Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الخليج يعمل فوق 45 درجة وموجات الحر تربك اقتصاد أوروبا

208 مليارات دولار كلفة قيظ الصيف الأوروبي ودول مجلس التعاون تدفع الثمن عبر الطاقة والمياه

لماذا تتعرض اقتصادات أوروبية لضرر واضح عند درجات حرارة أدنى من تلك التي تعيشها دول الخليج بصورة معتادة؟ (اندبندنت عربية)

ملخص

موجات الحر تهدد النمو الأوروبي بخسائر تقدر بنحو 208 مليارات دولار، بينما تبدو اقتصادات الخليج أكثر قدرة على مواصلة النشاط على رغم درجات حرارة أعلى بكثير.
 

تهدد موجة الحر والجفاف التي تضرب أوروبا هذا الصيف بمحو جزء كبير من النمو الاقتصادي المتوقع في المنطقة، إذ قد تتسبب، وفق تقديرات نشرها بنك "تريودوس" الهولندي الأسبوع الجاري، في خسائر تقارب 180 مليار يورو (208 مليارات دولار أميركي)، أي نحو واحد في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، مع تراجع إنتاجية العمال والزراعة واضطراب الطاقة والنقل.

خسائر أوروبا من موجة الحر

وتظهر تفاصيل التقديرات أن تراجع إنتاجية العمالة وحده قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بنحو 0.6 في المئة، فيما يتوقع انخفاض الناتج الزراعي بين ثلاثة وسبعة في المئة. وتزيد الأضرار مع ارتفاع أسعار الغذاء والكهرباء، ومحدودية توليد الطاقة، واضطراب حركة النقل على الطرق والسكك الحديد والممرات المائية الداخلية. ومن المتوقع أن تكون فرنسا الأكثر تضرراً، مع انخفاض ناتجها بنحو 1.4 في المئة واحتمال تسجيل انكماش سنوي بنسبة 0.6 في المئة، فيما تواجه إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا خسائر واضحة، مقابل تأثر أقل في دول مثل بولندا.

وتكشف هذه الخسائر عن مفارقة لافتة مع دول الخليج، حيث تتجاوز درجات الحرارة 45 مئوية لأشهر من العام، في مقابل موجات حارة أقصر وأقل حدة في أوروبا غالباً. ومع ذلك، نجحت دول الخليج في الحد من انتقال أثر الحر مباشرة إلى الناتج عبر استثمارات ضخمة في الكهرباء والتبريد وتحلية المياه والبنية التحتية، وإن ظلت كلفة التكيف مع الحرارة قائمة ومتزايدة.

فلماذا تتعرض اقتصادات أوروبية لضرر واضح عند درجات حرارة أدنى من تلك التي تعيشها دول الخليج بصورة معتادة؟

 

لماذا نصمد أكثر أمام قيظ الصيف؟

ويجيب الاقتصادي العماني محمد علي العريمي بأن السبب لا يعود إلى أن اقتصادات الخليج لا تتأثر بالحرارة، وإنما إلى أن دول المنطقة أنشأت على مدى عقود بنية اقتصادية مصممة أساساً للعمل في درجات حرارة مرتفعة، تشمل التكييف المركزي والمباني المغلقة وشبكات الكهرباء ذات القدرة العالية، وتحلية المياه ووسائل النقل المكيفة، إلى جانب تعديل ساعات العمل في القطاعات الخارجية.

وفي المقابل، تعمل قطاعات واسعة من الاقتصاد الأوروبي ضمن بيئة مناخية لم تُصمم تاريخياً للتعامل مع موجات حر متكررة وشديدة، ولذلك تظهر الخسائر بصورة مباشرة عندما ترتفع درجات الحرارة، سواء في إنتاجية العمال أو الزراعة أو النقل أو الطاقة.

