Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريطانيا تسجل رقما قياسيا جديدا في عدد مهاجري القوارب

752 لاجئا وصلوا في يوم واحد بعد تصريحات متفائلة لرئيس الوزراء بشأن ضبط الحدود مع فرنسا

نحو ألف مهاجر وصل بريطانيا عبر البحر منذ وصول آندي بيرنهام إلى السلطة في لندن (غيتي)

ملخص

شهدت شواطئ شمال فرنسا أمس واحداً من أكثر أيام العام نشاطاً في رحلات القوارب الصغيرة نحو إنجلترا، إذ عبر أكثر من 700 شخص مستفيدين من أجواء صافية وبحر هادئ. وتفجر جدل سياسي في لندن بعدما أبلغ عناصر الشرطة الفرنسية وزير الداخلية في حكومة الظل أن أوامرهم تقضي بعدم التدخل الجسدي لمنع الإبحار، فردت الحكومة عبر منصة "إكس" بأرقام تعاونها مع باريس. وفي الساعات التالية أعلنت السلطات الفرنسية وفاة أربعة أشخاص في حادثتين منفصلتين، بينما اختصرت صورة امرأة انتزعتها فرق الإنقاذ من الماء وهي تستنجد للحاق بعائلتها على متن الزورق حجم المأساة الإنسانية في هذا الممر البحري.

سُجل أمس الأربعاء عبور 752 مهاجرا بحر المانش إلى بريطانيا على متن قوارب صغيرة في أكبر أيام الوصول منذ بداية العام، حيث تجاوز المعدل اليومي الأعلى المسجل في الـ15 من يونيو (حزيران) الماضي بواقع 710 أشخاص. أما الرقم القياسي المطلق منذ بدء أزمة "هجرة القوارب" في عام 2018 فقد تحقق في الثالث من سبتمبر (أيلول) 2022 بعبور 1305 أشخاص في يوم واحد.

وبحسب أرقام وزارة الداخلية، وصل 14128 مهاجراً إلى بريطانيا عبر المانش منذ مطلع العام الحالي، بانخفاض 42 في المئة عن الفترة ذاتها من العام الماضي، و18 في المئة عن 2024. وعبر نحو ألف شخص في خمسة أيام فقط منذ دخول أندي بيرنهام مقر رئاسة الحكومة الأسبوع الماضي، بينهم 165 على متن زورق واحد وُصف بأنه ضخم. وتظهر بيانات الوزارة أن 13 قارباً وصلت بين الـ20 والـ26 من يوليو (تموز) الجاري تقل 881 مهاجراً.

على شاطئ "أرديلو" واجه وزير الداخلية في حكومة الظل البريطانية كريس فيلب، عناصر الشرطة الفرنسية وسألهم عن سبب امتناعهم عن التدخل من أجل وقف قوارب المهاجرين قبل انطلاقها، فأجابه أحد الضباط بأن الأوامر تقضي بتركهم يمضون، وأن مهمتهم تنحصر في تحذيرهم من خطورة الرحلة. وعندما استوضح ما إذا كانت التعليمات تمنع التدخل، جاء الرد بأن واجبهم حماية المهاجرين. وفي أثناء الحوار كان عشرات المهاجرين يتسلقون زورقاً مطاطياً في مياه تصل إلى الخصر.

واتهم فيلب الشرطة الفرنسية بتقصير شائن في أداء الواجب بعدما تركوا مهرباً مشتبهاً فيه يشغل محرك الزورق ثم يبتعد بحرية، مؤكداً أن منع الإبحار كان ممكناً لأن الماء لم يكن يتجاوز الركبة. وتحدث أيضاً عن مشاهدته رجالاً يدفعون نساء وأطفالاً بعيداً من القارب في تدافعهم للحاق به. وقال في مقابلة مع إذاعة "إل بي سي" إنه رافق مجموعة من حوالى 40 شخصاً معظمهم شباب من أفريقيا دون أن يرى أي شرطي فرنسي، وإن المهرب الذي كان يقودهم يضع ساعة (رولكس) ضخمة، مضيفاً أنه إذا استطاع هو تحديد موقع المجموعة في نحو أربع ساعات فإن خفر السواحل في فرنسا قادرون على ذلك بالتأكيد.

