ملخص
اعتبر جان كوكتو أن السينما تظل في باطنها محكومة بالشعر، فهذا الأخير يكاد يكون العنصر الجمالي المحدد لهوية الصورة السينمائية وجمالياتها، فـ"الجميل" بالتعبير الكانطي (إيمانويل كانط) لا يمكن القبض عليه شعرياً داخل السينما، فهو يبني عالماً مغايراً ويمنح الصورة براءتها في نسج علاقة سحرية مع الزمن.
نادرة وشحيحة هي الأفلام السينمائية العربية التي اشتغلت على الشعر وحاولت إخراجه من إسار اللغة والزج به في فضاءات الصورة السينمائية ومتخيلها، فهناك مشاهد داخل السينما العربية يمكن اعتبارها شاعرية من وجهة نظر المتفرج والناقد على حد سواء، غير أن مخرج الفيلم ربما لم يكن في نيته أن يجعل الصورة تنطبع ببعض من الشعري الذي يحول السينما إلى مشاهد تنضح بالشعر والجمال.
بيد أن هذه العلاقة على جمالياتها وإمكانات تحققها في عدد كبير من الأفلام في تاريخ الفن السابع في العالم، لا نجد لها أثراً واضحاً داخل الفيلم العربي، أولاً بسبب صعوبة تحقيق الشعري في السينمائي الذي يفرض على المخرج نوعاً من العمق الفلسفي حتى يبلور القصيدة سينمائياً، وثانياً بحكم غياب الوعي الأدبي بالنسبة إلى كثير من المخرجين السينمائيين الذين لا تربطهم أية علاقة بالأعمال الأدبية على مستوى القراءة والتفاعل.
لذلك فإن المخرج السينمائي قد يؤمن بنجاعة العلاقة بين الأدب والسينما، لكنه لا يستطيع أن يعبر بلغة الشعر إلى السينما، لأن ذلك يتطلب خبرة فنية أصيلة وحساسية جمالية تجعله يتماهى مع اللغة الشعرية ويفهم إيقاعها وشطحاتها، حتى تسهل عليه عملية تحويل الشعر إلى السينما.
ونظراً إلى الهشاشة التي تفتقر إليها علاقة الشعر والسينما داخل التربة العربية، فقد انعكس ذلك سلباً على العملية النقدية، إذ لا نعثر على مؤلفات نقدية وسعت من حدود الاشتغال على القصيدة وخرجت من إطار الاشتغال الكلاسيكي على اللغة والمجاز والاستعارة والخطاب والرؤية صوب فتح منافذ جديدة لإبراز كيف يمكن للسينمائي أن يتجلى أحياناً من خلال شعرية القصيدة. فهناك شعراء حين نقرأ قصائدهم نندهش من عمق المعمار البصري الذي تحبل به أشعارهم، نظراً إلى حرصهم الدائم على تجديد القصيدة الشعرية وفتح مسارب ضوئية لها، فالشاعر حين يكتب لا يكتب بيده، بل بكل عناصر جسده، حيث تبرز العين باعتبارها بمثابة اليد الثالثة التي ترمم جماليات المكان وتزيد من ارتفاع منسوب وعي "البصري" في اللغة الشعرية.
الشعر أفقاً للسينما
فلا غرابة أن تطالعنا اليوم الدراسات النقدية التي تكتب حول الشعر في كونها تكتب بلغة واحدة وتعتمد على المراجع والمصادر نفسها التي استهلكت بحثاً، ولم يعد بإمكانها أن تقدم شيئاً جديداً للناقد يساعده على التفكير والتأمل في مجاهل القصيدة وفق آلية فيها بعض من الحداثة النقدية، فـغالب هذه الدراسات تقرأ النص الشعري المعاصر بمنطق الشعر القديم، إذ تتناسى الأساليب البلاغية الجديدة وطبيعة الخطاب الشعري المعاصر الذي تنتفي فيه الحواجز أحياناً، لتصبح القصيدة مختبراً حقيقياً لتلاقح مجموعة من الأشكال التعبيرية بما فيها التشكيل والسينما.
إن انفتاح القصيدة العربية على التشكيلي أو السينمائي لا يزال محدوداً وملتبساً حتى على مستوى الفهم، فهناك فرق جمالي كبير بين أن يشتغل الفنان التشكيلي على قصيدة شعرية يسعى إلى تجسيدها على تضاريس اللوحة وبين أن يعمل الشاعر والتشكيلي في آن واحد على موضوع معين، حينها تكون نتائج التجربة مختلفة ومتباينة من الناحيتين الشعرية والتشكيلية. لهذا يجد الناقد الأدبي صعوبة كبيرة في إخراج السينمائي من جسد القصيدة الشعرية بسبب جهله بالطريقة التي تشتغل بها السينما، وكيف يمكن أن تتلاقى على أكثر من صعيد مع عناصر القصيدة، لا سيما على مستوى الرؤية والمونتاج واللغة والجمال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على المستوى الفكري ينبغي أن نميز في العلاقة بين الشعر والسينما بين "سينما الشعر" و"أفلام الشعراء"، ذلك أن هذه الخطوة المنهجية هي التي تمنحنا فهماً لطبيعة العلاقة المركبة بين الشعر والسينما وكيف يستمدان أبعادهما الجمالية من مفهوم "الشعرية" التي لا ترتبط بالشعر وحده، بل تتجسد في كل الأشكال التعبيرية التي تكون غايتها الصنعة الجمالية. إن الشعري في السينما موضوع بحد ذاته ولا معالجة بصرية تأتي بشكل تلقائي بالنسبة إلى المخرج، وإنما في عمقها إحساس قوي بفلسفة الزمن، إذ يروم المخرج القبض عليه بصرياً.
فهذا الإحساس بتغير الزمن وتأثيره في الجسد يدفع المخرج السينمائي إلى تملك الصورة وجعلها وسيلة للتعبير، إما عن مشاعر ذاتية أو لحظات عابرة تمنحها لنا الطبيعة ولكننا لا نشعر بها في زحمة اليوم، في حين أن الصورة السينمائية تستطيع أن تحولها إلى لحظات باقية في الذاكرة والوجدان. لقد اهتم كثير من الأفلام بـ"شعرنة" السينما، لكن ليس على امتداد الفيلم كله، بل فقط من خلال لقطات محددة يرتفع فيها منسوب الشعر، وتنسج الصورة لنفسها علاقة سحرية مع الأشياء المكونة للعالم.
شعرية السينما
فإذا عدنا إلى تاريخ الفن السابع سنجد هذا النوع من الاشتغال مكثفاً وغنياً ويستمد مادته من اللحظات المضيئة التي يتعمق فيها وعي المخرج بالعالم الذي ينتمي إليه. فكلما آمن السينمائي بقوة الشعر ودوره المحوري على مستوى التخييل البصري تزداد بصورة تلقائية قيمة أفلامه السينمائية، لأنها تكون قد وصلت إلى نضج بصري لا يجعلها تبني عوالمها الجمالية انطلاقاً من مفهوم الحكاية وتجذرها في الواقع، وإنما من خلال اللحظة التي يصبح فيها للجانب التأملي قيمة مضافة في بناء الفيلم السينمائي.
هنا تتحرر اللغة السينمائية من رتابتها الحكائية وهشاشتها السردية لتفتح لها مضايق جديدة توسع من أفق الفيلم عبر ارتياد "لغة" الشعر واقتحام فضاءات لا متناهية في مجاهل العمل السينمائي. وتتميز أفلام سينما الشعر بصعوبتها من الناحية البصرية، إذ يجد المخرج نفسه في وضعية فلسفية صعبة يستطيع من خلالها بلورة ما يشعر به تجاه لقطة أو مشهد. وعلى رغم وفرة الأفلام الغربية التي انشغلت بثنائية الشعري والسينمائي، فإن المشاهد يجد نفسه أمام مقاربات بصرية متباينة تختلف من فيلم إلى آخر بحسب الطريقة التي يفهم بها المخرج الشعر وكيف يتجسد داخل الفيلم، سواء على مستوى الحوار أو الأكسسوار أو حتى في ثنايا عنصر الفضاء والرؤية.
اعتبر جان كوكتو أن السينما تظل في باطنها محكومة بالشعر، فهذا الأخير يكاد يكون العنصر الجمالي المحدد لهوية الصورة السينمائية وجمالياتها، فـ"الجميل" بالتعبير الكانطي (إيمانويل كانط) لا يمكن القبض عليه شعرياً داخل السينما، فهو يبني عالماً مغايراً ويمنح الصورة براءتها في نسج علاقة سحرية مع الزمن.
إن الأشعار التي تحولت إلى أفلام سينمائية مثل "عواء" لألن جينسبيرغ و"الأرض اليباب" لتوماس إليوت و"لون الرمان" لسايات نوفا. هذه القصائد الشهيرة لم يتم العمل عليها كنوع من إعادة محاكاتها سينمائياً، فالمخرج السينمائي لا يكون معنياً بالنقل الميكانيكي للقصيدة، بقدر ما يحرص على أن يجعلها تندفع شعرياً مثل الشلال على كارطوغرافية اللقطة، إذ تغدو الصورة متحررة من الواقعي، وأحياناً تسمو عليه وعلى أحداثه ووقائعه وتفاصيله ونتوءاته التي يفرضها منطق الحكاية، حتى تصبح الصورة نافذة للتفكير والتأمل وليست رصداً بصرياً لتحولات الواقع اليومي.
حين نفكر في سينما الشعر، تطالعنا تجربة سينمائية كبيرة عملت على جعل الشعري مكوناً أساساً من مكونات الصورة السينمائية. ذلك أن المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي الذي يعد في نظر النقاد شاعر السينما، راهن على الشعري وجعله بمثابة الملاذ الجمالي الذي يحتمي به قهر الواقع، فمجمل الأفلام التي أنجزها يحضر فيها الشعري من خلال مفهوم اللقطة، لا باعتبارها امتداداً للواقع، وإنما كآلية بصرية لتجاوز هذا الواقع وتحرير اللغة السينمائية من الرتابة السردية التي تطبعها الحكاية.
إن "الشعري" في سينما تاركوفسكي يكاد يكون علامة وجودية على مسار تجربته، فأفلامه تبقى الأكثر تجريباً وقدرة على بلورة الشعري في السينما. والحقيقة أن هذا المعطى حظي باهتمام كبير من لدن النقاد سواء داخل الثقافة الغربية أو نظيرتها العربية، إذ نعثر على دراسات ومقالات ومؤلفات تتوقف عند الطاقة الشعرية المضيئة التي تتمتع بها أفلام تاركوفسكي وتبني من خلالها رؤية سينمائية قوامها التفكير والتأمل. فهذه الدراسات على أهميتها لم تسع إلى تحليل عمق الرهان الشعري بالنسبة إلى تاركوفسكي، بقدر ما ظلت تتأمل حدود التقاطع والتلاقي بين الشعر والسينما في تجربته.
وتكاد أفلام من قبيل "مرآة" (1975) و"مطارد" (1979) تجسد رؤية حداثية لمفهوم الشعري وإخراجه من مفهوم "الجميل" إلى "القبيح"، إذ يصبح لهذا الأخير دور في بناء شعرية الصورة. وليس الجميل الشعري في الصورة ما يتمثله المرء في ذاته، بل من خلال إبراز قبح العالم فنياً، إذ يتحول القبيح إلى مرادف للجميل، أي إنه يغدو معطى بصرياً قائماً في تحديد الشعري في السينما. إن هذه الرؤية السينمائية المتطورة جعلت أفلامه تتنفس الشعر حتى وإن كانت اللقطة تبدو قبيحة، ذلك أنه في حمأة البشاعة يبرز الجمال منقذاً البشرية والعالم بأكمله، على حد تعبير دوستويفسكي.
لكن في مقابل ذلك، نعثر على أفلام لا يهمها الشعر إلا باعتباره سيرة للشعراء، إذ نجد مجموعة من الأفلام التي أنجزت حول شعراء من أمثال رامبو وجون كيتس وبابلو نيرودا وسواهم من الشعراء الذين استهوت تجاربهم الشعرية كثيراً من المخرجين السينمائيين، فقاموا بنقل وقائع عيشهم ونمط حياتهم صوب الشاشة الكبيرة. وهذه الأفلام لا تراهن على الشعري في السينما، بل تجعل جمالياتها تتأسس على عنصر السيرة الذاتية، بحيث يدخل المخرج في مسارات حياتية مختلفة من طريق أحداث ووقائع تسهم في صناعة المعنى بالنسبة إلى الفيلم. وعلى رغم الاختلال البصري من ناحية المعالجة بالمقارنة مع "سينما الشعر" فإن هذه الأفلام لها جمهورها الخاص وتحتل مكانة رمزية في تاريخ الفن السابع، لأنها تطرق سيراً حياتية نادراً ما ينتبه إليها الناس في حياتهم اليومية.