Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"قميص المقصلة" يربك زعيم "الخضر" البريطاني

زاك بولانسكي أول مثلي يقود حزباً سياسياً رئيساً في إنجلترا ويخلط أوراق اليسار بسرعة

زاك بولانسكي يتزعم حزب الخضر البريطاني منذ 2025 (غيتي)

ملخص

صورة واحدة في منشور جماعي على "إنستغرام" وضعت زعيم حزب الخضر البريطاني زاك بولانسكي تحت تحريات شرطة العاصمة، وأعادت فتح ملف علاقته المضطربة بمنصات التواصل. خصمه نايجل فاراج طالب باعتقاله، وهو يرفض الاعتذار له على رغم إقراره بالخطأ، في مواجهة تختصر أسلوب رجل بنى صعوده السريع على الاشتباك المباشر. الأزمة تأتي بعد أقل من عام حوّل خلاله حزباً هامشياً إلى ثاني قوة في استطلاعات الرأي، وبعد ثلاثة أشهر فقط من زلة مشابهة مع الشرطة.

في الـ26 من يوليو (تموز) 2026 قبل زاك بولانسكي طلب مشاركة على "إنستغرام" لمنشور يضم 20 صورة من فعالية لحزب الخضر. في إحدى الصور ظهر رجل يرتدي قميصاً أسود عليه رسم مقصلة كبيرة تحت عبارة مستوحاة من أغنية لفرقة "إكس تي سي" في عام 1979 تقول "إننا نضع الخطط لنايجل فقط"، وقال متحدث باسم الحزب إن "بولانسكي ضغط زر القبول من دون أن ينتبه إلى ما لم يره"، كما أعلن مصور مستقل مسؤوليته عن الصورة واعتذر لبولانسكي قائلاً إن الأمر ليس خطأه.

ما فعله بولانسكي جاء في وقت تتصاعد فيه المخاوف على سلامة النواب والمسؤولين المنتخبين، وقد طالب زعيم حزب "ريفورم" نايجل فاراج باعتقال بولانسكي، وقال المتحدث باسم الشؤون الداخلية في "ريفورم" ضياء يوسف إن "الصورة تمثل دعوة إلى قطع رأس فاراج، وقد ترقى إلى تحريض على القتل"، أبلغ الحزب شرطة العاصمة كما يعتزم تقديم شكوى إلى مسؤول الرقابة في هيئة لندن الكبرى حيث يشغل بولانسكي مقعداً منتخباً.

ربط قادة "ريفورم" الحادثة بمقتل النائبة السابقة آن ويدكومب قبل أسبوعين، فيما قال وزير العمل والمعاشات بات مكفادن إن على جميع السياسيين واجب الحذر في ما ينشرونه، وعلى رغم ذلك قررت الشرطة غلق الملف من دون أخذ مزيد من الإجراءات.

في أول مقابلة له بعد هذا الجدل رفض بولانسكي تقديم اعتذار لفاراج، وقال لهيئة الإذاعة البريطانية إن المنشور كان خطأ يقر بأنه غير صحيح، وإنه يدين العنف السياسي، لكنه لو كان تعمّد نشره لاعتذر. واتهم فاراج بتصعيد القضية بطريقة غير أمينة جوهرياً، معتبراً أن الاعتذار سيمنح خصمه ذريعة لمواصلة التصعيد، وأنه يفضل عدم الدخول في لعبته مع الإقرار بضرورة حماية فاراج وإدانة العنف السياسي.

ليست هذه أول مرة تضع فيها منصات التواصل بولانسكي في مأزق، على رغم أنها كانت أداته الأولى في الصعود، فله بودكاست أسبوعي بعنوان (بولد بوليتيكس) دخل قائمة أكثر البرامج الإخبارية استماعاً في بريطانيا خلال أسبوع من إطلاقه، ويتابعه على "إنستغرام" وحده أكثر من 713 ألف شخص.

في أبريل (نيسان) 2026 أعاد زعيم "الخضر" نشر تغريدة اتهمت الشرطة بركل رجل مصاب باضطراب نفسي في رأسه وبعنف، بعدما كان قد أُصيب بالفعل بصاعق كهربائي، وذلك خلال توقيف منفذ هجوم "غولدرز غرين". ورد مفوض شرطة العاصمة مارك رولي برسالة وصف فيها المنشور بغير الدقيق والمضلل، وقال إن انتقاد هؤلاء الضباط باستخدام حضوره العام سيخلّف أثراً مثبطاً، مضيفاً أن الجاليات اليهودية في لندن خائفة وتتوقع من الضباط حمايتها. اعتذر بولانسكي عن مشاركة التغريدة على عجل، وقال إن على كل من يتولى القيادة مسؤولية تهدئة الأجواء في وقت شديد التوتر. ووصفه رئيس الوزراء آنذاك كير ستارمر بأنه غير مؤهل لقيادة أي حزب سياسي، فيما قال بولانسكي لاحقاً إن الشرطة يجب ألا تكون فوق المساءلة، لكنه يقر بأن منصات التواصل لم تكن المنبر المناسب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المهاجر الممثل

