ملخص
تدور مفاوضات بين لندن وباريس لتجديد اتفاق بطلت صلاحيته نهاية مارس الماضي، الموضوع هو وقف هجرة القوارب من السواحل الفرنسية إلى الشواطئ البريطانية، لكن لكل من البلدين شروط تصعب عملية الوصول إلى تفاهم جديد تريده المملكة المتحدة أكثر جدوى، وتراه فرنسا عبئاً مالياً لا تريد تحمله.
رفضت باريس اقتراحاً قدمته لندن يقضي بنشر سفن بريطانية لاعتراض قوارب اللاجئين الصغيرة وإعادتها إلى فرنسا، ولكن حكومة المملكة المتحدة بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر تريد نتائج أفضل لخططها في وقف الهجرة غير الشرعية إلى البلاد براً وبحراً، وبخاصة أنها تنفق مبالغ كبيرة سنوياً في هذا الإطار.
وطرحت وزير الداخلية البريطانية شبانة محمود هذا الخيار في سياق مفاوضات تجري بين البلدين حالياً، لتجديد اتفاق لوقف حركة المهاجرين غير الشرعيين من الشواطئ الفرنسية إلى إنجلترا، انتهت صلاحيته خلال مارس (آذار) الماضي، ومُدد شهرين فحسب لعل المحادثات تحسن من شروطه لمصلحة لندن.
تدفع لندن لباريس في إطار هذا الاتفاق ملايين الجنيهات لمنع قوارب المهاجرين من الإبحار انطلاقاً من السواحل الفرنسية، ولكن نتائج هذا التعاون لا تبدو كافية، ولا يشعر البريطانيون أن أشقاءهم على الضفة المقابلة لبحر القنال الإنجليزي يبذلون جهوداً كبيرة من أجل وقف تدفق اللاجئين على ظهر قوارب مطاطية صغيرة.
وعبر أكثر من 100 مهاجر القناة الإنجليزية أمس الأربعاء، مما يرفع إجمال عدد الوافدين عبر البحر هذا العام إلى ما يزيد على 5 آلاف، إذ استغل المهربون الطقس الدافئ لإرسال مزيد من القوارب المطاطية المحملة بلاجئين "يتعاجز" خفر السواحل الفرنسي بعض الأحيان عن وقفهم وفقاً لتقارير بريطانية.
ثمة مخاوف حقيقية في بريطانيا من حدوث زيادة حادة في أعداد العابرين هذا الصيف إذا لم تتوصل لندن وباريس إلى اتفاق جديد لتمويل دوريات الشواطئ الفرنسية، ليس بغرض تقليل النفقات وإنما لزيادة كفاءة العمل، إذ تريد المملكة المتحدة رفع نسبة اعتراض الزوارق، بحسب صحيفة "لو كانار ديشانيه".
كشفت الصحيفة الفرنسية أن محمود تريد زيادة نسبة اعتراض باريس للقوارب من 33 في المئة حالياً إلى 75 أو 80 في المئة، لكن مصدراً في وزارة الداخلية البريطانية نفى ذلك، دون أن يكشف عن النسبة التي تطالب بها لندن لتجديد الاتفاق، لكنه قال إنها يجب أن تكون أكبر من الواقع الراهن بصورة ملحوظة.
وأظهرت أرقام نشرتها "الداخلية البريطانية" أخيراً أن معدل الاعتراض الفرنسي لقوارب المهاجرين انخفض إلى أدنى مستوى له على الإطلاق حتى الآن خلال عام 2026، إذ أوقفت باريس 2064 محاولة عبور فحسب من أصل 6233 عملية نجح أصحابها في الإبحار في القنال والوصول إلى سواحل إنجلترا.
ترفض فرنسا تقديم ضمانات لبلوغ النسبة المأمولة، فاقترحت بريطانيا أن تعتمد على نفسها في ردع قوارب المهاجرين عبر نشر ست زوارق تابعة لقواتها البحرية، يبلغ طول كل منها 42 متراً، وخمس سفن نقل تجارية تابعة لقيادة أمن الحدود، إضافة لقوارب مطاطية صلبة تبحر في المياه الإقليمية الفرنسية.
بموجب الاقتراح كانت السفن البريطانية ستعترض القوارب الصغيرة قبل وصولها إلى المياه الإقليمية للمملكة المتحدة، وتقوم بإنقاذ المهاجرين الموجودين على متنها وإعادتهم إلى شمال فرنسا، ولكن باريس عدت المياه الإقليمية الفرنسية خطاً أحمر لا يسمح بتجاوزه أبداً، ولا تقبل بوجود قطع لدولة أجنبية فيها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كشفت تقارير صحافية محلية أيضاً أن الحكومة البريطانية مولت شراء 100 سيارة استخدمتها قوات الشرطة الفرنسية في منطقة "كاليه"، للقيام بدوريات بحثاً عن المهاجرين غير الشرعيين ومهربي البشر، وذلك في إطار الاتفاق الذي استمر ثلاث سنوات متتالية، وانتهت صلاحيته في ختام مارس الماضي.
بلغة الأرقام ربع سيارات الشرطة الفرنسية التي تتحرك في منطقة كاليه ممولة من بريطانيا، ضمن تمويل قارب نصف مليار جنيه استرليني أنفقته المملكة المتحدة على الاتفاق، ثم أضافت 16.5 مليون لتمديده حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، لعلها تنجح في تحسين شروط العمل مع باريس في هذا الشأن.
تريد محمود أن تبني الاتفاق الجديد مع باريس على أساس الدفع مقابل النتائج، أي إن بريطانيا ستنفق على جهود وقف قوارب المهاجرين وملاحقة مهربي البشر بقدر ما تبذل فرنسا من جهود في هذا الإطار، ولكن باريس لديها موازنة للأدوات والآليات التي تطالب بها لندن لا بد من تسديدها مسبقاً ودون انتظار.
تريد محمود زيادة عدد أفراد الشرطة الفرنسية المكلفين برصد وتتبع المهاجرين، إذ تخصص باريس اليوم 700 ضابط لهذه المهام وتشترط على لندن دفع رواتب أي زيادة عددية، إضافة إلى دفع معاشات موظفي مركز احتجاز جديد للمهاجرين في "دنكيرك"، وثكنة للشرطة يقوم عناصرها بدوريات على الشواطئ.
رفضت محمود بنود الإنفاق الجديدة التي تشترطها فرنسا لتجديد الاتفاق، فيما حذر الأمين العام لشؤون البحر في فرنسا كزافييه دوسيبت من أن ربط التمويل البريطاني بعدد عمليات الاعتراض الفرنسية لن يكون ممكناً، لأن ذلك من شأنه أن يعرض الأرواح للخطر في البحر، كما أن الاعتراض لا يقتصر على المياه فحسب.
بحسب وزارة الداخلية البريطانية، فإن الاتفاق مع باريس ساعد أجهزة إنفاذ القانون على تفكيك عصابات تهريب البشر في مناطق أبعد من الشواطئ الفرنسية، مما منع عبور 4000 مهاجر إضافي العام الماضي، فيما تشير الأرقام إلى أن عدد اللاجئين إلى البلاد عبر البحر بلغ نحو 70 ألفاً منذ وصول ستارمر إلى السلطة.
عند الحديث عن ضبط الحدود في المملكة المتحدة، تبدو أرقام القادمين عبر البحر قليلة مقارنة بأعداد الوافدين إلى البلاد للعمل أو الدراسة أو غيرهما، لكن "لاجئي القوارب" باتوا يفرضون تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية تجعل من الصعب على حكومة لندن تجاهلهم واستثناءهم من خطط تقليص أعداد المهاجرين.
بعض "مهاجري القوارب" يتورطون في جرائم ومخالفات قانونية، وهناك من لا يحق لهم طلب اللجوء ولكن بلدانهم الأصلية ترفض استعادتهم، وفئة ثالثة تتقدم إلى اللجوء سعياً وراء المساعدات الحكومية، فتمتنع عن العمل ولا تبذل جهوداً للاندماج، ناهيك بكلفة إسكان وتوفير خدمات متعددة ومختلفة لجميع هؤلاء.
إضافة إلى ما سبق تضع هجرة القوارب بريطانيا وفرنسا أمام استحقاق إنساني لتجنب موت اللاجئين في بحر المانش، أعداد ضحايا الرحلة بين البلدين تتزايد وقد سجلت أربع وفيات جديدة اليوم بعد غرق قاربهم وفشل محاولة إنقاذهم، فارتفع عدد من قضوا بذات الطريقة منذ بداية العام إلى نحو 30 شخصاً، وفق تقارير صحافية.