة، تصنع إيران ووكلاؤها طبقة عازلة بينها والجريمة نفسها، مما يعقّد المساءلة ونسب المسؤولية، ويضع أجهزة إنفاذ القانون أمام صعوبة في تحديد الفاعل الحقيقي وإحباط الهجمات. أما التحدي الثاني، فهو قضائي يتعلق باستخدام أشخاص تصعب إدانتهم واستجوابهم كبالغين، والتحدي الثالث سياسي يتصل بالنهج السويدي القائم على الدبلوماسية الصامتة تجاه إيران التي تؤوي مجيد، وتركيا التي ترفض تسليمه على رغم الطلبات السويدية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير