Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قرصنة الصين للذكاء الاصطناعي

كيفية مواجهة "التقطير" غير المشروع من جانب بكين للتكنولوجيا

مكاتب شركة ذكاء اصطناعي صينية في بكين، مارس 2026 (رويترز)

ملخص

تستفيد شركات الذكاء الاصطناعي الصينية من تقنية "التقطير" لاستخراج قدرات النماذج الأميركية المتقدمة عبر تدريب نماذج أصغر على محاكاة أدائها اعتماداً على ملايين التفاعلات معها، ثم تطرح هذه النماذج بكلفة منخفضة وبصيغة تسمح بتشغيلها مباشرة على الأجهزة الشخصية. ويرى كاتبو المقال أن الخطر لم يعد يقتصر على تطوير الذكاء الاصطناعي، بل بات يتعلق بمن يهيمن على توزيعه وانتشاره عالمياً. ولمنع الصين من الفوز بهذه المعركة، يدعون واشنطن إلى تشديد القيود على التقطير غير المصرح به، وفي الوقت نفسه دعم تطوير نماذج أميركية مفتوحة الأوزان، والسماح بتقطير قانوني ومنظم داخل المنظومة الأميركية، بالتعاون مع القطاع الخاص والحلفاء، حتى لا تتحول النماذج الصينية إلى الخيار الافتراضي على أجهزة العالم.

جبهة جديدة تتشكل في خضم التنافس الأميركي-الصيني على الذكاء الاصطناعي، تتمثل في النماذج المدمجة في الأجهزة ومفتوحة الأوزان. وحتى زمن قريب، اتسمت معظم النماذج المقتدرة للذكاء الاصطناعي بشدة الضخامة وارتفاع التكلفة، ما يصعب تشغيلها إلا ضمن مراكز البيانات العملاقة التي تعتمد في عملها على رقاقات إلكترونية متخصصة وفائقة التطور ومرتفعة الثمن. إلا أن هذه الأنظمة بدأت الآن بالانتقال بوتيرة متسارعة من السحابة الإلكترونية إلى أجهزة المستهلكين، بما في ذلك حواسيبهم المحمولة وهواتفهم النقالة إذ باتت قادرة على الإجابة عن الأسئلة، وكتابة التعليمات البرمجية، وتنفيذ مهام نيابة عن المستخدم، من دون الحاجة إلى إرسال البيانات إلى خوادم بعيدة.

وبفضل التقدم التكنولوجي في مجالي النماذج والرقائق على حد سواء، أصبحت ما يعرف بنماذج "الأوزان المفتوحة"، التي تشكل بصورة متزايدة قوام معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي غير السحابية، أكثر ذكاءً وأصغر حجماً من سابقاتها، ويمكن تنزيلها بحرية من الإنترنت، وتعديلها، وتشغيلها من دون مزود مركزي.

وتَعِد هذه الأنظمة السريعة والمدمجة بالأجهزة الشخصية بإتاحة الوصول إلى تقنيات متقدمة لشريحة أوسع من المستخدمين، وخفض التكاليف، ومنح الأفراد سيطرة أكبر على الأدوات التي يستخدمونها يومياً. لكنها تنطوي أيضاً على خطر ترسيخ اختلال عميق في موازين القوة. فأكثر النماذج مفتوحة الأوزان تقدماً، والتي تنتشر حالياً على جهاز المستخدم نفسه، هي في معظمها نماذج صينية. وإذا استمرت الظروف الحالية، فمن المرجح أن تحتفظ الصين بهذا التفوق المهم. وإضافة إلى ذلك، طورت شركات صينية كثيراً من أفضل هذه النماذج عبر استخراج قدرات الأنظمة الأميركية الرائدة باستخدام عملية تُعرف باسم "التقطير" (Distillation)، وهي تقنية يُدرَّب فيها نموذج أصغر وأكثر كفاءة على محاكاة نموذج أكثر تطوراً، وذلك على نطاق صناعي واسع. وهو نهج لا تستطيع الشركات الأميركية اتباعه بسبب القيود التعاقدية والقواعد القانونية، إذ تحظر شروط الاستخدام لدى جميع مزودي الذكاء الاصطناعي الكبار استخدام مخرجات نماذجهم لتدريب أنظمة منافسة.

في ظل هذه المعطيات، لم تعد المنافسة الأساسية في الذكاء الاصطناعي مقتصرة على تطوير النماذج، بل امتدت إلى مرحلة التوزيع أيضاً، أي إلى تحديد أي دولة ستصبح نماذجها ورقائقها وأطرها البرمجية الخيار الافتراضي على مليارات الأجهزة حول العالم. وفي الوقت الراهن، تصمم الشركات الأميركية أفضل الرقائق وأكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً وتبيعها، لكن الشركات الصينية تعمد إلى تقطير هذه النماذج وضغطها لتعمل بكلفة منخفضة على أجهزة رخيصة، ثم تطرحها في الأسواق العالمية. وفي كثير من الحالات، تعود هذه المنتجات لتُباع داخل الولايات المتحدة نفسها. ونتيجة لذلك، يتشكل تفوق صيني يشوه المنافسة في السوق، ويضع الشركات الأميركية والمستخدمين حول العالم ممن يحتاجون إلى البناء على نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان أمام خيار صعب: إما استخدام النماذج الصينية أو المخاطرة بالتخلف عن الركب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبات من الممكن الآن أن تكسب الولايات المتحدة معركة تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، لكنها تخسر حرب التوزيع، لا بسبب قصور تقني، بل لأنها أخفقت في ضمان تكافؤ الفرص في السوق. ومع ذلك، لا تزال هناك فرصة للرد. فعلى مدى العقد الماضي، طورت واشنطن مجموعة من الأدوات والسياسات للتعامل مع الممارسات الصينية المناهضة للمنافسة، وعليها اليوم أن تكيّف هذه الاستراتيجيات بما يدعم التقدم الأميركي والريادة الأميركية في مجال النماذج مفتوحة الأوزان، وفي الوقت نفسه يعاقب الممارسات التي تتجاوز حدود البحث العلمي المعتاد إلى ما يشبه الحرب الاقتصادية. وتنطوي هذه المقاربة على أخطار، إذ إن تطبيقها على نطاق واسع قد يضر بريادة الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي عبر تقييد الوصول إلى المواهب والنماذج التي تحتاج إليها لتحقيق النجاح. أما إذا نُفذت بدقة، فقد تشكل هذه الاستراتيجية مكملاً لجهود القطاع الخاص في مكافحة عمليات التقطير غير المصرح بها، وتضمن استمرار التفوق الأميركي في الذكاء الاصطناعي خلال العقد المقبل.

مرحلة جديدة

حتى وقت قريب، كان المستخدمون العاديون يواجهون صعوبة في تشغيل الذكاء الاصطناعي على أجهزتهم الخاصة. فالرقائق المثبتة في الأجهزة اليومية، بما في ذلك الحواسيب المحمولة والهواتف الذكية، كانت تفتقر إلى الذاكرة الكافية لاستيعاب النماذج المتقدمة، وإلى القدرة الحوسبية اللازمة لتشغيلها بسرعات عملية. كذلك فإن البرمجيات التي تتيح لهذه النماذج تنفيذ مهام متعددة الخطوات بشكل موثوق - مثل قراءة مستند، وصياغة رد، ثم حفظه في المجلد المناسب - لم تكن قد بلغت بعد مستوى النضج المطلوب.

اليوم، لم يعد الأمر كذلك. فقد أصبحت العتاد أكثر كفاءة على نحو ملحوظ، وكذلك النماذج التي تعمل مباشرة على الأجهزة. وأظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد أن نسبة الاستفسارات التي تستطيع النماذج المثبتة على الأجهزة الإجابة عنها بدقة ارتفعت من 23 في المئة عام 2023 إلى 71 في المئة في 2025. وهذا يعني أن المستخدم بات قادراً على تنزيل نموذج ذكاء اصطناعي ذي "أوزان مفتوحة" مباشرة على الحاسوب المحمول أو الهاتف الذكي وتشغيله من دون اتصال بالإنترنت، بحيث يُجاب عن الاستفسارات عبر معالج الجهاز نفسه بدلاً من الاعتماد على مراكز بيانات بعيدة.

ويتزايد الطلب على المنظومات غير السحابية للذكاء الاصطناعي بدفع من أسباب متنوعة. ويرغب مطورو البرامج الرقمية في الحصول على نماذج يستطيعون إنزالها وتعديلها وتشغيلها وتوظيفها بشكل مستقل. وتبدي الأعمال المختلفة رغبتها في الاحتفاظ بالبيانات الحساسة ضمن بنيتها التحتية الرقمية، فيما تحتاج شركات الذكاء الاصطناعي إلى إجراء عمليات ضبط دقيقة على النماذج الذكية باستخدام بياناتها الخاصة بها. كذلك تدفع عوامل اقتصادية وبنيوية السوق نحو النماذج غير السحابية. فالوصول إلى الخدمات السحابية مكلف، كذلك تعتمد النماذج المعتمدة على السحابة على مراكز بيانات ضخمة تواجه قيوداً متزايدة في إمدادات الطاقة. ومن خلال نقل أعباء تشغيل الذكاء الاصطناعي إلى أجهزة المستخدم الخاصة، يتوزع الحمل على ملايين الأجهزة الموجودة بالفعل، مع تجنب القيود المادية والسياسية المتنامية التي تواجهها مراكز البيانات.

وثمة ميزة أخرى تتمثل في توزيع قدرات الذكاء الاصطناعي جغرافياً على نطاق واسع. فقد كشفت الأحداث في مارس (آذار) الماضي أخطار الاعتماد الكامل على مراكز البيانات لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، عندما تعرضت مراكز بيانات تابعة لـ"أمازون ويب سيرفيسز" في الإمارات العربية المتحدة والبحرين لأضرار جراء هجمات بطائرات مسيرة إيرانية. وأدت الضربات إلى تعطيل جزء من البنية التحتية الإقليمية للشركة، مما تسبب في توقف أنظمة مصرفية وتطبيقات دفع وخدمات نقل وتطبيقات مؤسسية. وفي أعقاب ذلك، هدد "الحرس الثوري" الإيراني البنية التحتية في الشرق الأوسط التابعة لأكثر من اثنتي عشرة شركة تكنولوجيا أميركية، من بينها شركات رائدة في الذكاء الاصطناعي. ومع تزايد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لدعم العمليات العسكرية، أصبحت مراكز البيانات عملياً منشآت مزدوجة الاستخدام، وبالتالي أهدافاً محتملة للضربات العسكرية. ومن ثم فإن تركيز القدرات في عدد محدود من المنشآت الكبيرة المكشوفة يمثل نقطة ضعف استراتيجية، فيما تشكل النماذج غير السحابية التي تعمل على عدد هائل من الأجهزة بديلاً أكثر أماناً وقدرة على الصمود.

صناعة محفوفة بالأخطار

تدرك الشركات الصينية المزايا التي توفرها النماذج غير السحابية، ولذلك تتسابق لاستخراج القدرات من النماذج الأميركية عبر تقنية التقطير، في ظروف لا يُسمح للشركات الأميركية بتكرارها داخل الولايات المتحدة. ففي فبراير (شباط) الماضي، كشفت شركة الذكاء الاصطناعي الأميركية "أنثروبيك" أن مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية "ديب سيك" و"مونشوت" و"ميني ماكس" أجرت مجتمعة أكثر من 16 مليون تفاعل مع نموذج "كلود" التابع للشركة من خلال نحو 24 ألف حساب مزيف، بهدف استخراج قدرات عالية القيمة في مجالات الاستدلال والبرمجة واستخدام الأدوات. ووصفت "أنثروبيك" هذا النشاط بأنه عملية تقطير ممنهجة وليست مجرد إساءة استخدام معزولة. ونتيجة لذلك، انتقلت قدرات استثمرت الشركة مئات ملايين الدولارات لتطويرها إلى منتجات صينية منافسة خلال أسابيع من طرحها.

ولا تكمن المشكلة في التقطير بحد ذاته. فانتقال المعرفة جزء أساسي من آلية الابتكار في منظومة الذكاء الاصطناعي، كذلك يعتمد المطورون حول العالم على النماذج مفتوحة الأوزان في أبحاث مشروعة. لكن الإشكالية تكمن في أن الشركات الصينية تستطيع الانخراط بحرية في عمليات واسعة النطاق لاستخراج القدرات من النماذج الأميركية الرائدة، في حين تُقيد الشركات الأميركية بشروط الاستخدام والأعراف القانونية التي يتجاهلها منافسوها الأجانب. وتنفق المختبرات الأميركية الرائدة عشرات مليارات الدولارات لتدريب النماذج، لكن يمكن سحب هذه القدرات وإعادة طرحها بكلفة لا تمثل سوى جزء ضئيل من الكلفة الأصلية. وبهذا المعنى، أصبحت الشركات التي تتحمل كلفة الأبحاث المتقدمة تمول بصورة غير مباشرة خطوط إنتاج منافسيها الذين يسعون لاحقاً إلى منافستها عبر الأسعار المنخفضة.

ولا تقل الأخطار الأمنية المرتبطة بالتقطير أهمية عن التحديات الاقتصادية. فالتقطير ينقل القدرات التي تكتسبها النماذج خلال التدريب، لكنه لا ينقل بالضرورة الضمانات الأمنية الأساسية التي تُضاف بعد انتهاء التدريب الأساسي. وتشمل هذه الضمانات مواءمة النموذج مع التعليمات البشرية ورفض الطلبات الضارة، واختبارات "الفريق الأحمر" التي يجريها خبراء لاكتشاف الثغرات وإصلاحها، وأنظمة التصفية الأمنية التي تراقب المدخلات والمخرجات الخطرة. وبما أن هذه الضمانات لا تنتقل خلال عملية التقطير، فقد تكون العواقب خطرة. ففي مطلع عام 2025، كشفت شركة التكنولوجيا الأميركية "سيسكو" أن نموذج الاستدلال الصيني مفتوح الأوزان "ديب سيك-آر 1" أخفق في حجب طلبات اختبارية ضمن اختبار أمني معياري يعرف باسم "هارم بنش" HarmBench، يغطي فئات تشمل الجرائم الإلكترونية والأسلحة غير القانونية وحملات التضليل. كذلك أظهرت شركة الأمن السيبراني "كراود سترايك" CrowdStrike أنه عند إضافة مصطلحات سياسية حساسة مثل "التبت" و"فالون غونغ" و"الإيغور" إلى طلبات برمجية عادية، ارتفعت احتمالات أن ينتج "ديب سيك-آر 1" أكواداً تحتوي على ثغرات أمنية بنسبة تصل إلى 50 في المئة.

وقد سلطت تجربة "أوبن كلو" OpenClaw، وهو إطار عمل مفتوح المصدر لوكلاء الذكاء الاصطناعي يعمل على أجهزة المستخدمين مباشرة، الضوء على هذه الأخطار. فبعد إطلاقه في أواخر عام 2025، أصبح "أوبن كلو" واحداً من أسرع المشاريع نمواً على منصة "غيت هاب" GitHub، مستقطباً ملايين المستخدمين شهرياً. وعلى عكس روبوتات الدردشة القائمة على المتصفح، يمنح "أوبن كلو" الوكلاء المثبت على الجهاز ذاكرة وأدوات وقدرة على تنفيذ الأفعال باستخدام عتاد الجهاز نفسه. وغالباً ما يقترن استخدامه بنماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة الأوزان. وبما أن هذا النظام وأمثاله ينشئون الأكواد البرمجية ويشغلونها بصورة ذاتية، فإن الثغرات الموجودة في النماذج الأساسية لا تبقى مجرد نصوص، بل تتحول إلى برامج تُترجم وتُنشر وتُنفذ على جهاز المستخدم. وسرعان ما امتلأ متجر "المهارات" الخاص به، الذي يوفر وظائف جاهزة لوكلائه، بأكثر من 340 إضافة خبيثة. كذلك وجد فريق أبحاث التهديدات وأمن الذكاء الاصطناعي في "سيسكو" أن إحدى أكثر المهارات شعبية في المجتمع كانت عملياً برمجية خبيثة، مما يوضح مدى خطورة النماذج مفتوحة الأوزان التي لا ترفض التعليمات الضارة بوضوح.

ومن شأن الانتشار غير المقيد للنماذج غير السحابية الصينية المستخلصة من منتجات أميركية أن يفضي إلى شكل خطير من الاعتماد الجيوسياسي. فقد يبدأ المطور باستخدام نموذج صيني غير سحابي فقط، لكنه إذا احتاج لاحقاً إلى قدرات سحابية واسعة النطاق، فسيتجه بصورة طبيعية إلى مزود الخدمات السحابية الذي يستضيف ذلك النموذج ويطوره. وهكذا تصبح الأفضلية لـ"سحابة علي بابا" بدلاً من البديل الأميركي "أمازون ويب سيرفيسز". ومع مرور الوقت، قد يعتمد المطور على رقائق "هواوي" بدلاً من رقائق "إنفيديا". وما يبدأ بوصفه قراراً اقتصادياً مدفوعاً بالكلفة يتحول تدريجاً إلى اعتماد متكامل وطويل الأمد على منظومة تقنية كاملة. وقد ظهر هذا النمط سابقاً في قطاعات الاتصالات والمدفوعات الرقمية والبنية التحتية التكنولوجية. وهو جزء من استراتيجية صينية أوسع لتوسيع النفوذ عبر التكنولوجيا، تمتد من مشاريع البنية التحتية في إطار مبادرة "الحزام والطريق" إلى شبكات الجيل الخامس التابعة لـ"هواوي"، إذ تتحول المزايا السعرية الأولية بصورة منهجية إلى علاقات اعتماد دائمة. وإذا أصبحت النماذج الصينية المشتقة من نظيراتها الأميركية المصدر الافتراضي للذكاء على مليارات الأجهزة حول العالم، فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها وقد سمحت لبكين بممارسة نفوذ واسع على الأدوات التي يستخدمها الناس يومياً للحصول على المعلومات والتواصل والعمل.

أغلق الأبواب وسارع بالتحرك

يتحتم على واشنطن مواجهة هذا التفوق الصيني عبر إبطاء جهودها غير المشروعة في تقطير الذكاء الاصطناعي، بالترافق مع تسريع التطور في منظومة النماذج الأميركية الذكية المفتوحة الأوزان. وقد شرعت الشركات الأميركية الكبرى في الذكاء الاصطناعي، بمحاولة إبطال التقطير غير المشروع. وأرست "أنثروبيك" برنامجاً يستطيع التحقق من البصمات السلوكية للمستخدمين بمعنى التدقيق في أنماط تعاملهم مع نماذجها الذكية، ومنظومات لتشكيل الاستجابات المطلوبة حيال الأنماط التي تحمل السمات المميزة للتقطير المؤتمت، ثم العمل بدقة على تغيير مخرجات النماذج كي تضحي البيانات المتحصلة منها أقل نفعاً للخصم. وكذلك وظفت "غوغل" برامج تقص مماثلة نجحت في التعرف إلى حملة قوامها مئة ألف طلب استهدفت نموذج "جيميني". وحذرت "أوبن أي آي" بدورها الكونغرس من تعرضها لحملات تقطير مماثلة تُنفذ على نطاق صناعي.

تمثل هذه الخطوات بداية جيدة، لكنها على الأرجح لن تحل المشكلة بالكامل، لأن الجهات المصممة على تنفيذ هذه العمليات قادرة عادة على الالتفاف على معظم وسائل الحماية التقنية. فالعلامات المائية الرقمية التي تدرجها الشركات في مخرجات النماذج يمكن حذفها أو تعديلها، كما يمكن طمس البصمات السلوكية التي تعتمد عليها أنظمة الرصد عبر عمليات تدريب إضافية، فضلاً عن أن الكشف لا يكون ممكناً إلا عندما تستطيع الشركات مراقبة كيفية استخدام نماذجها أساساً. ولذلك، ينبغي للحكومة الأميركية أن تدعم جهود القطاع الخاص من خلال التركيز أولاً على السياسات التجارية والتنظيمية. فما زالت سلاسل التقطير تعتمد على الوصول إلى الرقائق الأميركية لأغراض التدريب، مما يجعل ضوابط التصدير من أكثر الأدوات فاعلية للحد منها على نطاق واسع. وينبغي الإبقاء على هذه الضوابط وتشديدها، خصوصاً عندما تكون الرقائق معروفة بدورها في تمكين عمليات التقطير غير المصرح بها.

وفي إطار هذا التوجه، ينبغي لواشنطن توسيع نطاق تطبيق "قاعدة المنتج الأجنبي المباشر" (FDPR)، التي تتيح لها فرض متطلبات ترخيص على المنتجات الأجنبية التي تستخدم تقنيات منشؤها الولايات المتحدة. وبموجب هذا المنطق، ستخضع أي نماذج صينية دمجت بصورة منهجية قدرات مستخرجة من الأنظمة الأميركية الرائدة لمتطلبات ترخيص خاصة. وإذا رُفض منح هذه التراخيص، فسيعني ذلك حظر نشر هذه المنتجات تجارياً، أو دمجها في منتجات الشركات، أو تصديرها إلى دول ثالثة. ولن يمنع هذا الإجراء تطوير نماذج غير سحابية قائمة على التقطير، لكنه سيعرقل نشرها وتسويقها عالمياً.

وقد أثبتت قاعدة المنتج الأجنبي المباشر فاعليتها سابقاً في مجالي معدات الشبكات وأدوات تصنيع أشباه الموصلات. وقد يكون توسيع نطاقها ليشمل الذكاء الاصطناعي أكثر أهمية، لأن النموذج المقطر يمكن نشره ودمجه في منتجات تجارية خلال ساعات من إطلاقه، مما يجعل السيطرة على مسار الاستخدام التجاري اللاحق أمراً أساسياً. كذلك فإن نهجاً من هذا النوع يتمتع بميزة عملية تتمثل في استهداف نموذج بعينه بدلاً من معاقبة شركات أو كيانات كاملة بصورة عامة. وبناءً على ذلك، يمكن استخدامه بمفرده أو بالتوازي مع إجراءات أخرى، مثل إدراج المؤسسات المعنية على "قائمة الكيانات"، الأمر الذي سيقطع رسمياً وصول مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية المنخرطة في التقطير غير المصرح به إلى التكنولوجيا والمكونات الأميركية. وبموجب "قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية"، تستطيع الولايات المتحدة أيضاً تجميد الأصول الأميركية لهذه المختبرات، ومنع المواطنين والشركات الأميركيين من التعامل معها، وفرض أخطار ثانوية على الشركات الأجنبية التي تواصل تزويدها أو التعاون معها.

لم يعد التباري الرئيس في الذكاء الاصطناعي مقتصراً على التطوير، بل توسع ليشمل التوزيع والانتشار

لكن هذه التدابير الوقائية، مهما اتسع نطاقها، لن تكون كافية وحدها. إذ يتعين على واشنطن أن تشجع بصورة عاجلة تطوير بدائل أميركية تنافسية مفتوحة الأوزان. ففي الوقت الراهن، تعمل الحوافز الاقتصادية ضد المطورين الأميركيين في هذا المجال. فالمختبرات الرائدة مترددة في إطلاق نماذج قد تؤثر سلباً في منتجاتها الناجحة الحالية، بينما لا يستطيع المطورون الأميركيون المستقلون استخدام التقطير انطلاقاً من النماذج الرائدة من دون انتهاك شروط الاستخدام التي تتيح لهم الوصول إليها.

ولمعالجة ذلك، ينبغي لواشنطن أن تعمل مع شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة للسماح بعمليات تقطير محدودة وخاضعة للمساءلة تقوم بها شركات أميركية وشركات من الدول الحليفة، على أن يُنص على ذلك صراحة في شروط الاستخدام. ويمكن أن تكون هذه العمليات مقيدة وخاضعة لمراجعات أمنية، على النقيض من عمليات الاستخراج المفتوحة والمجهولة التي تمارسها بعض المختبرات الصينية. وفي الوقت نفسه، ينبغي توجيه الموارد العامة وتمويل الأبحاث لتشجيع الجهات الأميركية على تطوير نماذج مفتوحة الأوزان قوية والحفاظ عليها، بما يمنح المطورين والشركات والحكومات حول العالم سبباً مقنعاً لاختيار البديل الأميركي. ويبرهن إطلاق "غوغل" أخيراً لعائلة نماذج "جيما 4"، المبنية على الأبحاث نفسها التي يستند إليها "جيميني"، أن الشركات الأميركية قادرة بالفعل على إنتاج نماذج مفتوحة الأوزان تنافسية عندما تتوافر لديها الدوافع الكافية. وإذا أصبحت البدائل الأميركية للنماذج الصينية متاحة على نطاق واسع، فإن الحافز لاستخدام بدائل غير خاضعة للحوكمة ومبنية على قدرات مستخرجة سيتراجع بصورة كبيرة.

وستكون فعالية هذه الإجراءات أكبر إذا نُفذت بالتنسيق مع الحلفاء. ولذلك ينبغي على واشنطن أن تعمل مع شركائها في آسيا وأوروبا ومناطق أخرى لتوحيد المقاربات السياسية وتشكيل ائتلاف واسع قادر على وضع معايير مشتركة لعمليات التقطير وترخيص النماذج وضوابط التصدير. ومن دون هذا التنسيق، سيكون من السهل الالتفاف على الإجراءات الأميركية. فالمختبر الصيني المحروم من الرقائق الأميركية يمكنه تحويل مشترياته عبر أسواق أخرى، كذلك فإن النموذج مفتوح الأوزان الممنوع من دخول الولايات المتحدة قد يجد مستخدمين بسهولة في أوروبا أو اليابان. صحيح أن تحقيق هذا التنسيق لن يكون سهلاً، لكن الديمقراطيات التي تنتج أكثر الرقائق تطوراً، وأقوى النماذج الرائدة، وأكبر أسواق البرمجيات في العالم، ما زالت تسيطر على معظم نقاط الاختناق الاستراتيجية في هذا القطاع. وهي قادرة على التحرك. وعلى مستوى القطاع الخاص، ينبغي للشركات الأميركية أن تتبادل أدوات كشف التقطير التي طورتها وأن تؤسس معايير تعاون مشتركة لحماية النماذج.

في العام الماضي، حذر أحد كاتبي هذا المقال، جاريد دنمون، على صفحات "فورين أفيرز" من أن نجاح التقطير الصيني في دفع النماذج مفتوحة الأوزان الصينية إلى التفوق على نظيراتها الأميركية قد يقوض بصورة جوهرية ريادة الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي. وقد تحقق هذا التحذير بالفعل. فعمليات الاستخراج تُنفذ الآن على نطاق صناعي، كذلك فإن الحوسبة غير السحابية على الأجهزة الشخصية تجاوزت نقطة تحول حاسمة. وأثبتت أنظمة مثل "أوبن كلو" أن المستخدمين حول العالم يريدون نماذج تعمل مباشرة على أجهزتهم، بينما أظهرت الهجمات على مراكز البيانات في منطقة الخليج هشاشة البنية التحتية المركزية للحوسبة أمام التهديدات المادية.

ومع اقتراب أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة أكثر فأكثر من تحقيق ما وصفه الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، داريو أمودي، بأنه "بلد من العباقرة داخل مركز بيانات"، فإن الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان يشغل بالفعل عالماً واسعاً من المساعدين الافتراضيين المنتشرين على أجهزة المستخدمين في مختلف أنحاء العالم، ويساعد الناس على العمل والعيش بكفاءة وفاعلية أكبر. وستُحسم المرحلة المقبلة من التنافس الأميركي- الصيني في الذكاء الاصطناعي، إلى حد كبير، بناءً على هوية النماذج غير السحابية التي ستصبح الخيار الأساسي على الأجهزة حول العالم. وإذا لم تُجر واشنطن التغييرات اللازمة، فسيكون هذا الموقع من نصيب الصين.

 

جاريد دنمون، شغل منصب المدير التقني للذكاء الاصطناعي في وحدة الابتكار الدفاعي التابعة لوزارة الدفاع الأميركية بين عامي 2020 و2023. وهو مستشار أول في برنامج الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والحوكمة بمركز التعاون الدولي للأمن في جامعة ستانفورد، وزميل غير مقيم في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا.

آفانيكا نارايان، باحثة دكتوراه في علوم الحاسوب بجامعة ستانفورد، ومشاركة في ابتكار وقيادة مشروع "أوبن جارفيس"، وهو إطار عمل مفتوح المصدر لوكلاء الذكاء الاصطناعي العاملين على الأجهزة الشخصية.

جون سعد–فالكون، باحث دكتوراه في علوم الحاسوب بجامعة ستانفورد، ومشارك في ابتكار وقيادة مشروع "أوبن جارفيس"، وهو إطار عمل مفتوح المصدر لوكلاء الذكاء الاصطناعي العاملين على الأجهزة الشخصية.

مترجم عن "فورين أفيرز"، 29 مايو (أيار) 2026

المزيد من تحلیل