ملخص
تعرض المحتجون الذين تجمعوا في الساحة لمنع تنفيذ الأحكام إلى قمع ممنهج شمل الضرب والاعتقال على يد القوات الأمنية.
أفاد عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، مساء الإثنين الـ27 من يوليو (تموز) الجاري، بأن السلطات بدأت تجهيز ساحة عليخاني في مدينة أصفهان لتنفيذ حكم إعدام علني. وفي الوقت ذاته، تم تداول تقارير تفيد باستدعاء عائلات كل من أبو الفضل سباهي وأمير حسين صفري وعلي رضا سباهي، وهم ثلاثة من المعتقلين على خلفية احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي في القضية المعروفة باسم "ساحة عليخاني"، لإجراء الزيارة الأخيرة لهم قبل تنفيذ الإعدام. كذلك انتشرت تدرجاً صور ومقاطع فيديو تظهر نصب مشانق الإعدام وانتشاراً واسعاً للقوات الأمنية في محيط الساحة.
ومع تصاعد المخاوف، توجه عدد من أهالي أصفهان إلى ساحة عليخاني على أمل منع تنفيذ أحكام الإعدام بحق هؤلاء الشبان. إلا أنه، على رغم هذه المحاولات، أعلنت وسائل إعلام رسمية فجر أول من أمس الثلاثاء تنفيذ حكم الإعدام بحق أبو الفضل سباهي وأمير حسين صفري. وبعد ذلك بقليل، أفادت تقارير بأن علي رضا سباهي نُقل إلى المستشفى إثر تعرضه لأزمة قلبية قبل تنفيذ الإعدام.
وخلال تلك الساعات، تعرض المحتجون الذين تجمعوا في الساحة لمنع تنفيذ الأحكام إلى قمع ممنهج شمل الضرب والاعتقال على يد القوات الأمنية. ولم تقتصر حال التوتر والقلق على أصفهان، بل امتدت من إيران إلى الولايات المتحدة وأوروبا ومناطق أخرى، حيث أمضى الإيرانيون الساعات التي سبقت الفجر في حال من الغضب والقلق، وشعر كثر بالعجز والخزي واليأس لعدم تمكنهم من إنقاذ الشابين من الإعدام.
وبعد تنفيذ الحكم، اجتاحت الإيرانيين موجة من الإحباط والغضب واليأس والاكتئاب الجماعي، وكأن الهدف من نصب المشانق في ساحة عليخاني لم يكن فقط إزهاق روحَي محتجين، بل توجيه ضربة إلى الوعي الجمعي للمجتمع بأسره.
الإعدام العلني وسيلة لبث الرعب
بحسب السلطة القضائية الإيرانية، اعتقل 59 شخصاً على خلفية القضية المعروفة باسم "ساحة عليخاني" في أصفهان. وحذرت منظمات حقوقية من أن محاكمتهم جرت ضمن ملف جماعي، من دون الكشف بشفافية عن تفاصيل الوقائع أو الأدلة أو المسؤولية الفردية لكل متهم.
ومن بين المعتقلين، صدرت أحكام بالإعدام بحق 12 شاباً تتراوح أعمارهم بين 18 و28 سنة، بينما حكم على آخرين بالسجن لفترات طويلة، بتهمة التورط في مقتل أربعة من عناصر القوات الحكومية. وتشير تقارير حقوقية إلى أن المحاكمة لم تستغرق سوى ثلاث جلسات قصيرة، عقدت خلف أبواب مغلقة، ومن دون تمكين المتهمين من الاستعانة بمحامين يختارونهم بصورة فعالة.
وحتى الآن، نفذت أحكام الإعدام بحق أربعة من المحكومين في هذه القضية، وهم: محمد محمدي وعرفان إسفندياري وأبو الفضل سباهي وأمير حسين صفري، كذلك أفادت تقارير بنقل عدد آخر من المحكومين إلى زنازين انفرادية.
ووفقاً لمنظمة العفو الدولية، نفذت عقوبة الإعدام خلال عام 2025 في 17 دولة فقط، تصدرتها إيران والصين، في حين ألغت 113 دولة هذه العقوبة بالكامل من تشريعاتها. ويبلغ عدد الدول التي ألغت الإعدام قانوناً أو توقفت عن تطبيقه عملياً أكثر من ثلثي دول العالم.
وقد ألغت دول كثيرة عقوبة الإعدام بسبب تعارضها مع الحق في الحياة والكرامة الإنسانية، ولأنها عقوبة لا يمكن التراجع عنها في حال وقوع خطأ قضائي، إلى جانب أسباب أخرى عدة.
وتشير بيانات منظمة العفو الدولية إلى أن إيران وأفغانستان كانتا الدولتين الوحيدتين اللتين سجل فيهما تنفيذ أحكام إعدام علنية خلال عام 2025، إذ وثقت المنظمة ما لا يقل عن 17 حالة إعدام علني، منها 11 حالة في إيران وست حالات في أفغانستان الخاضعة لحكم "طالبان".
وتعرّف المنظمات الحقوقية "الإعدام العلني" بأنه تنفيذ حكم الإعدام في مكان عام وخارج أسوار السجن بحيث يشهده المواطنون، سواء في الشوارع أو الساحات أو الحدائق أو الجسور أو الملاعب.