ويشير العريمي إلى تقديرات مركز الأبحاث المشترك للمفوضية الأوروبية، التي تفيد بأن خسائر إنتاجية العمل الناتجة من موجات الحر قد تصل إلى متوسط 0.77 في المئة من الناتج الأوروبي خلال الفترة بين عامي 2035 و2045، وترتفع إلى أكثر من واحد في المئة خلال العقود اللاحقة إذا استمر تغير المناخ بالمعدلات الحالية.

ويؤكد العريمي أن الاستثمارات المبكرة في التبريد والكهرباء وتحلية المياه والبنية التحتية خففت انتقال أثر الحرارة مباشرة إلى الناتج الاقتصادي.

ويرى أن المقارنة الأدق ليست في درجات الحرارة وحدها، بل في القدرة على التكيف معها، فأوروبا تتمتع تاريخياً بتعرض أقل للحرارة، لكنها أقل استعداداً لموجات شديدة ومتكررة، بينما تواجه دول الخليج تعرضاً أعلى بكثير، في مقابل قدرة أكبر على التكيف والحفاظ على استمرار النشاط الاقتصادي.

فاتورة الحر في دول مجلس التعاون

ويرى الاقتصادي العماني أن كلفة الحر على اقتصادات الخليج تظهر في مسارين متوازيين، الطاقة والتبريد والمياه من جهة، وتراجع إنتاجية العمل من جهة أخرى، موضحاً أن العبء المباشر الأكبر يتركز حالياً في الكهرباء والتبريد والتحلية، فيما تتزايد خسائر الإنتاجية كلما أصبحت درجات الحرارة أكثر تطرفاً.

 

ووفق وكالة الطاقة الدولية، يمثل التبريد نحو نصف ذروة الطلب على الكهرباء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونحو ربع استهلاك الكهرباء السنوي، فيما يتوقع أن يكون التبريد وتحلية المياه مسؤولين معاً عن نحو 40 في المئة من نمو الطلب على الكهرباء في المنطقة حتى عام 2035.

وتعزز التقديرات السعودية هذه الصورة، إذ خلصت دراسة لمركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك) نُشرت في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى أن تغير المناخ قد يرفع الطلب على خدمات التبريد في السعودية بنحو 80 في المئة بحلول نهاية القرن، فيما قد يزيد استهلاك الكهرباء داخل المباني بما يصل إلى 20 في المئة بفعل المناخ وحده، وترتفع نفقات الأسر على الكهرباء بين 8 و33 في المئة بحسب السيناريو.

ويرى العريمي أن هذه الأرقام تعكس جزءاً من الكلفة التي تتحملها اقتصادات الخليج للحفاظ على النشاط في الأجواء شديدة الحرارة، إذ تذهب استثمارات كبيرة إلى محطات الكهرباء والشبكات والتبريد وتحلية المياه، ليس فقط لدعم التوسع الاقتصادي، بل لضمان استمرار المدن والمصانع والمنازل في العمل.

لكن فاتورة الحر لا تقف عند الطاقة والبنية التحتية، بل تمتد أيضاً إلى إنتاجية العمل. فقد أظهرت دراسة للبنك الدولي نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي أن زيادة التعرض للحرارة الشديدة بنحو 17 يوماً إضافياً سنوياً ارتبطت بانخفاض المبيعات بنحو ستة في المئة، وإنتاجية العامل أربعة في المئة، والأجور ثمانية في المئة، مما يبرز حدود الاعتماد على التكييف وحده، خصوصاً في قطاعات البناء والنقل واللوجيستيات والصيانة والصناعة.

ويتفق المستشار الاقتصادي حسين العطاس مع هذا الطرح، معتبراً أن الفارق بين أوروبا والخليج لا يتعلق بدرجات الحرارة وحدها، بل بطريقة استعداد الاقتصاد لها. ويقول إن أوروبا تدفع ثمن الحرارة عندما تضرب الإنتاجية والنقل والزراعة والطاقة، بينما يدفع الخليج جزءاً كبيراً من الثمن مسبقاً عبر التبريد والكهرباء والمياه والبنية التحتية. ويرى أن هذا النموذج يفسر قدرة مدن خليجية على مواصلة نشاطها عند درجات حرارة تقترب من 45 مئوية، لكنه يحذر من أن ارتفاع الحرارة وتكرار الظواهر المتطرفة سيرفعان كلفة التكيف مستقبلاً، ليصبح السؤال ليس فقط ما إذا كان الاقتصاد يستطيع تحمل 50 درجة، بل كم سيكلف إبقاء النشاط ممكناً عندها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحر يفتح أسواقاً جديدة في الخليج

ويشير الاقتصادي العماني محمد علي العريمي إلى أن ارتفاع درجات الحرارة سيجعل عدداً من القطاعات المرتبطة بالتكيف أكثر أهمية اقتصادياً واستثمارياً، من بينها كفاءة الطاقة، والتبريد المركزي، والمباني الذكية، والطاقة الشمسية والتخزين، وإدارة المياه، والتشجير والتصميم الحضري، إلى جانب تحسين إنتاجية العمل في الأجواء الحارة.

ويرى أن الإنفاق على الكهرباء والتبريد وتحلية المياه يمثل في الوقت نفسه كلفة اقتصادية واستثماراً يحمي الناتج المحلي، إذ ترفع هذه الاستثمارات قدرة الاقتصاد على الاستمرار، لكنها تستهلك أيضاً موارد رأسمالية كان يمكن توجيهها إلى الصناعة أو البحث والتطوير أو التعليم، وهو ما يندرج ضمن "كلفة التكيف".

ويضيف العريمي أن الخليج يحاول في المقابل خفض فاتورة التكيف بالتكنولوجيا ورفع الكفاءة، سواء عبر أنظمة التبريد الأكثر كفاءة أو تطوير تقنيات التحلية والطاقة المتجددة، بحيث لا تظل كلفة التعامل مع الحرارة ثابتة مع مرور الوقت.

القدرة على التكيف ليست بلا سقف

لكن هذه القدرة، في رأي العريمي، ليست بلا حدود. فمع استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد تضطر الاقتصادات الخليجية إلى إنفاق مبالغ متزايدة فقط للحفاظ على المستوى نفسه من النشاط، مما قد يقلص العائد الاقتصادي من كل استثمار إضافي في التكيف.

ويرى العريمي أن الكهرباء والتبريد والمياه ستظل على المدى القريب من أبرز مصادر الكلفة، لكن إنتاجية العمال قد تصبح تحدياً أكبر على المدى الطويل، إذ يمكن زيادة قدرات توليد الكهرباء وتوسيع الشبكات نسبياً، بينما تظل قدرة جسم الإنسان على تحمل الحرارة محدودة، خصوصاً في قطاعات البناء والنقل والموانئ والصيانة والمنشآت النفطية.

وتدعم بيانات منظمة العمل الدولية هذه المخاوف، إذ تشير إلى أن التعرض المهني للحرارة المفرطة في الدول العربية أعلى من المتوسط العالمي، وطال نحو 83.6 في المئة من القوى العاملة في المنطقة، وفق تقديرات حديثة للمنظمة، مما يعزز احتمال تحول إنتاجية العمل إلى أحد أبرز أوجه الكلفة الاقتصادية للحر.

ولهذا يتوقع العريمي أن تصبح إعادة تنظيم ساعات العمل، وتقليل التعرض المباشر للشمس، والأتمتة والروبوتات، والانتقال إلى أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، أدوات اقتصادية للتكيف وليست مجرد إجراءات للسلامة المهنية.

ويخلص إلى أن التحدي المستقبلي أمام دول الخليج لن يقتصر على مدى قدرتها على تحمل درجات حرارة أعلى، بل في كلفة إبقاء الاقتصاد قادراً على العمل عند تلك المستويات. فإذا استنفدت متطلبات التكيف نسبة متزايدة من الاستثمارات المخصصة لتنويع الاقتصاد ورفع الإنتاجية، فقد تبدأ كلف المناخ نفسها في الضغط على معدل النمو المحتمل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير