ملخص
إعداد القوة اللازمة وتسليحها بالقانون والاتفاقات المناسبة نقاط تلخص خطة الحكومة البريطانية لوقف "هجرة القوارب"، تبدو النتائج ليست كبيرة حتى اليوم ولكن الأعمدة الأربعة للخطة إنما تبشر باحتمال تحقيق حزب "العمال" وعده الانتخابي في إنهاء هذه المشكلة التي ورثها من الحكومات المحافظين التي سبقته.
عندما تولى السير كير ستارمر رئاسة وزراء بريطانيا في الرابع من يوليو (تموز) 2024 كان إلغاء خطة ترحيل المهاجرين إلى رواندا بين قراراته الأولى، وبعدها تعهد بالقضاء على الهجرة غير الشرعية عبر هزيمة عصابات تهريب البشر التي تحمل اللاجئين من كل أنحاء العالم إلى سواحل فرنسا ومن هناك توصلهم إلى الشواطئ الإنجليزية.
مع مرور الأشهر وجد رئيس الوزراء مثل أسلافه، أن معالجة أزمة القوارب الصغيرة أسهل قولاً من الفعل، ومع إجمال 50 ألف مهاجر وصلوا البلاد منذ سكن ستارمر المنزل رقم 10 وسط لندن، أصبح السؤال مشروعاً حول الأدوات التي تستخدمها الحكومة العمالية في لندن من أجل التعامل مع مشكلة ورثتها عن سابقتها المحافظة.
أول إجراءات الحكومة الجديدة كان إنشاء قيادة لأمن الحدود، وتنسيق قوتها مع وكالة مكافحة الجريمة الوطنية وجهاز الاستخبارات الداخلية "MI5" لتعطيل عصابات مهربي البشر، مول المشروع بنحو 10 ملايين جنيه إسترليني وقررت وزارة الداخلية تسليحه بقانون يضع تلك العصابات في مقام المنظمات الإرهابية لتوسع الحرب عليها.
في ديسمبر (كانون الأول) 2024 قدّم ضباط وكالة مكافحة الجريمة معلومات استخباراتية دعماً لعملية أوروبية استهدفت شبكة قوارب صغيرة مما قاد إلى اعتقال 17 شخصاً في ألمانيا وفرنسا وصودرت عشرات القوارب والمحركات لعصابات تهريب البشر التي تنشط بشكل كبير على امتداد السواحل الأوروبية المطلة على بريطانيا.
خلال الشهر الجاري اعتقلت الوكالة ذاتها رجلاً في برمنغهام بعد تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية حول عصابة تعمل في القنال الإنجليزية، وعلى رغم أن القوانين تسمح للشرطة باعتقال من "يقودون" الناس في الدخول بشكل غير قانوني إلى المملكة المتحدة، فإن الاعتقالات لم تتجاوز 500 شخص منذ وصول "العمال" إلى السلطة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مشروع قانون "أمن الحدود واللجوء" الذي أعدته وزارة الداخلية البريطانية في يناير (كانون الثاني) الماضي كان الأداة الثانية، عندما يدخل حيز التنفيذ سيمنح سلطات إنفاذ القانون سلطة تفتيش ومصادرة ممتلكات مهاجري القوارب بما في ذلك الهواتف، ويسقط حق الحماية من العبودية الحديثة عن الوافدين إلى البلاد بطرق غير شرعية.
القانون اليوم يناقش تحت قبة مجلس اللوردات وربما يرى النور نهاية العام الجاري، لكن الحكومة لا تقف مكتوفة الأيدي إلى ذلك الوقت، فقد زادت من عدد طواقم العاملين على حسم طلبات اللجوء بين رفض وقبول لتسريع عملية ترحيل المهاجرين الذين لا يتمتعون بحق البقاء في المملكة المتحدة على أساس الحاجة إلى مكان آمن بعيداً من الحرب أو الاضطهاد.
تشير الأرقام الرسمية إلى أنه خلال العام الأول للحكومة العمالية تم ترحيل أكثر من 35 ألف شخص، بواقع زيادة 13 في المئة مقارنة بالعام الذي سبقه الذي كان فيه حزب المحافظين يقود الحكومة وأُبِعد خلاله ما يزيد على 31 ألف مهاجر.
الترحيل هو أداة بريطانيا الثالثة، صحيح أن رقم المرحلين عبر الحكومة الجديدة يبدو مبشراً لكنه يبقى أقل من معدل الوصول إلى المملكة المتحدة الذي زاد بنسبة 48 في المئة بين العام الأول للعمال والسنة الأخيرة للمحافظين في السلطة، وربما العائق الرئيس هنا يتمثل بإيجاد الدولة الثالثة الآمنة التي يمكن إرسال القادمين بحراً إليها.
تجري حكومة العمال مفاوضات مع دول عدة في هذا الصدد لكنها لم تنجح في إيجاد بديل عن "رواندا" الأفريقية حتى اليوم، كانت لندن تعول على ألبانيا لتساعدها كما ساعدت إيطاليا، لكن مسؤولي تيرانا أكدوا لستارمر أن روما حال خاصة.
تدرس وزارة الداخلية التعاون مع دول مثل كوسوفو وصربيا ومقدونيا الشمالية والبوسنة والهرسك في ترحيل اللاجئين، لم تبدأ محادثات رسمية مع أي منها بعد لكن الوزراء يرغبون في إحراز تقدم بحلول موعد استضافة بريطانيا لاجتماع يضم قادة دول البلقان في لندن خلال خريف العام الجاري، وفق ما نقلته صحيفة "التايمز".
في مساعي وقف هجرة القوارب أيضاً كثفت الحكومة العمل على تعزيز التعاون مع فرنسا في محاربة عصابات تهريب البشر أولاً، ثم أبرمت اتفاقاً مع باريس "واحد مقابل واحد" من أجل ترحيل المهاجرين غير المستحقين للجوء مقابل توطين من امتلكوا مبرراً أو لهم صلات عائلية مع مقيمين ومواطنين في المملكة المتحدة.
لا يزال من المبكر الحكم على نجاعة هذا الاتفاق لأنه يمر بمرحلة تجريبية وقابلة للتعديل أو الإلغاء بناء على نتائج التطبيق الأولية، ولكن بالنسبة إلى حكومة بريطانيا كل فعل يمكن أن يقود إلى تحررها من صداع هجرة القوارب لن تتأخر عنه ولن تتردد في تمهيد الطريق له سواء جنت ثماره بسرعة أو كان تأثيره على المدى المتوسط.
والتعاون مع فرنسا والاتحاد الأوروبي عموماً في هذا الصدد هو الأداة الرابعة والأهم بالنسبة إلى الحكومة العمالية في لندن، ذلك لأن أزمة الهجرة غير الشرعية بحد ذاتها تفجرت بعد طلاق لندن وبروكسل قبل خمسة أعوام، حتى إن الرئيس إيمانويل ماكرون قال أخيراً إن "هجرة القوارب التي تعانيها بريطانيا هي بسبب بريكست".
وتقول التقارير إن تهريب البشر بات تجارة أفضل من المخدرات في عائداتها، وهو ما قد يفسره الطلب الكبير عليها حتى باتت عصابات المهاجرين تحقق أرباحاً بمليارات الدولارات وتستقطب أشخاصاً من مختلف بقاع العالم بغرض الوصول إلى المملكة المتحدة تحت عناوين ومسميات مختلفة لكن جميعها لم تعد مقبولة للندن.
وتشير بيانات الحكومة البريطانية إلى جنسيات عدة تقصد حملتها المملكة المتحدة، بعضها تعود لدول تعاني حروباً وويلات وأخرى آمنة لكن أوضاعها الاقتصادية غير مستقرة، لذا يركب أبناؤها الموت من أجل العمل في السوق السوداء البريطانية أو حتى الانضمام لأعمال مخالفة للقانون وتجارة تلاحق الدولة مروجيها.
من بين الجنسيات التي أثارت قلق بريطانيا أخيراً الفيتنامية، إذ تقدر الأرقام وجود أكثر من 70 ألف فيتنامي يقيمون في البلاد من دون وثائق رسمية، وتبين التقارير أن ما يزيد على 3600 شخص جاؤوا في 2024 مقارنة بفيتنامي واحد دخل عام 2019، وهو آخر عام أمضته المملكة المتحدة في عضوية الاتحاد الأوروبي.