ويرى القانون الدولي لحقوق الإنسان أن عقوبة الإعدام تنتهك الحق في الحياة والكرامة الإنسانية، بينما يشكل الإعدام العلني انتهاكاً إضافياً للحقوق الجماعية وللصحة النفسية للمجتمع، على رغم أن السلطات تلجأ إليه بهدف ترهيب المواطنين.
الإعدامات لا تتوقف
تُنفذ أحكام الإعدام العلنية في إيران غالباً بحق المدانين في قضايا القتل والقصاص والاغتصاب والسطو المسلح، أو في القضايا التي تصنفها السلطة القضائية ضمن تهم مثل "المحاربة" و"البغي" و"الإفساد في الأرض". وعادة ما يكون مكان تنفيذ الحكم مرتبطاً بموقع الجريمة.
إلا أن الأعوام الأخيرة شهدت نصب المشانق في الساحات العامة ثلاث مرات في الأقل لإعدام محتجين. ومن أبرز تلك الحالات إعدام مجيد رضا رهنورد، أحد معتقلي احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية"، في ديسمبر (كانون الأول) 2022، بعد 23 يوماً فقط من اعتقاله، حيث أُعدم في أحد شوارع مدينة مشهد.
وفي وقت لاحق، أعلنت وسائل إعلام رسمية تنفيذ أحكام الإعدام بحق صالح محمدي وسعيد داوودي ومهدي قاسمي، وهم ثلاثة من معتقلي احتجاجات يناير الماضي، "بحضور عدد من المواطنين"، من دون الكشف عن الموقع الدقيق للتنفيذ.
وأخيراً، فجر أول من أمس، أُعدم أبو الفضل سباهي وأمير حسين صفري، وهما من المشاركين في احتجاجات يناير الماضي، في ساحة عليخاني بمدينة أصفهان.
ويشير اختيار موقع التنفيذ، وتنفيذ حكمين في الوقت ذاته أمام الجمهور، وقمع المواطنين الذين تجمعوا لمنع الإعدام، إلى أن الرسالة لم تكن موجهة إلى المحكومين وعائلاتهم فقط، بل إلى المجتمع المحتج بأسره. فقد كتب على لافتة كبيرة في الساحة "لا تبقى أي جريمة خافية عن القانون، والعدالة ستتحقق عاجلاً أم آجلاً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فرض الشعور بالعجز على المجتمع
يعيش المجتمع الإيراني اليوم تحت ضغوط متزامنة تتمثل في الحرب وارتفاع الأسعار والبطالة وتدهور الأوضاع المعيشية وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مما جعله أكثر هشاشة وغضباً وقابلية للانفجار، كالنار الكامنة تحت الرماد التي قد تشعلها أي شرارة جديدة.
ويدرك النظام الإيراني أن إعدام المحتجين، لا سيما في العلن، يعمق مشاعر الغضب والكراهية وفقدان الثقة، لكنه يبدو مقتنعاً بأن بقاءه في هذه المرحلة يتطلب إلحاق الأذى بالوعي الجمعي للمجتمع وترسيخ الخوف وفرض الإحساس بالعجز وعدم القدرة على التغيير.
وفي هذا السياق، وصفت المحللة النفسية السياسية والاجتماعية صبا آلاله، في حديث إلى "اندبندنت فارسية"، الحالة النفسية الراهنة للمجتمع الإيراني بأنها "شديدة التعقيد"، مشيرة إلى أن المجتمع لم يتعاف بعد من صدمة أحداث يناير، في وقت يرزح فيه تحت ضغوط الحرب والأزمات المتلاحقة.
وقالت إن الإعدامات السياسية، لا سيما الإعدام العلني، تترك آثاراً عميقة في اللاوعي والوعي الجماعي حتى في الفترات المستقرة نسبياً، أما في الظروف الحالية فإن آثارها تصبح أوسع وأكثر رسوخاً.
وأضافت: "في مثل هذه الظروف، يتعرض المجتمع لصدمة جماعية شاملة. يرتفع مستوى القلق والشعور بانعدام الأمان، ويغرق الناس في الخوف من المستقبل الإحساس بالعجز. ويقود ذلك إلى تعميق ما يعرف بـ'العجز المتعلم'، حيث يشعر الفرد بأنه عاجز ليس فقط عن تغيير حياته، بل حتى عن التأثير في الواقع الاجتماعي. كذلك يولد هذا الخوف والإحساس بالعجز غضباً مكبوتاً، ويزيد احتمالات انتشار العنف في العلاقات الاجتماعية."
وترى آلاله أن النظام الإيراني يسعى إلى خلق مجتمع يعاد فيه إنتاج الخوف والقلق والعجز والصدمة باستمرار، قائلة "يبذل النظام كل ما في وسعه لإظهار مشاهد تعزز هذه المشاعر. فالمجتمع الذي يعيش باستمرار تحت وطأة الخوف والقلق والعجز، وتبقى فيه ذكرى الضعف حاضرة، يجد صعوبة في تنظيم احتجاجاته، وتتراجع فيه الثقة الاجتماعية والإحساس بالأمان النفسي."
واختتمت بالقول "هذا تحديداً ما يريده النظام الإيراني: تقويض الثقة الاجتماعية والأمن النفسي، وتطبيع العنف داخل المجتمع. وكلما تعمقت هذه الأضرار، بدا القائمون على القمع أكثر قوة، وازدادت فرص استمرارهم في السلطة".
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"