ملخص
بعد الصدام بين دونالد ترمب وفولوديمير زيلينسكي، والتقارب الدافئ بين البيت الأبيض والكرملين، بدأت العلاقة الأميركية -الأوكرانية تستعيد زخمها، مدفوعة بجهود كييف لاستمالة الإدارة، وتقدمها في تقنيات الطائرات المسيّرة، وتزايد الشكوك في جدية موسكو تجاه السلام مع دعمها إيران، وجاء تحول الناشطة المقربة من ترمب، لورا لومر، من مهاجمة أوكرانيا إلى الاعتذار من ترديد روايات روسية ودعم زيلينسكي، مؤشراً على تبدل أوسع داخل قاعدة "ماغا" الجمهورية.
ما إن عاد دونالد ترمب للبيت الأبيض العام الماضي حتى بدت قائمة خصومه المحتملين جاهزة، وكان في مقدمهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي واجه هجمات شرسة من قاعدة "ماغا" المحافظة، حين حمّلته مسؤولية إطالة الحرب مع روسيا، والفساد المستشري في كييف، وانتقدت الدعم العسكري المفرط الذي قدمته إدارة جو بايدن، وما اعتبرته جحوداً من كييف للولايات المتحدة.
وكانت المؤشرات جميعها تنذر بصدام أميركي - أوكراني، يقابله تقارب بين البيت الأبيض والكرملين، وهو ما حدث بالفعل، ففي فبراير (شباط) 2025 اندلعت مشادة عاصفة بين ترمب وزيلينسكي داخل المكتب البيضاوي، أعقبها إيقاف بعض المساعدات الأميركية لكييف، وفي المقابل شهدت العلاقة بين الرئيس الاميركي وفلاديمير بوتين تقارباً دافئاً، بلغ ذروته خلال قمتهما في ألاسكا خلال أغسطس (آب) الماضي.
لكن مع مرور الوقت بدأ الموقف الأميركي يتغير، فبينما تعثرت جهود السلام وتصاعدت الشكوك في نيات موسكو، أخذت العلاقة بين واشنطن وكييف تستعيد بعضاً من دفئها، وجاءت أحدث علامات هذا التحول من قلب حركة "ماغا" نفسها، بعدما زارت الناشطة اليمينية المقربة من ترمب، لورا لومر، أوكرانيا والتقت زيلينسكي، ثم اعتذرت من مواقفها السابقة، وأقرت بأنها وقعت ضحية حملة تضليل روسية.
ولا تختصر زيارة لومر وحدها هذا الانعطاف، لكنها تكشف تحولاً أوسع صنعته جهود زيلينسكي لاستعادة ثقة ترمب، وتقدم أوكرانيا في تقنيات الحرب الحديثة، والقناعة المتزايدة داخل الإدارة الأميركية بأن موسكو لا تسعى إلى السلام بالجدية التي كانت واشنطن تتوقعها.
إعادة بناء العلاقة
لم تكن مواجهة المكتب البيضاوي معزولة عن خطاب ترمب المعتاد تجاه زيلينسكي، فقد وصفه بأنه "دكتاتور"، وشكك في أحقيته بالمشاركة في محادثات السلام، بينما انضمت أصوات مؤثرة في "ماغا" إلى حملة الهجوم عليه، وعدّت رفضه الشروط الاميركية دليلاً على تعنته، وعدم تقديره للدعم الذي تلقته بلاده، وخلال تلك المرحلة بدأت واشنطن محادثات مباشرة مع موسكو لإنهاء الحرب، مستبعدة أوكرانيا وحلفاءها الأوروبيين من مراحلها الأولى، وأوقفت بعض المساعدات العسكرية، في خطوة وضعت كييف أمام تحد كبير، نظراً إلى أن الإمدادات الاميركية تغطي نحو 40 في المئة من حاجاتها الدفاعية.
وبعد المواجهة، سعى زيلينسكي إلى استمالة ترمب وإدارته والجمهوريين في الكونغرس، وتجنب الدخول في صدام علني جديد معه، وقد تجلى ذلك خلال اللقاء المنفرد بين الرئيسين في الفاتيكان على هامش جنازة البابا فرنسيس في أبريل (نيسان) 2025، إذ وصف زيلينسكي اللقاء لاحقاً بأنه لحظة تاريخية، غيّر فيها الزعيمان طبيعة العلاقة في نحو 15 دقيقة، وأسهم الاجتماع، على رغم قصره، في إعادة فتح قنوات التواصل الشخصي بينهما.
وخاطبت كييف ترمب بلغته المفضلة القائمة على الصفقات والمصالح المباشرة، فبعد خلافات حول مطالبة واشنطن بنصيب من المعادن الحيوية الأوكرانية في مقابل الدعم السابق، توصل البلدان في مايو (أيار) 2025 إلى اتفاق يسمح للولايات المتحدة بالاستثمار في هذه الموارد، وكان زيلينسكي قد رفض الصيغة الأولى، وعدّ شروطها "غير عادلة"، لكن الاتفاق المعدل منح ترمب مصلحة اقتصادية في استمرار العلاقة، وساعد كييف في تقديم نفسها بوصفها شريكاً استثمارياً وأمنياً، لا دولة تعتمد فقط على المساعدات.
انقلاب لومر
على مدى أعوام، رددت لورا لومر روايات روسية، ودعت القادة الأميركيين إلى التخلي عن أوكرانيا، ووصفت زيلينسكي بأنه "نازي حقيقي"، وعندما انتقد ترمب ونائبه جي دي فانس الرئيس الأوكراني داخل المكتب البيضاوي، أيّدتهما وكتبت أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع "قلة الاحترام الأوكرانية"، لكن زيارتها إلى أوكرانيا قلبت موقفها رأساً على عقب، فقد أمضت ليلة في أحد ملاجئ القصف، وزارات مواقع استهدفتها الطائرات المسيّرة الروسية، والتقت مسؤولين وقادة دينيين، قبل أن تجري مقابلة مصورة مع زيلينسكي في قصر ماريينسكي، وكتبت لمتابعيها البالغ عددهم نحو مليوني شخص على منصة "إكس"، "عشت للتو أول غارة جوية لي في أوكرانيا، صفارات الإنذار تدوي، وهذا ما يعيشه كل أوكراني يومياً"، مضيفة "كثيراً ما قلت إنني لا أكترث، وبالنظر إلى الوراء لم يكن ذلك قولاً لطيفاً مني، فنحن بحاجة إلى وضوح أخلاقي".
واعتذرت لومر عن تهوينها من معاناة الأوكرانيين، وقالت "لقد ارتكبت خطأً"، بعدما خلصت إلى أنها وقعت ضحية حملة تضليل روسية، وبعدما كانت تصف زيلينسكي بالنازي، أشادت به بوصفه "قائد حرب"، ووصفت أوكرانيا بأنها "حليف أساس"، ورأت في دعم كييف موقفاً منسجماً مع سياسة "أميركا أولاً"، وتوقعت أن تتبنى شريحة أوسع من حركة ترمب هذا التوجه، موضحة أنها اتصلت بالرئيس مرتين من داخل أوكرانيا، وأنه طلب منها إبلاغ زيلينسكي تحياته، قبل أن ينشر مقطعاً من مقابلتها على منصة "تروث سوشيال"، ورداً على سؤال حول تحوّل موقف لومر، وما إذا كان التأييد لأوكرانيا يتزايد داخل "ماغا"، قال ترمب "أعتقد أنهم يؤيدون ما أؤيده".
ولا يقتصر التحول على لومر، فالمعلق اليميني تيم بول، الذي وصف أوكرانيا قبل عامين بأنها "عدو" للولايات المتحدة وطالب بوقف دعمها، عاد ليكتب أنها "تقاتل من أجل بقائها في مواجهة ديكتاتور شرير"، داعياً ترمب والشعب الأميركي إلى مساندتها.
ولا تعني هذه المواقف أن حركة "ماغا" بأكملها أصبحت مؤيدة لأوكرانيا، لكنها تكشف عن أن الصورة التي حصرت كييف في موقع الدولة الفاسدة التي تستنزف الأموال الأميركية، بدأت تفقد تماسكها داخل دوائر محافظة مؤثرة.
شريك في الحرب الحديثة
تزامن تحول بعض أصوات "ماغا" مع اقتناع متزايد داخل الإدارة بأن أوكرانيا لم تعد مجرد دولة تعتمد على المساعدات الغربية، بل أصبحت شريكاً تكنولوجياً وعسكرياً، راكم خبرة متقدمة في الحرب الحديثة، ووفق صحيفة "تلغراف" فقد كان لوزير الجيش الأميركي دان دريسكول دور مهم في تغيير نظرة ترمب إلى كييف، فخلال زيارة إلى أوكرانيا، فوجئ بمدى تقدمها في حرب الطائرات المسيّرة، ودمج الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة، وأبدى إعجاباً خاصاً بمنظومة "دلتا" الأوكرانية التي تربط الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار ومنصات إطلاق النار ضمن شبكة واحدة، واصفاً إياها بأنها "مذهلة تماماً"، وأقرّ بأن الولايات المتحدة لا تملك منظومة مماثلة بالكفاءة نفسها، ليعود لواشنطن مقتنعاً بأن على الولايات المتحدة العمل مع كييف، والاستفادة من خبرتها، بدلاً من التعامل معها بوصفها عبئاً.
وتسعى واشنطن حالياً إلى شراء طائرات مسيّرة أوكرانية، وإنتاج مركبات جوية غير مأهولة بصورة مشتركة، فيما حصلت ست شركات أوكرانية على إذن لتصدير طائرات إلى الولايات المتحدة، لإخضاعها لاختبارات عسكرية.
ولفتت الزميلة غير المقيمة في "مركز أوراسيا" التابع لـ "المجلس الأطلسي"، ليزلي شيد، بعد زيارة إلى الجبهة، إلى قدرة أوكرانيا على إنتاج طائرات مسيّرة فاعلة ومنخفضة الكلفة بأعداد كبيرة، وتعديلها سريعاً للتغلب على التشويش الروسي، ولا يلغي هذا التطور استمرار اعتماد كييف على واشنطن، فالولايات المتحدة لا تزال توفر نحو 40 في المئة من حاجاتها الدفاعية، لكن أوكرانيا وسعت إنتاجها المحلي من المعدات والذخائر، وبدأت تتحول في نظر بعض المسؤولين من متلق للمساعدات إلى شريك يمتلك تقنيات وخبرات، تحتاج إليها الجيوش الغربية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأسهمت الحرب مع إيران أيضاً في تغيير صورة روسيا داخل إدارة ترمب وقاعدته، ففي ذروة الصراع، اكتشف ضباط استخبارات غربيون أن موسكو تشارك طهران تقنيات الطائرات المسيّرة، وتكتيكات استخدامها، وصور الأقمار الاصطناعية، بما يساعد إيران في استهداف القوات الأميركية، وقال زيلينسكي إن الاستخبارات العسكرية الأوكرانية تملك "أدلة دامغة" على تبادل المعلومات بين موسكو وطهران، وأقرت "وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية"، وترمب نفسه بأن روسيا كانت تساعد إيران.
واستثمرت كييف هذه المعلومات لإقناع ترمب وأنصاره بالوقوف ضد موسكو كما استفادت من خبرتها في التصدي للطائرات المسيّرة الإيرانية، لتقديم الدعم والخبرات إلى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مما عزز صورتها بوصفها شريكاً أمنياً يتجاوز دوره حدود أوروبا.
نهاية شهر العسل؟
لا يعني التقارب المتجدد بين ترمب وزيلينسكي أن الرئيس الأميركي أصبح داعماً غير مشروط لأوكرانيا، كما لا يعني أن العلاقة مع بوتين وصلت إلى قطيعة كاملة، فلا يزال ترمب ينظر إلى الحرب من زاوية الكلفة والصفقات، ويريد تسوية يستطيع تقديمها بوصفها إنجازاً سياسياً، فيما تعارض شرائح واسعة من قاعدته التزاماً مالياً وعسكرياً مفتوحاً، لكن النظرة التي حكمت الأشهر الأولى من عودته للبيت الأبيض بدأت تتغير، إذ لم يعد زيلينسكي يعامل بوصفه العقبة الوحيدة أمام السلام، ولم يعد بوتين يبدو الطرف القادر وحده على تقديم التسوية، وبعد أشهر على تعثر المحادثات، تزايدت شكوك واشنطن في استعداد موسكو لإنهاء الحرب، في وقت ترفض روسيا تسليح أوكرانيا، وتطالب الولايات المتحدة بتقديم مقترحات تتوافق مع شروطها.
في المقابل نجحت كييف في نقل النقاش من سؤال يتعلق بحجم المساعدات التي تطلبها إلى سؤال أكثر انسجاماً مع أولويات ترمب، يتعلق بما تستطيع تقديمه للولايات المتحدة، في مجالات التكنولوجيا والصناعات العسكرية ومواجهة إيران وروسيا، وربما لم ينته شهر العسل بين ترمب وبوتين بصورة نهائية، لكنه فقد كثيراً من دفئه، أما العلاقة مع زيلينسكي، التي بدت قبل عام على حافة الانهيار، فقد استعادت زخمها بفعل مسار سياسي وميداني قادته كييف، وساعدت في ترسيخه أصوات خرجت من قلب "ماغا" نفسها.