وسبقت ذلك حادثة أول من أمس الثلاثاء قرب كاب غري نيه، حين قال فيلب إن سفينة حربية فرنسية اقتربت من القارب الذي كان يستخدمه لمراقبة العبور وأطلقت 17 طلقة حية خلفه على مسافة نحو 300 متر، ونشر المقطع عبر "إكس" معتبراً الأمر محاولة تخويف من دون أي إخطار سابق بتدريبات أو تحذير عبر أجهزة الاتصال اللاسلكي. ونفت السلطات الفرنسية وصفه لما جرى، لكنه رفض تفسيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مآس إنسانية

في صباح أمس على شاطئ "أرديلو"، أظهرت صور مؤثرة امرأة أنقذتها أطقم القوارب من الماء وهي تتوسل للسماح لها باللحاق بعائلتها على متن زورق مكتظ. وأفاد شهود بأنها كانت تحاول الوصول إلى القارب فأصابها اضطراب شديد حين نُقلت إلى مكان آمن وبدا أنها فُصلت عن عائلتها التي بقيت على متن القارب. ويُرجح أنها كانت مسافرة مع طفل واحد في الأقل ظل داخل الزورق، وحين انحرف القارب لاحقاً واقترب من الشاطئ اندفعت إلى الماء وتسلقته لتلتحق بأسرتها.

 لم تكشف السلطات الفرنسية عن هوية المرأة أو جنسيتها أو نتيجة رحلتها بعد صعودها إلى القارب، ولكن الصور ومقاطع الفيديو التي التقطتها وكالات الأنباء تظهر حشوداً من الناس، بعضهم يحمل أطفالاً على الأكتاف، يخوضون في الماء من الشاطئ وينجح كثر منهم في الصعود إلى الزورق وسط جو حار مشمس وبحر هادئ.

وأعلنت خدمة الإنقاذ البحري الفرنسية صباح اليوم العثور على ثلاث نساء متوفيات على متن قارب قبالة سواحل "دونكيرك"، وأفادت السلطات بأنها تلقت إخطاراً عن انطلاق القارب من المنطقة عند السادسة صباحاً بالتوقيت المحلي فأرسلت سفينة بحث وإنقاذ لمراقبة الوضع، وعند نحو السادسة والنصف رصد الطقم ثلاثة أشخاص فاقدين للوعي على المتن، ونُقلوا إلى البر حيث أُعلنت وفاتهم، ويُعتقد أن ثلاثتهن أصبن بأزمات قلبية.

ولم توضح السلطات عدد من كانوا على متن القارب ولا ما إذا سُمح له بمواصلة طريقه نحو السواحل البريطانية. وتوفي مهاجر رابع، وهو رجل، بعدما تعرض زورقه لمشكلة قبالة سواحل بلدة "دان". لم تُعلن باريس حتى اليوم حصيلة موحدة لضحايا العبور منذ مطلع العام الجاري، ولكن البحرية الفرنسية قد تحدثت سابقاً عن ظاهرة جديدة تتمثل في وفاة أشخاص في البحر لا بالغرق بل بسبب المرض أو التدافع داخل القوارب المكتظة.

ردت وزارة الداخلية البريطانية عبر "إكس" بالقول إنها "على علم بمنشورات متداولة تزعم أن أجهزة إنفاذ القانون الفرنسية تفشل في منع عبور القوارب الصغيرة"، مؤكدة أن التعاون البريطاني الفرنسي أوقف بالفعل أكثر من 46 ألف محاولة عبور منذ الانتخابات.

وفي بيان مباشر، قال متحدث باسم الوزارة إن الحكومة تضغط على عمليات العبور، وأن ترحيل القادمين بالقوارب بلغ مستويات قياسية وأن طلبات اللجوء انخفضت 12 في المئة، وأن وزيرة الداخلية وقعت اتفاقاً جديداً مع فرنسا قائماً على الدفع مقابل النتائج لتعزيز الإنفاذ على الشواطئ ووضع المهربين في السجون، وأن نحو 70 ألف شخص كانوا في البلاد بصورة غير قانونية رُحلوا أو أُبعدوا بزيادة 41 في المئة.

 

قبل زوارق الأمس، قال بيرنهام أمس إن وزيرة الداخلية طرحت خطة صارمة، وإن الأرقام قابلة للتقلب لكن العبور منخفض بصورة كبيرة على أساس سنوي، مما يشير في رأيه إلى أن الخطة تعمل، مضيفاً أن الجمهور يريد رؤية سيطرة تُفرض، وأن ما تحقق تقدم لكن ما تبقى أكثر. ورداً عليه قال فيلب إن شبانة محمود دفعت نصف مليار جنيه من أموال البريطانيين دون شروط، وأن ما حمى الحدود هذا العام هو سوء الأحوال الجوية في المانش لا السياسات، مطالباً حكومة لندن بالخروج من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لتمكين ترحيل المهاجرين غير النظاميين خلال أسبوع من وصولهم.

