Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأبطال الخارقون: عن سينما تكرس التنميط والترفيه

ولت الأعوام الذهبية التي كانت فيها هوليوود تنتج خلال العام الواحد عشرات الأفلام التي يمكن للمرء مشاهدتها

قدمت هوليوود أبطالا خارقين أسهمت القصص المصورة في إفرازهم وجعلهم يقتحمون عوالم السينما ببنياتهم الجسمانية القوية (أ ف ب) 

ملخص

نجحت هوليوود أكثر من بوليوود في أن تكون السينما الأكثر إنتاجاً للأبطال الخارقين الذين أسهمت القصص المصورة في إفرازهم وجعلهم يقتحمون عوالم السينما ببدلاتهم المزركشة وبنياتهم الجسمانية القوية وتفكيرهم الخارق.

على رغم تزايد الإنتاجات السينمائية داخل مؤسسات هوليوود، نادراً ما يعثر المرء على عمل فني يستحق المشاهدة من ناحية الكتابة والتصوير والإخراج والأداء. ذلك أن كثرة الأفلام التجارية أصبحت تحتل نحو 90 في المئة من السينما الأميركية الغارقة في الترفيه والابتذال.

وبدا واضحاً أن الرهان على التنميط لم يعد أفقاً جمالياً بالنسبة إلى بعض الشركات الإنتاجية، بقدر ما أضحى سياسة يعتمد عليها لتحقيق عائدات مادية، تدفع المخرجين السينمائيين إلى كتابة وإخراج أفلام تحت الطلب. لذلك يصعب إيجاد فيلم سينمائي يمتلك المقومات الجمالية والميكانيزمات الفنية التي تجعله يخترق بنية الواقع الأميركي ويفكك من الداخل ويبرز نتوءاته ومآزقه وتصدعاته.

ببساطة ولت الأعوام الذهبية التي كانت فيها هوليوود تنتج خلال العام الواحد عشرات الأفلام التي يمكن للمرء مشاهدتها، بحكم ما تطرحه من أسئلة قلقة حول السياسة والاجتماع. فإلى حدود تسعينيات القرن الـ20 توقفت الآلة الهوليوودية عن إنتاج أفلام حقيقية متنوعة تشمل السير الذاتية والأفلام الموسيقية والحروب والكوارث والمغامرات، فهي أعمال وإن كان بعضها حاضراً، فإنها تظل هشة بالمقارنة مع الأفلام التي طالعتنا منذ الثمانينيات.

ولعل السبب أن المخرج لم يعد يفكر في نجاح الفيلم السينمائي بمنأى عن "البوكس أوفيس"، لأنه غدا مكوناً أساساً في سيرورة نجاح العمل السينمائي. وأضحى العالم المعاصر مبنياً على الترفيه، إذ يعد هذا العنصر حسب مدرسة فرانكفورت بمثابة هوية فكرية تنطبع بها الحقبة المعاصرة التي لم تعد تؤمن بأشباه النسخ الحقيقية، إذ أضحى العالم أشبه ما يكون بغابة كبيرة تختفي فيها القيم الأخلاقية والمواقف الملتزمة التي تحد من القدرة الإبداعية للمخيلة البشرية وتزج فيها في سلسلة من التنميط الفكري اللامتناهي.

فلسفة التنميط البصري

تعد هوليوود اليوم إمبراطورية بصرية تنتج الترفيه وتغذي التنميط، فهذه العناصر لا يجري تكريسها إلا من خلال الشاشة الكبيرة، بسبب ما تفرضه من "سلطة" وقدرتها على اختراق جسد المجتمع وتغيير كثير من القيم والمواقف والأفكار. فالسينما فن جماهيري يحفر مجراه عميقاً في الأجساد ويؤثر بقوة في أفكار الناس ووجدانهم. فلا غرابة أن تسهم سينما الخيال العلمي في تكريس السطحية واعتباره الفن السابع مجرد وسيط بصري يروم خلق التسلية والترفيه.

فقد أثر هذا النزوع الفني في سينما المؤلف التي بدأت معالمها الجمالية تتماشى وتتكسر وحدتها البصرية وهي تنتحر على أعتاب السينما التجارية وتنسحب بصورة يومية من الصالات السينمائية، مفسحة المجال لأنواع سينمائية أخرى غدت مؤثرة وتتحكم فيها شركات إنتاجية كبيرة تكرس سلطتها وتسهم في ذيوعها وانتشارها.

لقد نجحت هوليوود أكثر من بوليوود في أن تكون السينما الأكثر إنتاجاً للأبطال الخارقين الذين أسهمت القصص المصورة في إفرازهم وجعلهم يقتحمون عوالم السينما ببدلاتهم المزركشة وبنياتهم الجسمانية القوية وتفكيرهم الخارق. بيد أن هذا التراجع للسينما الأميركية في العالم، ينظر إليه كثير من النقاد والمخرجين العرب على أساس أنه عنصر نجاح في نظرهم لهوليوود، إذ يقارنون بين حالة الغربة التي يعيشها الفيلم العربي وهرب الجمهور من مشاهدة الأفلام العربية في السينما، وبين سينما أميركية تؤجج شباك التذاكر. إذ تعد كثير من الأسماء المغاربية أن السينما التجارية قد تكون بمثابة العنصر الذي قد يجعل الجمهور العربي يعود إلى الصالات السينمائية مقارنة بأعوام خلت.

على هذا الأساس، فطنت الدول ومؤسساتها الرسمية إلى قيمة الفن السابع، باعتباره آلية ضرورية للاستحواذ على المتخيل الجمعي، بما جعل الفن السابع خلال ستينيات وسبعينيات القرن الـ20 يصبح بمثابة سلاح أيديولوجي بالنسبة إلى بعض الدول التي جعلته وسيلة لإعلان نوع من الحروب "الرمزية" على دول أخرى. لهذا أصبحت بعض الأفلام تمتلك شهرة لا بسبب جمالياتها وطريقة كتابتها أو تصويرها، بل انطلاقاً مما مارسته من سلطة أيديولوجية من ناحية الأفكار، حيث تصبح الصورة السينمائية بمثابة مختبر لابتكار علامات سياسية تدين الأفكار والمفاهيم والمواقف.

تنتمي أفلام الأبطال الخارقين إلى هذا النمط الأيديولوجي من الأفلام الذي جعلت منه أميركا وسيلة لتدويل أيديولوجيتها. إذ تعد سلسلة "سبايدرمان" للمخرج سام ريمي الشخصية الخيالية التي انبثقت من عالم القصص المصورة نموذجاً لتكريس الهوية الأيديولوجية الأميركية. فهو وإن كان في ظاهره مجرد بطل كارتوني يخلق بالنسبة إلى المتفرج نوعاً من المغامرة البصرية والتشويق الهيتشكوكي، فإن هناك مشاهد تظل تضمر كثيراً من الأبعاد الأيديولوجية ذات الصلة بالهوية السياسية الأميركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم ما حققه الفيلم من عائدات مادية كبيرة واعتباره من طرف النقاد قد أسهم في خلخلة فلسفة الأبطال الخارقين، فإنه يبقى من الناحية الجمالية مجرد فيلم تجاري يبحث له عن موقع سينمائي داخل شباك التذاكر. لم تنجح سينما الأبطال الخارقين بالتأثير في ذائقة النقاد الذين يعدون أكثر الناس الذين يوجهون نقداً لاذعاً لهذا النمط من الأفلام السطحية التي تنمّط التفكير وتفاقم من حدة البلادة، إذ يجد المتفرج نفسه أمام شاشة كبيرة لا تنتج إلا الصور الاستهلاكية التي لا تشجع على التفكير ولا تدعو إلى التأمل.

الأمر نفسه ينطبق على أفلام "باتمان" الغارقة في مشاهد المطاردات، إذ لم ينجح المخرج الكبير كريستوفر نولان في القطع مع الصور الأيقونية للبطل الأميركي الخارق، مع العلم أن ثلاثيته (باتمان) المنجزة بين عامي 2005 و2012 جعلته أكثر المخرجين السينمائيين شهرة داخل هوليوود.

التحرر من البطل الأيقوني

يعد فيلم "هولك الخارق" عام 2008 للمخرج الفرنسي لويس ليترير، أحد أهم أفلام الأبطال الخارقين. ذلك أن المخرج لا يبني شرعية الفيلم على عقدة البطل الخارق حتى لو كان البطل خارقاً، بل يجعله مجرد شخص عادي يتحول إلى "وحش". فهذا البعد الواقعي للبطل (إدوارد نورتون) يجعله من الناحية السينمائية يتخفف من عوالم البطل، لأن العناصر الواقعية التي تدور في فلكها الحكاية الأصل تدفعه إلى أن يكون فيلماً مغايراً ويبني الأفق الفكري انطلاقاً من جماليات مشاهده وقوته من ناحية الكتابة وتعدد الشخصيات الواقعية والأساليب التصويرية التي تجعله يتأرجح بين الواقعية والخيال العلمي.

ويحكي الفيلم الذي يلعب بطولته إلى جانب نورتون كل من ليف تايلر وتيم روث وبلغت تكلفته نحو 150 مليون دولار، قصة عالم تعرض إلى نوع من الأشعة التي تجعله حين يغضب يتحول إلى رجل/وحش بلون أخضر. وفي وقت تعود فيه شخصية بروس بانر إلى حالتها الطبيعية البشرية ويجري أبحاثه اليومية للوصول إلى مصل يعالجه من هذا الداء، يقحم المخرج جهات رسمية تريد الاستفادة من "الرجل الأخضر" لأغراض ذات علاقة بالتسلح وفرض الهيمنة على الناس.

سينمائياً نجح "هولك" أكثر من "سبايدرمان" و"باتمان" في كسر حدة البطل الخارق، فهو هنا إنسان عادي قد يموت في أي لحظة، شخص مثابر وعاشق ويتألم ويحزن ولا يملك خصائص البطل الأيقوني الذي يخلص الناس من شقائهم حسب الصور التي تغذيها السينما الأميركية. لذلك يتميز الفيلم بإيقاعه الواقعي الذي يجعل المشاهد لا ينفر من مشاهده ولقطاته، فهو مبني على وحدة بصرية عضوية خاضعة لكتابة أصيلة من ناحية بناء المشهد والحوار.

إذ يمنح فعل المشاهدة متعة بصرية يمتزج فيها الواقعي بالخيالي ويكونان معاً مشروعاً سينمائياً يخترق بنية الشكل، فأحياناً لا يكون الواقعي دائماً في نظر المفكر الفرنسي إدغار موران عنصراً وحيداً يمنح للفيلم دلالاته، بقدر ما يتدخل الخيال ليعيد بناء جمالية المشهد وبناء رحابة المعنى في ذهنية المتفرج.

وبين الخيالي والواقعي استطاع المخرج العثور على "شكل" سينمائي حرر به فيلمه من "جنس" الأبطال الخارقين، إذ جعل الحكاية تتدفق ببطء وتنسج جمالياتها، انطلاقاً من أداء الممثلين وقدرته على تشذيرها على شكل قصص صغيرة داخل الفيلم، لدرجة تصبح فيها الأحداث الدرامية الواقعية المحرك الأساس لبنية الخيال داخل المشهد السينمائي في "هولك".

اقرأ المزيد

المزيد من سينما