ملخص
يحذر الكاتب من أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة لم تعد تكتفي باكتشاف الثغرات السيبرانية، بل باتت قادرة على تحويل الهجمات على البنى التحتية الحيوية إلى عمليات واسعة النطاق وسهلة التنفيذ. وبينما تقصر الشركات الأميركية هذه القدرات على الاستخدام الدفاعي، يزداد القلق من أن امتلاك خصومها نماذج مماثلة قد يفتح الباب أمام عصر جديد من الهجمات التي تستهدف شبكات المياه والكهرباء والطاقة.
في أبريل (نيسان) الماضي، كشفت شركة "أنثروبيك" (Anthropic) عن أن أحدث نماذجها الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، "كلود ميثوس" (Claude Mythos)، قادر على اكتشاف الثغرات الأمنية في البرمجيات واستغلالها بمستوى لا يفوقه فيه سوى نخبة قليلة من أمهر الخبراء البشريين. فعلى سبيل المثال، أشارت الشركة إلى أن النموذج كشف عن ثغرة ظلت خفية لمدة 27 عاماً في نظام تشغيل آمن يستخدم لتشغيل جدران الحماية الرقمية التي تحرس الشبكات الحساسة. وقد أحدث هذا الكشف صدمة في أوساط الأمن السيبراني والأمن القومي. وعلى رغم بعض الادعاءات بأن تحذيرات "أنثروبيك" في شأن "ميثوس" ما هي إلا دعاية تسويقية، فقد أكدت شركات البرمجيات التجارية الرائدة، التي منحت حق الوصول المبكر إلى النموذج، صحة ادعاءات الشركة. وبات بإمكان الذكاء الاصطناعي الآن إنجاز أعمال كانت لوقت طويل حكراً على نخبة صغيرة من المتخصصين، بسرعة أكبر وعلى نطاق أوسع مما تستطيع الفرق البشرية أو أدوات الأتمتة السابقة مجاراته.
وبينما تستخدم الشركات برنامج "ميثوس" للبحث عن الثغرات في منتجاتها وإصلاحها، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن حماية الولايات المتحدة وحلفائها من حروب سيبرانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي؟ قد لا يتبقى أمام الولايات المتحدة سوى 9 إلى 12 شهراً لحماية بنيتها التحتية الحيوية من الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. حالياً، لا توجد سوى شركتين أميركيتين، هما "أنثروبيك" (التي أعمل مستشاراً لديها) و"أوبن أي آي" (OpenAI)، أعلنتا امتلاك نماذج ذكاء اصطناعي متطورة بما يكفي لاكتشاف ثغرات في البرمجيات، بقدرات تتجاوز بكثير قدرة الإنسان على العثور عليها، وهما تحصران استخدام هذه النماذج في أعمال الأمن السيبراني الدفاعية.
لكن خصوم الولايات المتحدة، والمجرمين الذين يدورون في فلكهم، سيمتلكون قريباً الأدوات الهجومية نفسها. وتحديداً، تسارع الصين بالفعل إلى بناء هذه القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي والاستحواذ عليها، وقد تكون أقرب إلى تطوير نموذجها الخاص من "ميثوس" مما يأمله كثير من صناع السياسة الأميركيين. في الواقع، سيعزز الذكاء الاصطناعي المتقدم فاعلية أداة تحظى أصلاً بأهمية كبيرة لدى بكين، وهي التهديد الموثوق بتثبيط أية مواجهة حول تايوان قبل أن تبدأ، وذلك من خلال تعطيل البنية التحتية الحيوية للجزيرة ولأية دولة تسعى إلى الدفاع عنها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في السابق، كان تنفيذ هجوم ناجح على أنظمة الحاسوب التي تشغل البنية التحتية الحيوية، بحيث يؤدي فعلياً إلى تعطيل محطة لتوليد الطاقة أو محطة لتنقية مياه أو خط أنابيب، يتطلب متخصصين ملمين بالبروتوكولات المعقدة الخاصة بكل نوع من هذه الأنظمة، وكانت هذه الهجمات نادرة لأنها كانت تستلزم وقتاً طويلاً وموارد كبيرة. وقد أثبت برنامج "ميثوس" بالفعل قدرته على اكتشاف الثغرات واستغلالها بأقل قدر من التوجيه البشري، ويمكن لنموذج من هذا النوع أن يولد عدداً كبيراً من عمليات الاختراق المدمرة تلقائياً.
وسيسمح ذلك بنوع من الهجمات السيبرانية يختلف عن أي هجوم سابق من حيث الحجم والنوع، فالمخاطرة لا تتمثل في ضربة واحدة ضخمة على جزء أساسي من البنية التحتية، أي "بيرل هاربر سيبراني"، بل في عالم تستطيع فيه الصين وغيرها، بكلفة زهيدة وبسرعة فائقة، الوصول إلى أنظمة عديدة تدير الحياة اليومية، مثل المياه والطاقة ووسائل النقل، ثم إبقاءها تحت التهديد بهدف الردع أو الابتزاز أو ببساطة انتظار اللحظة المناسبة.
أمام الولايات المتحدة مجال زمني لتعزيز دفاعات بنيتها التحتية الحيوية، لكن هذا المجال ضيق، كما أن هذه الدفاعات ضعيفة أصلاً. ففي حملة عرفت باسم "فولت تايفون" (Volt Typhoon)، أظهر قراصنة مرتبطون بالدولة الصينية مدى عمق اختراقهم للبنية التحتية الحيوية الأميركية، بما في ذلك مؤسسات تعمل في قطاعات المياه والطاقة والنقل. والآن هو الوقت المناسب لطرح خيارات سياسية كانت تعتبر سابقاً خارج حدود المقبول، مثل اتخاذ خطوات حاسمة لإحباط الهجمات المحتملة بصورة استباقية، واستثمار موارد ضخمة غير مسبوقة في مجال الدفاع السيبراني، ومساعدة مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية في حماية نفسها من أكثر التهديدات تقدماً.
أفضلية السبق
على مدار معظم حقبة الإنترنت، كان اكتشاف الثغرات البرمجية الجديدة يتطلب خبراء باهظي الكلفة يتمتعون بمهارات عالية ونادرة. وكان محدودية عدد هؤلاء الخبراء تفرض سقفاً للمنافسة بين المدافعين عن الأمن السيبراني والمهاجمين، لكن ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي مثل "ميثوس" و"جي بي تي 5.5 سايبر" (GPT-5.5-Cyber) يزيل هذا القيد. فقبل الكشف عن هذه النماذج الجديدة، كان من الصعب تحويل الوصول إلى شبكات تكنولوجيا المعلومات الخاصة بالبنية التحتية إلى سيطرة موثوقة على المعدات المادية التي تفتح صماماً أو تفصل قاطعاً كهربائياً أو تعدل جرعة مادة كيماوية. ففي عام 2017، على سبيل المثال، نجح قراصنة ربطتهم وزارة العدل الأميركية بمعهد بحوث عسكرية روسي، في اختراق مصنع للبتروكيماويات في السعودية وحاولوا تعطيل أنظمة السلامة المؤتمتة فيه، وهي خط الدفاع الآلي الأخير الذي يمنع المعدات الصناعية من الانفجار أو إطلاق غازات سامة. ولكن حتى بعد أن تمكن المهاجمون من تحقيق هذا المستوى العميق من الاختراق، فشل برنامجهم في مراعاة السلوك الدقيق لأجهزة التحكم الخاصة بأنظمة السلامة في ذلك المصنع تحديداً، فتسبب عن غير قصد في إدخال المعدات في حالة إيقاف وقائي، مما كشف عن العملية قبل أن تحدث أي ضرر مادي.
كثيراً ما اعتمدت هذه الخطوة الأخيرة تاريخياً على عدد قليل من المتخصصين الذين يفهمون أنظمة التحكم الخاصة بمعدات شركة مصنعة بعينها، وكانت ندرة الأشخاص الذين يمتلكون الخبرة المناسبة سبباً في بقاء الكوارث نادرة الحدوث، لكن نموذج ذكاء اصطناعي متطوراً وقادراً على قراءة البرمجيات الثابتة الصناعية الغامضة والمعقدة وتطوير أسلوب الاختراق الدقيق الذي قد يستغرق المتخصص شهوراً لإنجازه، يهدد بتحويل أصعب جزء في تصميم هجوم على البنية التحتية إلى مهمة روتينية. وهكذا، أصبح خطر تنفيذ عمليات تعطيل منسقة تستهدف مئات من أنظمة المياه والمحطات الفرعية وخطوط الأنابيب في وقت واحد خطراً أكثر واقعية وترجيحاً. وقد تتيح نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً قريباً إمكان تنفيذ خصم واحد لاختراقات مادية واسعة النطاق، أو حتى التهديد بفعل ذلك بصورة موثوقة، من دون إطلاق رصاصة واحدة.
وإدراكاً لهذا الخطر، لم تطلق شركة "أنثروبيك" برنامج "ميثوس" للعامة، بل منحت حق استخدامه أولاً لجهات دفاعية مختارة، وذلك من خلال تقييد الوصول إليه ليقتصر على تحالف يضم منظمات التكنولوجيا والتمويل والبرمجيات مفتوحة المصدر، في إطار جهد أطلقت عليه اسم "مشروع غلاسوينغ" (Project Glasswing). وكان هذا قراراً لافتاً: فقد اختارت الشركة الامتناع عن إطلاق منتجها الأقوى على نطاق واسع، لأن هذا المنتج يمكن تحويله، بتعديلات طفيفة، إلى سلاح. (وفي نهاية المطاف، طرحت "أنثروبيك" للعامة "فابل" (Fable)، وهو منتج يستخدم النموذج الأساسي نفسه، ولكن مع ضوابط أمان معززة).
وفي غضون أسابيع من إطلاق شركة "أنثروبيك" لـ"مشروع غلاسوينغ"، أتاحت شركة "أوبن أي آي" نموذج "جي بي تي 5.5 سايبر" لفرق الأمن التي خضعت للتدقيق، وذلك من خلال برنامج أطلقت عليه اسم "الوصول الموثوق للأمن السيبراني" Trusted Access for Cyber، وكانت النتائج الأولية مذهلة. فقد كشفت "مايكروسوفت"، باستخدام نظام مسح داخلي يعتمد على نماذج متعددة، عن 16 ثغرة أمنية لم تكن مكتشفة سابقاً في حزمة شبكات "ويندوز". كما أفادت شركة الأمن السيبراني "بالو ألتو نتوركس" (Palo Alto Networks)، التي اختبرت النماذج الجديدة على منتجاتها الخاصة، بأنها اكتشفت في عملية مسح واحدة عدد ثغرات يفوق بكثير ما تعلن عادة اكتشافه خلال شهر كامل.
قاب قوسين أو أدنى
في الوقت الراهن، تمتلك جهات الدفاع أقوى أدوات اكتشاف الثغرات الأمنية السيبرانية، وهذا يعد أفضل خبر في مجال الأمن السيبراني منذ عقود. وعلى رغم ظهور إصدارات جديدة بالغة الكفاءة، لا يبدو أن المختبرات الصينية تمتلك حتى الآن نموذج ذكاء اصطناعي بمستوى "ميثوس".
لكن صناع السياسات الأميركيين قد لا يعرفون متى تبلغ الصين هذه القدرة، ففي نهاية المطاف، يتعين على الشركات الخاصة إعلان نماذجها لكي يصبح تطويرها مجدياً اقتصادياً، وحتى شركة "أنثروبيك" أعلنت وجود "ميثوس" مع تقييد استخدامه. أما الحكومات، فستكون أكثر حذراً في شأن ما إذا كانت ستعلن امتلاكها أنظمة صممت لتكون أصولاً استراتيجية للأمن القومي، ومتى وكيف ستفعل ذلك.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الصين تقترب من امتلاك نموذج ذكاء اصطناعي خاص بها بمستوى "ميثوس"، ففي منتصف يونيو (حزيران) الماضي، وبعد نحو يوم واحد من فرض الحكومة الأميركية حظراً موقتاً على وصول الجهات الأجنبية إلى نموذجي "ميثوس" و"فابل" اللذين أصدرتهما "أنثروبيك" حديثاً، أصدرت شركة "زيبو إيه آي" (Zhipu AI) الصينية نموذجاً يحمل اسم "جي إل إم-5.2" (GLM-5.2) وتزعم الشركة أن هذا النموذج قادر على منافسة نموذج "أوبوس" (OPUS)، ثاني أفضل نموذج من شركة "أنثروبيك"، في بعض المعايير. وعلى خلاف نموذج "ميثوس" أو نماذج "أوبن أي آي" الأكثر كفاءة، فإن "جي إل إم-5.2" نموذج ذو "أوزان مفتوحة" يمكن للمستخدمين تنزيله وتشغيله من دون الحاجة إلى طلب إذن من الشركة المطورة أو الاعتماد على بنية تحتية تستطيع الحكومة الأميركية التحكم بها، كما يمكن إزالة أي تدابير حماية فيه بسهولة. وبعبارة أخرى، يستطيع أي شخص تقريباً الوصول إليه واستخدامه لأي غرض تقريباً، وبكلفة لا تتجاوز جزءاً بسيطاً من كلفة نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة.
صناع السياسات الأميركيين قد لا يعرفون متى تحصل الصين على نموذج بمستوى "ميثوس"
ويعود التقدم السريع الذي تحرزه الصين في تطوير مثل هذه النماذج إلى الأدوات المتاحة للنظام، وأولها التقطير غير المشروع أو العدائي [ويعرف أيضاً باسم تقطير المعرفة، هو أسلوب من أساليب التعلم الآلي، حيث يتم تدريب نموذج صغير الحجم لمحاكاة نموذج أكبر وأكثر تعقيداً. والهدف الأساسي هو نقل القدرات عالية المستوى، أو خطوات الاستدلال، أو مخرجات الاحتمالات إلى نظام أسرع وأقل كلفة]. إذ يستخدم المنافسون الصينيون مخرجات النماذج الأميركية الرائدة لتدريب نماذج مقلدة أقل كلفة، وفي مذكرة وجهت إلى الكونغرس في فبراير (شباط) الماضي، أفادت "أوبن أي آي" بأنها رصدت حسابات مرتبطة بموظفي "ديب سيك" (DeepSeek) تتجاوز ضوابط الوصول الخاصة بها بهدف جمع مخرجات النماذج لاستخدامها في عملية التقطير. وفي الشهر نفسه، كشفت شركة "أنثروبيك" عن حملة مماثلة. ولا يعد التقطير العدائي سوى فصل جديد في حملة ممتدة منذ عقدين شنتها الصين لسرقة الملكية الفكرية الأميركية، بما في ذلك سرقة تكنولوجيا توربينات الرياح التابعة لشركة "أميركان سوبركونداكتور" (American Superconductor)، والتشابه المريب بين المقاتلة الصينية "جي-31" والمقاتلة الأميركية "إف-35".
ومع تقدمها، تصبح نماذج الذكاء الاصطناعي أدوات قوية لبناء نماذج ذكاء اصطناعي أخرى تكون أكثر قدرة وتطوراً. وليس من المستغرب أن تستخدم شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية نماذجها الخاصة لبناء الجيل القادم من النماذج، ولكن من السهل إغفال حقيقة أن أبرز منافسي الولايات المتحدة يستخدمون أيضاً أفضل النماذج الأميركية لتصميم وتطوير النسخة التالية من نماذجهم.
ولا تكتفي الصين ببناء بدائل محلية لنماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية، بل يسعى فاعلون صينيون أيضاً إلى الحصول بصورة غير مشروعة على رقائق أشباه موصلات خاصة بالذكاء الاصطناعي تكون أكثر تقدماً، وخاضعة لضوابط التصدير. وخلال العام الماضي، لاحقت وزارة العدل الأميركية قضائياً شبكات عدة كبيرة لتهريب الرقائق. ولا يكفي التهريب وحده لتوفير القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج المتقدمة، ولكن، تماماً مثلما تبني الصين نماذجها الخاصة، فإنها تعمل أيضاً على تطوير رقائقها الخاصة.
وأخيراً، كلما حصلت الصين على قدرات جديدة ومتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه القدرات متاحة للدولة خلال فترة وجيزة، إذ تعمل مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية المحلية ضمن إطار تنظيمي يهدف إلى تسهيل وصول الدولة إلى هذه التقنيات. ويلزم "قانون الاستخبارات الوطني الصيني" الشركات الصينية بالتعاون مع الأجهزة الاستخبارية الحكومية في جمع المعلومات، وتمنح "إدارة الفضاء الإلكتروني" الحكومة إمكان الاطلاع على سلوك النماذج ومخرجاتها. ولذلك، فما إن ينجح مختبر صيني في تطوير قدرة هجومية سيبرانية بمستوى "ميثوس"، فمن المرجح بدرجة كبيرة أن يتمكن جيش التحرير الشعبي وجهاز الاستخبارات الصيني من الوصول إليها مبكراً.
مكشوفة من جميع الجوانب
منحت قرارات الشركات الأميركية بتقييد الوصول إلى النماذج القادرة على تنسيق هجمات غير مسبوقة ضد البنى التحتية المادية مهلة ثمينة للمدافعين، لكن كل شهر يتمكن فيه خصم من استنساخ قدرات النماذج الأميركية والوصول إلى رقائق أكثر تطوراً، هو شهر يقتطع من فارق التقدم الذي تتمتع به جهات الدفاع.
وتقف البنية التحتية الحيوية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، عند تقاطع المجال السيبراني والواقع المادي. فإذا حدث خلل في هذه الأنظمة، فلن تقتصر العواقب على سرقة كلمات مرور الأشخاص واضطرارهم إلى مراقبة سجلاتهم الائتمانية، بل قد تتمثل في انقطاع الكهرباء عن مدينة، أو تلوث إمدادات المياه، أو شل شبكة نقل إقليمية، وهذا الخطر ليس افتراضياً. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2015، تمكن قراصنة روس، بعد اختراقهم شركات المرافق الأوكرانية باستخدام برمجية خبيثة تعرف باسم "بلاك إنرجي" (BlackEnergy)، من قطع التيار الكهربائي عن أكثر من 200 ألف مشترك لساعات عدة.
وتعد أهداف البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة ضعيفة هيكلياً وغير مهيأة لمواجهة هجوم من هذا النوع، فهي مملوكة وتدار من آلاف البلديات الصغيرة والمتوسطة الحجم وشركات المرافق، التي يفتقر معظمها إلى الموازنات والنفوذ والموظفين اللازمين للضغط على مورديها لتقديم منتجات آمنة. وهي تعاني ديناً تقنياً متراكماً على مدى عقود، وغالباً ما تستخدم تقنيات تشغيلية لم تصمم أصلاً للاتصال بالإنترنت، ولذلك، لا يمكن إصلاحها أو استبدالها بسهولة. في الحقيقة، إن تأمين هذه البرمجيات الثابتة أكثر تعقيداً بكثير من تحديث هاتف آيفون، إذ يتطلب إعادة التحقق من سلامتها، من خلال اختبارات وعمليات تثبيت [عمليات تنصيب] ميدانية تستوجب إخراج المنشأة من الخدمة موقتاً. وهذا يعني أنه حتى إذا جرى اكتشاف ثغرة أمنية وتطوير إصلاح آمن لها، فقد يستغرق الأمر سنوات للتحقق من سلامته، وجدولة تنفيذه، ونشره في معدات يتراوح عمرها التشغيلي بين 15 و25 عاماً. وكثير من المشغلين، الذين يواجهون احتمال توقف الأنظمة عن العمل، وهو أمر لا يمكنهم تحمله، لا يجدون خياراً أمامهم سوى تأجيل التحديثات.
لذلك من الممكن أن يبقى إصلاح صمم اليوم ويخضع لاختبارات سلامة مكثفة، غير مثبت فعلياً قبل عام 2030، وتعد هذه فترة طويلة جداً في عصر الهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. أما الجهات المشغلة الأكثر عرضة للموجة القادمة من هذه الهجمات، فهي نفسها الأقل امتلاكاً للقدرات اللازمة للدفاع عن نفسها، ولن يكون أي قدر من تبادل المعلومات الطوعي كافياً لسد هذه الفجوة.
أحكموا التحصينات
في الثاني من يونيو، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً أنشأ إطاراً طوعياً يمنح الحكومة إمكان الوصول المبكر إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة الجديدة لمدة تصل إلى 30 يوماً قبل طرحها على نطاق أوسع، ويوجه شبكات تكنولوجيا المعلومات الفيدرالية إلى إجراء بعض التحسينات الأمنية. وتعد هذه خطوة أولى مفيدة، لكن على واشنطن أن تشن تحركاً هجومياً أوسع بكثير. وتهدف الإجراءات التالية إلى استباق الهجمات ومنع وقوع الأضرار، لكن بعض عمليات الاختراق ستنجح في تجاوز الدفاعات، ولذلك يجب على الولايات المتحدة أيضاً بناء قدرة على الصمود تمكنها من استيعاب الاختراقات واحتوائها والتعافي منها عندما يتعذر إيقافها.
واستطراداً، ينبغي للولايات المتحدة وشركائها الدوليين المقربين استخدام قدراتهم لتعطيل البنية التحتية التي يستخدمها الخصوم لتقطير النماذج الأميركية وسرقتها، والحصول بصورة غير مشروعة على أشباه الموصلات المتقدمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي. كذلك، يجب على واشنطن فرض تكاليف حقيقية على الجهات التي تدير هذه الحملات، وإضعاف عمليات التموضع المسبق التي ينفذها الخصوم داخل الشبكات الأميركية [من خلال زرع تجهيزات وقدرات خفية مسبقاً داخل الأنظمة والشبكات] قبل أن تصبح جاهزة للتفعيل. وتمتلك الحكومة الأميركية شراكة مثالية بين وكالة الأمن القومي والقيادة السيبرانية الأميركية، بقيادة مسؤول واحد يشغل المنصبين معاً، من أجل توحيد قدرات الاستخبارات والأمن والعمليات السيبرانية الهجومية لتعطيل هذه التهديدات.
إضافة إلى ذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى مؤسسة متخصصة تنسق جهود الدفاع السيبراني، وتتمتع بخبرة عميقة في العواقب المادية للهجمات السيبرانية. وأفضل مرشح لهذا الدور هو "مختبر أيداهو الوطني" (Idaho National Laboratory)، المختبر الفيدرالي الذي أظهر في تجربة شهيرة (ومثيرة للقلق) عام 2007 أن هجوماً سيبرانياً يمكن أن يدمر فعلياً مولداً يعمل بالديزل، وليس فقط سرقة البيانات أو تعطيل الاتصالات، ويمكن لهذا المختبر الإشراف على توفير قدرات دفاعية ملموسة للمشغلين الصغار والمتوسطين لمرافق المياه والكهرباء والنقل.
لكن مجرد البحث عن الثغرات الأمنية لن يكون كافياً، فبينما تعد عملية إصلاح الثغرات من خلال التحديثات ضرورية، فإنها غير كافية: إذ يجب على المدافعين أن يفعلوا أكثر من مجرد إصلاح عدد أكبر من الثغرات وبجودة أعلى وبسرعة أكبر. فالموجة القادمة من الثغرات التي سيكتشفها الذكاء الاصطناعي ستتجاوز قدرة أي نظام لتثبيت التحديثات، وبالنسبة إلى كثير من الأنظمة القديمة، لن يتوفر أي إصلاح أو تحديث على الإطلاق. لذا، تحتاج الولايات المتحدة إلى التركيز على إعادة تصميم الدفاعات بحيث لا يؤدي حتى الاختراق الناجح إلى نتيجة مادية كارثية. ويعني هذا النوع من المرونة التشغيلية والقدرة على الصمود ضمان قدرة المشغلين على إبقاء الخدمات الحيوية قيد التشغيل، ولو في وضع يدوي محدود القدرة، إلى حين استعادة الأنظمة بالكامل.
تحتاج الولايات المتحدة إلى مؤسسة متخصصة لتنسيق الدفاع السيبراني
وسيتعين على الحكومة الأميركية، إضافة إلى مالكي البنية التحتية ومشغليها، تحفيز الموردين على التعاون. وينبغي لبرامج الوصول التي تديرها مختبرات الذكاء الاصطناعي لمشاركة نماذجها السيبرانية الأكثر تقدماً مع جهات دفاعية مختارة أن تضع قبول هؤلاء الموردين في مقدمة أولوياتها، ومما يزيد الأمر تعقيداً أن كثيراً من الشركات الكبرى، التي تصنع أنظمة تحكم تدير منشآت المياه والطاقة والمصانع وخطوط الأنابيب وغيرها من البنى التحتية الأميركية، تتخذ مقراً لها خارج البلاد. كما أن حث هذه الشركات الدولية على تحسين أمن منتجاتها السيبراني أو إصلاحها من خلال تحديثها، سيتطلب تنسيقاً مع الحكومات الأجنبية، مما يجعل الدفاع عن البنية التحتية الحيوية الأميركية مسألة تتعلق بتنسيق التحالفات بقدر ما هي مشروع سياسة داخلية.
ويتعين على الولايات المتحدة أيضاً أن تستخلص العبر بصورة عاجلة من الحملة الصينية الممتدة منذ سنوات لسرقة الملكية الفكرية الأميركية، فقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً لإنشاء إجراءات حماية مثل برنامج وزارة الدفاع لتبادل التهديدات مع المقاولين الحاصلين على تصاريح أمنية. ووجهت لائحة اتهام اتحادية صادرة عام 2014 اتهامات إلى ضباط عسكريين صينيين بالوقوف وراء اختراق شركات أميركية، من بينها شركة "ويستنغهاوس" (Westinghouse) لتصنيع المفاعلات النووية، منذ عام 2006 في أقل تقدير، لكن ذلك البرنامج الوقائي لم يفعل رسمياً إلا عام 2012. واليوم، تعد الشركات العاملة في مختلف مجالات الذكاء الاصطناعي أهدافاً عالية القيمة لأجهزة الاستخبارات الأجنبية. لذا، ينبغي ألا تكرر الولايات المتحدة ذلك التأخير، وعليها بدلاً من ذلك أن تسرع في تعزيز دعم مكافحة التجسس وغيرها من الجهود الرامية إلى مواجهة الأساليب الصينية.
في الواقع، يمكن الشروع فوراً في تنفيذ مشاريع تهدف إلى تعطيل عمليات التقطير والوصول غير القانوني إلى أكثر الرقائق الإلكترونية تقدماً، وتنسيق إصلاحات الأمن السيبراني لمشغلي البنية التحتية الأميركية من خلال مختبر حكومي واحد، وحماية شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة من التجسس، إذا طالب القادة الأميركيون بذلك. ويمكن للرئيس إصدار أوامر مباشرة بتنفيذ عدد كبير من هذه الإجراءات، والعمل مع الكونغرس لتسريع إقرار مخصصات مالية كافية لجهود استثنائية تهدف إلى تحسين أمن البنية التحتية الحيوية وتعزيز مرونتها وقدرتها على الصمود، ويجب على واشنطن أن تتحرك بسرعة. فإذا فشلت الولايات المتحدة في اتخاذ التدابير اللازمة قبل أن يحصل منافسوها الرئيسون على هذه النماذج من الذكاء الاصطناعي، قد يواجه الوطن موجة من الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لم يسبق له أن واجه مثلها.
مايكل سولماير هو أستاذ خبير في التطبيق العملي في جامعة جورجتاون، وشغل سابقاً منصب مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون السياسة السيبرانية.
مترجم عن "فورين أفيرز"، 22 من يوليو (تموز) 2026