بدأت بريطانيا تمويل العمليات الفرنسية لمكافحة العبور في يناير (كانون الثاني) 2019، وأعلنت الحكومة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 أن أكثر من 5 آلاف قارب تقل ما يزيد على 115 ألف شخص مُنعت من العبور منذ ذلك التاريخ. وتُظهر البيانات الأسبوعية التي تنشرها وزارة الداخلية نقلاً عن السلطات الفرنسية أن نحو 22500 شخص مُنعوا من العبور في 2025، من دون أن يكون معروفاً كم منهم أعاد المحاولة ونجح.

وترفع باريس نسبة عناصر مكافحة الشغب وحفظ النظام على السواحل بنحو 40 في المئة في إطار الاتفاق الجديد، مع تكتيكات بحرية جديدة تستهدف شبكات التهريب. لكن فيلب كان وصف في وقت سابق نسبة المنع الفرنسية على البر بأنها متدنية إلى أقل من 40 في المئة، مقارناً بما تفعله بلجيكا التي توقف القوارب في البحر.

على المستوى الكمي، وصل نحو 36 ألف شخص بالقوارب في العام المنتهي في الـ31 من مايو (أيار) الماضي بانخفاض 13 في المئة عن الفترة المماثلة، بعد 41 ألفاً في 2025 وهو ثاني أعلى رقم سنوي بعد 46 ألفاً في 2022. وبين 2018 و2025 بلغ إجمال الواصلين نحو 193 ألفاً، شكلت ست دول هي إيران وأفغانستان والعراق وألبانيا وسوريا وإريتريا 65 في المئة منهم، وحصل 62 في المئة منهم على اللجوء.

وشكك "مركز مراقبة الهجرة" في رقم الـ70 ألفاً الذي تعتمده الحكومة في احتساب أعداد المرحلين، وقال إن 35 في المئة من المحسوبين خرجوا من البلاد دون أن يدرك المسؤولون ذلك، وأن 26 في المئة دُفعت لهم مبالغ ليرحلوا، وأن 25 في المئة فقط كانوا عمليات ترحيل رسمية، ثلثاها لمواطنين أوروبيين، معتبراً أن ذلك لا يرقى إلى السيطرة.

 

قيود القانون

تقول السلطات الفرنسية بثبات إنها تتحفظ عن التدخل الجسدي بعد وصول المهاجرين إلى المياه الضحلة، خشية أن يؤدي ذلك إلى حالات غرق. وقد لجأ عناصرها في مناسبات إلى ثقب الزوارق بالسكاكين حين قدروا أن الأمر آمن، وأنشأت فرنسا وحدة شرطية متخصصة لاعتراض ما يُعرف بقوارب التاكسي التي يديرها المهربون قبل وصولها إلى الساحل.

وكانت الحكومة البريطانية قد ضغطت مراراً لتغيير قواعد التدخل الفرنسية، وأعلنت في يونيو 2025 أن وزير الداخلية الفرنسي ومجلس الوزراء اتفقا على ضرورة تعديلها للسماح للشرطة بالتدخل في المياه الضحلة، وهو ما وصفه وزير الدفاع البريطاني حينها بالمشكلة الكبيرة، مشيراً إلى أن المهربين يطلقون قواربهم من أماكن أخرى ويأتون كسيارة أجرة لالتقاط المهاجرين.

إلى جانب القيود القانونية، يبقى الاقتصاد عاملاً حاسماً، إذ تراجعت أسعار الرحلة من نحو 14 ألف يورو في 2018 إلى ما دون 4 آلاف في 2024، وأشارت تحقيقات صحافية إلى أسعار تقارب 1500 يورو في مطلع 2026، مما يعني أن انخفاض الكلفة يعوض جزءاً من أثر التشديد الأمني ويوسع قاعدة القادرين على المحاولة. وغالبية الواصلين من الرجال البالغين بنسبة تقارب 76 في المئة من أرقام 2025، مقابل 12 في المئة من الأطفال دون 18، وهو تركيب سكاني يفسر جانباً من مشاهد التدافع التي وثقتها الكاميرات أمس على شاطئ "أرديلو"، حين دُفعت نساء وأطفال بعيداً من الزورق.

خلاصة القول إن الأرقام السنوية تسند رواية حكومة لندن عن انخفاض العبور، لكن مشاهد الشواطئ تسند رواية المعارضة عن محدودية العائد الأمني للمبالغ المدفوعة. والفاصل بين الروايتين ليس سياسياً فقط، بل هو قانوني وجغرافي وبحري، ويظل رهناً بما إذا كانت باريس ستعدل فعلاً قواعد تدخلها في المياه الضحلة.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات