Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خيال الظل... حكاية الإنسان المصري بالدمى

يعد من أوائل فنون المسرح العربي ويقدم موضوعات تتنوع بين التراثي القديم والتربوي والفانتازيا والاجتماعي والسياسي

يعد مسرح خيال الظل من أوائل فنون المسرح العربي وهو ممتد منذ عصور طويلة (فرقة ومضة)

ملخص

لم يكن خيال الظل مجرد فن ترفيهي يعرض على الناس للترفيه عنهم فقط لكنه على مدار الزمن كان يمثل منصة للنقد ووسيلة للتعبير عن هموم الناس وأحياناً انتقاد المسؤولين بصورة غير مباشرة كما أنه دائماً ناقل للثقافة الشعبية والعادات والتقاليد وتفاصيل حياة الناس من خلال الحكايات التي يقدمها، وبخاصة أن كثيراً من هذه العروض كانت تقدم في الساحات الشعبية والاحتفالات.

بين فنون تراثية متعددة يعد خيال الظل واحداً من أهم فنون الترفيه والتسلية الشعبية في مصر، فعلى مدار عصور أقيمت مسارح خيال الظل المتنقلة في الشوارع والمناسبات المختلفة، ليلتف حولها الناس مستمعين للحكاية التي تروى غالباً في قالب فكاهي، لكنها تحمل قيمة وحكمة، وتثير خيال المشاهدين من الصغار والكبار على السواء.

يعتمد مسرح خيال الظل على عرائس تحرك من وراء ستار يُسقط عليها الضوء من الخلف بشكل معين فيظهر خيال الدمية ويكون هو بطل الحكاية التي يرويها الممثل الذي لا يراه الناس، وحكايات خيال الظل يطلق عليها "بابات" ومفردها "بابة" مثل بابة التمساح التي تعد من أشهر حكايات خيال الظل المتداولة.

وكانت فنون مثل خيال الظل والأراجوز وصندوق الدنيا وغيرها من فنون الفرجة الشعبية قائمة ومنتشرة، وتعد من أهم وسائل الترفيه حتى عقود مضت، غير أنها بدأت في الانزواء تدريجاً في النصف الثاني من القرن الـ20 مع ظهور وسائل أخرى للترفيه فتوارت تدريجاً كثير من هذه الفنون حتى كاد بعضها يختفي.

بعض المبادرات والفنانين كان لهم محاولات في الإبقاء على هذه الفنون والعمل على إعادة إحيائها، وبخاصة مع قلة الفنانين العاملين بها مع الزمن وعدم دخول أجيال جديدة بالشكل الذي يمكن أن يبقيها حية في مجتمعاتها. جهد كبير قامت به فرقة ومضة ومؤسسها أستاذ المسرح بجامعة حلوان نبيل بهجت للحفاظ على هذا التراث وتعريف الناس به وتقديم الحكايات الشعبية للجمهور والعمل على استمرار وجود فنانين مهتمين بتراث خيال الظل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأخيراً أقيم في مصر مهرجان خيال الظل الأول بالتعاون بين بيت السناري بالقاهرة التابع لمكتبة الإسكندرية وفرقة ومضة، وتضمن إلى جانب عروض خيال الظل معرضاً استعادياً، يضم نماذج تراثية استُخدمت عبر قرون لهذا الفن، إلى جانب النماذج الحديثة في محاولة لإلقاء الضوء على النماذج الجمالية للتصميم العربي والإسلامي لفن خيال الظل، الذي تشابك فيه مع الفنون المختلفة، إضافة إلى ندوات ومناقشات لرواد ومهتمين بتراث خيال الظل.

فن تراثي

يقول نبيل بهجت، مؤسس فرقة ومضة، "خيال الظل واحد من أقدم المسارح العربية، بل إنه مسرح ما قبل المسرح العربي، توارثته الأجيال وهو يعود إلى أقدم العصور، إذ وردت إشارات إليه في أعمال شعراء في القرن الثاني الهجري، ولا يمكن الجزم على وجه الدقة بالبداية الحقيقية له، لكن إرهاصاته الأولى غالباً بدأت في الصين، وتروى هنا حكاية مفادها أن هناك ملكاً ماتت زوجته فحزن عليها كثيراً، وأصابه اكتئاب شديد فقام أحد المحيطين به بعمل ما يشبه السلويت على شكل الزوجة، وكأنها تحدثه من وراء ستار بغرض التخفيف عنه، ويعد هذا شكلاً من أشكال العلاج بالفن، فكانت هذه الواقعة هي بداية ظهور فن خيال الظل، الذي تحول إلى واحد من أهم المسارح الشعبية في العصور اللاحقة في مناطق مختلفة من العالم".

ويضيف، "مع القوافل التجارية انتقل خيال الظل إلى دول أخرى، فوصل إلى إيران ومنها إلى بغداد وانتقل إلى مصر، وتعد أقدم إشارة لفنان قدم خيال الظل هو المعروف بجعفر الراقص، وأقدم نص يعود إلى أبو دانيال الموصلي، وقد هاجر من بغداد لمصر إبان هجوم التتار، وكان شاعراً، وهو صاحب أقدم نصوص مسرحية عربية، فالعرب كان لديهم مسرح منذ زمن طويل، بعكس ما يعتقد كثير من الناس، وفن خيال الظل يعتمد التمثيل من خلال ظل الدمى التي يلقى عليها الضوء من خلف ستار، ويكون الممثلون محجوبين، والممثل هنا لا بد أن يمتاز بمهارات كبيرة، لأنه بصوته يصنع الزمان والمكان والحدث، ويغني ويصنع الفكاهة".

واحدة من أهم المشكلات التي تواجه كثيراً من الفنون الشعبية المختلفة في كل أنحاء البلاد هو انحسار عدد العاملين فيها، وعدم اهتمام شباب الفنانين بها، وتوجههم إلى فنون أخرى ربما أكثر شهرة أو أكثر ربحاً مما يعرض كثيراً من أشكال التراث للفقد مع الزمن، وبخاصة إذا لم توجد مبادرات جادة للحفظ والتوثيق وإعادة الإحياء.

 

يقول بهجت، "الفنون التراثية بشكل عام إحدى مشكلاتها هي قلة الفنانين المهتمين بها، حالياً هناك أربعة فنانين في مصر يمارسون هذا الفن بشكل احترافي، وهم الكنوز البشرية الحية لهذا التراث، وهم مستمرون في تقديم خيال الظل على مدار نحو 25 عاماً متواصلة، فوجود أجيال جديدة تستمر في تقديم هذه الفنون هو أمر شديد الأهمية، وهو السبيل للحفاظ عليها".

ويؤكد "نهدف إلى إعادة الاعتبار لخيال الظل وللتراث والثقافة المصرية عبر هذه الفنون ودائماً كان لدينا تحد بنقل الفنون الشعبية من الهامش إلى المركز، ومن الجدير بالملاحظة أن الغرب عندما بدأ نهضته عاد إلى الأصل، واتجه إلى فنونه المعبرة عن ثقافته، ونحن عندما حاولنا إحداث نهضة مع بداية القرن الـ20 استعرنا إجابة الغرب، واتجهنا إلى كل ما لا يمثل ثقافتنا، واعتمدنا نمطاً غربياً في كل شيء، بينما أي نهضة لا بد أن تنبع من الهوية والتراث والتاريخ، ولهذا اخترنا لمهرجان خيال الظل اسم مسرح التراث الحضاري، لأننا نرغب في تقديم نموذج حضاري للناس تعتمد عليه وتفتخر به وتثق فيه".

يتابع "في عروض خيال الظل التي نقدمها الإقبال يكون كبيراً، لأن الناس لديها حنين لمثل هذه الفنون التراثية، كما يقبل عليها الأجانب بشكل كبير، لأنها ذات قيمة فنية كبيرة، وبخاصة إذا قدمت بشكل يتناول قضايا عصرية تهم الناس وتجذب انتباههم، فإلى جانب النقد السياسي والاجتماعي قدمنا عروضاً تتناول تحديات الإنسان المعاصر، من بينها الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال، وبالفعل لدينا 36 عرضاً لخيال الظل، وقدمنا عروضاً في 30 دولة".

الخيال والمُخايل

في فن خيال الظل يعرف الفنان الذي يختفي وراء الستار ويقوم بتحريك الدمية بالمُخايل، وهو العنصر الرئيس لنجاح العرض، لأنه هو من ينقل الفكرة والحكاية للناس سواء بصوته أو بتحريكه للعروسة بالصورة التي تتوافق مع الحكاية، وهي مهمة تتطلب مهارة كبيرة، لأنه يتحكم في عدد من العناصر في الوقت ذاته وكلها أساسية لنجاح العرض.

يقول فنان خيال الظل مصطفى عبدالعزيز الصباغ، "المخايل أعز الألقاب إلى قلبي، وهو يحتاج إلى مهارات، مثل التحكم في الصوت ودرجاته والقدرة على الغناء والارتجال، بل والتأليف أحياناً، إضافة إلى ضرورة العمل الجماعي مع الفريق، عملت مع فرقة ومضة على مدار سنوات في عروض خيال الظل واستطاعت أن تنطلق بفن محلي للعالمية والعمل على إعادة إحيائه والحفاظ عليه، واستلهمت أخيراً بعض نماذج خيال الظل وأسلوبه في عمل معرض مستوحى من تصميم دمى خيال الظل وإنتاج بعض عروض الحكي القصيرة للأطفال معتمداً على خيال الظل".

 

بينما يشير الفنان على أبو زيد إلى أن "خيال الظل فن له سحره الخاص، والمخايل هو من يمتلك مفاتيح الإبهار والدهشة التي تظهر في أعين الجمهور، حتى إن بعضهم بمجرد الانتهاء من العرض يقترب من الشاشة في محاولة للتعرف على سر هذا الفن، وعلى المخايل أن يتقن كل تفاصيل تنفيذ العرض وتصنيع العرائس والشاشة وتنفيذ الإضاءة وجميع متطلبات العرض، يحمل هذا الفن ملامح من تاريخ مصر وتجربتي معه إنسانية في المقام الأول على مدار أكثر من 20 عاماً".

بينما يقول الفنان صلاح بهجت، "بمجرد أن يبدأ العرض يصبح المخايل هو الدمية سواء كانت طفلاً أو رجلاً أو حيواناً، وعندما تكون خلف الشاشة تتعدد المهام مثل الأصوات والحركات لتخرج مع النور لوحات تمثيلية يغيب عنها الممثل ويحضر ظل الدمى، على المخايل أن يجيد مهارات متعددة فعليه أن يصلح العروسة إذا تمزقت وعليه أن يفعل كل شيء في مصلحة العرض، وعلى الرغم من أن المخايل يختفي خلف الستار، لكنه سعيد وقانع بالتأثير الذي يتركه على وجوه الكبار والصغار من ضحكات وأفكار وأسئلة في ذهن مشاهديه".

الحكايات والثقافة الشعبية

لم يكن خيال الظل مجرد فن ترفيهي يعرض على الناس للترفيه عنهم فقط، لكنه على مدار الزمن كان يمثل منصة للنقد ووسيلة للتعبير بشكل غير مباشر عن هموم الناس وأحياناً انتقاد المسؤولين بصورة غير مباشرة، كما أنه دائماً ما كان ناقلاً للثقافة الشعبية والعادات والتقاليد وتفاصيل حياة الناس من خلال الحكايات التي يقدمها، وبخاصة أن كثيراً من هذه العروض كانت تقدم في الساحات الشعبية، وفي الاحتفالات مثل الموالد فكانت الحكايات من الناس وإليهم، ولا بد أن تعبر عنهم حتى يقبلوا عليها.

 

يقول فنان خيال الظل محمود سيد حنفي، "منذ صغري لدي شغف لا ينتهي بالفنون الشعبية والتراثية، منذ كنت أتابع عروض مولد السيدة زينب، فأنا أحد أبناء هذا الحي المصري العريق، وكانت هذه الفنون أهم ما يقدم وينتظرها الناس من العام للعام، وهو ما دفعني إلى دراسة التمثيل والإخراج بجامعة حلوان، من خلال خيال الظل نقدم موضوعات متعددة منها التراثي القديم والتربوي والفانتازيا والاجتماعي والسياسي، وقدمنا عروضاً بالتعاون مع فرق أجنبية، وقدمنا عروضاً وورشاً في أكثر من 30 دولة لفتح الآفاق حول تلك الفنون التراثية مثل الأراجوز وخيال الظل".

اقرأ المزيد

المزيد من فنون