الرجل الذي يخوض هذه المعارك اليوم لم يكن قبل عام سوى نائب لزعيم حزب صغير. ولد باسم ديفيد بولدن في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1982 في "سالفورد" بمدينة مانشستر الكبرى، حيث نشأ. وكان أجداده اليهود قد انتقلوا إلى بريطانيا من بولندا هرباً من الاحتلال النازي، لكن أصولهم تعود إلى لاتفيا التي فروا منها بسبب المذابح في مطلع القرن الـ20، مروراً بأوكرانيا ثم بولندا، وقد تبنت العائلة اسم بولدن أملاً في تفادي معاداة السامية.

انفصل والداه حين كان في الـ11، وفي سن الـ18 غير اسمه مستعيداً لقب العائلة الأصلي بولانسكي، قائلاً لاحقاً إن الاعتزاز بهويته كان مهماً له، واختار الاسم الأول زاك تيمناً بشخصية يهودية تحمل الاسم ذاته في رواية (ليلة سعيدة سيد توم)، وتمييزاً لنفسه عن زوج أمه الذي يحمل اسم ديفيد أيضاً ولم تكن علاقته به جيدة. ودرس في مدرسة الملك ديفيد اليهودية الثانوية في مانشستر، ثم في "ستوكبورت" النحوية بمنحة دراسية، وتعرض للتنمر في مراهقته لكونه يهودياً ومثلياً، قبل أن يدرس علم الاجتماع والدراما في جامعة "أبريستويث" بين 2003 و2006.

عمل بولانسكي ممثلاً في المسرح الغامر وقدّم عروضاً في برج لندن، ودرّس في أكاديمية "الفنون الحية والمسجلة" وفي "المركز الوطني لفنون السيرك"، كذلك عمل معالجاً بالتنويم المغناطيسي في عيادة بشارع هارلي. وعام 2013 طلبت منه صحافية في جريدة (ذا صن) جلسة تنويم لتكبير حجم صدرها وتحسين ثقتها بجسدها، وظهر بولانسكي في المقال المنشور الذي زعمت فيه الصحافية أن حجم صدرها قد زاد فعلاً. وحين سُئل عن القصة بعد فوزه بالزعامة قال إنه "اعتذر عنها قبل 12 عاماً ثم كرر الاعتذار"، غير أن هيئة الإذاعة البريطانية أفادت في مارس (آذار) الماضي بأنها بحثت في سجلات برامجها، ولم تعثر على أثر للمقابلة التي قال إنه اعتذر فيها في اليوم التالي للنشر.

 

تحول حزبي

انتسب بولانسكي إلى الحزب الليبرالي الديمقراطي عام 2015 وترشح لانتخابات فرعية لمجلس بلدية كامدن، ثم لعضوية الجمعية التشريعية في لندن خلال عام 2016. وفي يونيو (حزيران) من العام ذاته قاطع خطاباً لجيرمي كوربن في تجمع لحركة "مومنتوم" منتقداً إياه لعدم دعمه الاتحاد الأوروبي بما يكفي. وعام 2017 غادر "الليبراليين" والتحق بحزب الخضر، وقال لاحقاً إن السبب كان استياءه من دعم "الليبراليين" الغارات الجوية في سوريا. وشارك في احتجاجات حركة التمرد ضد الانقراض، واعتُقل في إحداها خلال أبريل 2019، قبل أن يُنتخب عضواً في الجمعية التشريعية بالعاصمة لندن في مايو (أيار) 2021، ونائباً لزعيم "الخضر" في سبتمبر (أيلول) 2022.

فاز بولانسكي بزعامة الحزب في الثاني من سبتمبر 2025 بـ20411 صوتاً، وفي انتخابات دائرة "غورتون ودينتون" الفرعية في فبراير (شباط) 2026 فازت مرشحة "الخضر" هانا سبنسر بـ14980 صوتاً، متقدمة على مرشح حزب "ريفورم" ماثيو غودوين ومرشحة "العمال" التي تراجعت إلى المركز الثالث. وبعدها أظهر استطلاع لمؤسسة "يوغوف" تقدم "الخضر" إلى المركز الثاني بين الأحزاب في نوايا التصويت بـ21 في المئة، مقابل 16 في المئة لكل من "العمال" و"المحافظين" و23 في المئة لـ"ريفورم"، وارتفعت عضوية الحزب من نحو 55 ألفاً حين ترشح بولانسكي للزعامة إلى ما يفوق 220 ألفاً.

في الانتخابات المحلية لعام 2026 حصد "الخضر" 587 مقعداً في المجالس البلدية بزيادة 441 مقعداً، وهي أكبر زيادة في تاريخ الحزب، وسيطروا على عدد من مجالس لندن وعلى نورويتش وهيستنغز، وفازوا بأول منصبي عمدة في هاكني ولويشام، فيما دخل حزب الخضر الويلزي البرلمان المحلي بعضوين للمرة الأولى.

وُصف بولانسكي عند انتخابه بأنه أول رجل مثلي يقود حزباً سياسياً في إنجلترا وويلز، لكن الوصف الأوسع الذي يجعله أول مثلي يقود حزباً في بريطانيا غير دقيق. فباتريك هارفي أصبح عام 2008 أول رجل معلن عن مثليته يقود حزباً سياسياً في اسكتلندا حين تولى رئاسة حزب الخضر الاسكتلندي، وسبقته روث ديفيدسون عام 2011 كأول امرأة في هذا الموقع باسكتلندا، فيما صار آدم برايس عام 2018 أول رجل معلن يقود حزباً في ويلز عبر حزب "بلايد كمري"، وفي 2020 قادت ماندو ريد حزب "المساواة النسائية" كأول امرأة سوداء مزدوجة الميل الجنسي تتولى زعامة حزب بريطاني.

الأمر نفسه ينطبق على وصفه بأول يهودي يقود حزباً سياسياً بريطانياً، فهربرت صامويل قاد الحزب "الليبرالي" بين 1931 و1935، ومايكل هوارد قاد حزب المحافظين بين 2003 و2005، وإد ميليباند قاد "العمال" بين 2010 و2015، قبل تزعم بولانسكي "الخضر" منذ 2025. والوصف الأدق، كما نشرته صحيفة (ذا جويش كرونيكل)، هو أنه أول يهودي يقود "الخضر"، وأول يهودي يتولى زعامة حزب بريطاني رئيس منذ استقالة ميليباند عام 2015.

 

يقول بولانسكي إنه نشأ صهيونياً ثم غيّر موقفه لاحقاً، متأثراً جزئياً بحوارات مع قدامى جنود إسرائيليين أعضاء في منظمة (كسر الصمت). هو "فخور بيهوديته لكنه ليس صهيونياً"، يقول ذلك ويتحدث في معظم مقابلاته عن إبادة جماعية في غزة، وشارك متحدثاً في تجمع لحملة التضامن مع فلسطين في يناير (كانون الثاني) 2025 وفي مؤتمر لحركة المقاطعة في يوليو من العام ذاته، وأعلن تضامنه مع مجموعة (بالستاين أكشن) عند حظرها.

ويعتبر بولانسكي أن الحكومة البريطانية مشاركة فعلية في الإبادة في غزة، ويقول إنها تخلط بين اليهود وإسرائيل بما يجعله يشعر بأمان أقل بصفته يهودياً. وخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 2026 دعا إلى فرض عقوبات على إسرائيل، وطالب في مؤتمر حزبه الأول بإنهاء مبيعات السلاح إليها. وفي المقابل يصف معاداة السامية بأنها مشكلة حقيقية، ويقول إن هدفه أن يتصدى "الخضر" للاتهامات الزائفة بمعاداة السامية وأن يعالجوا في الوقت ذاته حالاتها الفعلية، وقد أعلن إجراءات فحص أشد وتدريباً إلزامياً بعد اتهامات طاولت مرشحين في حزبه. وفي مايو الماضي اتهم صحيفة (ذا تايمز) بنشر رسم كاريكاتوري معادٍ للسامية يصوره بأنف معقوف، وقال إن شخصين اعتُقلا على خلفية حوادث معادية للسامية استهدفته.

الرهان الآن على ما إذا كانت أزمة قميص المقصلة ستكبح صعود "الخضر" أم ستضاعف حضورهم الإعلامي. فآخر استطلاع لـ"يوغوف" في يوليو الماضي أظهر أن 20 في المئة من البريطانيين ينظرون إلى بولانسكي نظرة إيجابية مقابل 46 في المئة نظرة سلبية، بصافي ناقص 26 نقطة، وهو رقم يبقى أفضل من صافي فاراج البالغ ناقص 46 نقطة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية تيم بيل من جامعة "كوين ماري" في لندن، أن "الخضر" تحولوا في عهده إلى حزب أكثر ليبرالية يسارية وانشغالاً بغزة منه بالبيئة، وأن ارتفاع تقييماته يعود جزئياً إلى مهاراته الاتصالية العالية وجزئياً إلى حروب إسرائيل وإلى إحباط الناخبين الليبراليين اليساريين من خطاب حكومة العمال المتشدد في ملف الهجرة.

يعتزم بولانسكي الترشح لمجلس العموم في الانتخابات العامة المقبلة عن دائرة قريبة من منزله في شمال لندن، فيما يقول إن هدفه الأول ليس رئاسة الحكومة بل زيادة عدد النواب وإمساك "الخضر" بميزان القوى، بما يفتح الباب أمام التمثيل النسبي وضريبة الثروة. أما في حياته الشخصية فهو نباتي ولا يشرب الكحول ولا يتعاطى المخدرات، ويرتبط منذ 2019 بشريكه ريتشي براين العامل في مجال الرعاية التجميلية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير