ملخص
أربع مساحات يجب أن تسيطر عليها أميركا لضمان مكانتها الرفيعة في التكنولوجيا، مع وجوب عدم حصر تركيزها على الابتكار واختراقاته العلمية وتذكر أن التنافس مع الصين ماراثون طويل قد يستغرق عقوداً من الزمن. وتتمثل تلك المساحات في تجديد القاعدة الصناعية التكنولوجية، وسرعة تبني الجيش للابتكارات التقنية والتأقلم معها، وإرساء نظام رقمي عالمي يسيطر عليه النموذج الأميركي في التكنولوجيا، واستقرار العلاقة مع الصين بما يشمل التعاون في خضم التنافس.
إن الدول التي تتقن التأقلم يؤول إليها الفوز في الصراع بين القوى العظمى. ودأبت أثينا وإسبارطة على الابتكار وتبادلت أساطيلهما باستمرار مرتبة التفوق. وخلال "الحرب الباردة" انخرطت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في سباق الفضاء طوال عقدين من الزمن. والآن، تتنافس أميركا على التكنولوجيا بوصفها جبهة مركزية، وعلى التحكم بتشكيل العالم ضمن الإطار الأوسع لصراع هذين الخصمين. ويجب على الولايات المتحدة أن تتأقلم، مرة أخرى. ويدور تنافس الخصمين عبر جبهات تشمل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات البيولوجية والطاقة النظيفة. وبغية إحراز التفوق، تحتاج واشنطن إلى وضع تعريف دقيق عن النجاح، واستراتيجية واضحة ومتناغمة في شأن كيفية تحقيقه.
وعلى مدار عقود، استندت سياسة الولايات المتحدة حيال الصين إلى افتراض صامت وقوي مفاده أن الصين منخرطة في السباق نفسه لكنها متأخرة بضع خطوات عن أميركا. ونظر إلى الصين باعتبارها محض نسخة طبق الأصل بمعنى أنها تجيد التقليد وتتلكأ في الابتكار بالتالي، فإنها معتمدة على قدرتها في الوصول إلى التكنولوجيا الغربية. وساد افتراض بأن التقدم الأميركي دائم ومستمر، بل ربما يغذي نفسه بنفسه.
ولم يجر التثبت من ذلك الافتراض. ولقد خرجت الصين من حدود الاكتفاء ببساطة بالابتكار الأميركي. وباتت الآن تتبع نظرية جديدة في اكتساب القوة، تضع الإنتاج المتوسع والسيطرة على المدخلات الحيوية في البؤرة المركزية من الاستراتيجية القومية. وفي المقابل، حصرت واشنطن تركيزها بالابتكار والاختراقات الكبرى فيه، وأولت ثقتها إلى أن ذلك الأمر سيراكم حول نفسه تلقائياً مكونات القوى الاقتصادية والعسكرية و"السلطة الناعمة" التي تشير إلى الجاذبية المتعددة الأبعاد للنموذج الأميركي. ولكن الصين ركزت على عملية مراكمة مكونات القوة، بمعنى تركيزها على السعي إلى ترجمة المكاسب التقنية إلى قدرات تطبيقية فعلية تنتشر في اقتصادها ومشروعها في الأمن القومي. وبكلمات أخرى، فيما انخرطت الولايات المتحدة في سباق، فإن الصين خاضت سباقاً آخر. وعلى رغم أن ذلك التغيير في السباق تبدى على نحو متدرج، إلا أن تداعياته باتت الآن عصية على التجاهل.
وفي قطاع تلو الآخر، أرست الصين مواقع هيمنة عبر عدد من الطبقات الأساس التي يستند إليها الاقتصاد الحديث، أو همت بذلك. وقد درج الأميركيون على النظر إلى التنافس كسباق له خط نهاية محدد، بمعنى أنه سباق تكسبه الدولة التي تصل إلى ابتكار مؤثر، قبل غيرها. وفي المقابل، ليس من زمن محدد لهذا السباق. ولن يعلن الانتصار عن نفسه في لحظة بعينها، فيحسم النصر لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. ولن يحرز النصر فيه عبر التحرك بسرعة على مضمار معين. وبدلاً من ذلك، فلسوف يمتد السباق إلى ما لا نهاية، ويشمل قطاعات واسعة التنوع. ولم يعد من المجدي أن تكون أول من يكتشف أمراً ما، طالما استطاع الآخرون التفوق في سرعة تبنيه وتوظيفه واستعماله. وكذلك ليس من طائل وراء التقدم في صنع التصاميم المبتكرة إذا كانت المدخلات اللازمة لها والقدرات المطلوبة لإنتاجها، تقع خارج سيطرة الولايات المتحدة وحلفائها. بالتالي، يجب أن يتمثل هدف واشنطن بإرساء مختلف مناحي التقدم كلها معاً، ودفعة واحدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإن زبدة هذا التنافس لا تتجسد ببساطة بـ"هزيمة" الصين. وإذا توصلت أميركا إلى تخطي الصين في بعض المناحي والمؤشرات، لكنها أخفقت في جعل شعبها أكثر أماناً أو أنها لم تفتح فرصاً متزايدة أمامه، فلسوف تفشل بالمعنى الكامل للكلمة. ويتطلب النجاح تعزيز قاعدة تكنولوجية وعسكرية متكاملة تمسك بزمام قيادة الابتكار المستمر، والتأقلم السريع للجيش الأميركي معه بهدف ردع الصراعات الكبرى، إضافة إلى العمل على نشر البنية التحتية الرقمية بالصناعة والمعايير الأميركية. ويجب أن يستكمل ذلك باحتفاظ واشنطن على انفتاحها على التعاون مع الصين في المصالح المشتركة بهدف منع اندلاع سباق نحو الهاوية من شأنه تخريب أوضاع العالم بأسره.
ويتحتم أن تغدو تلك الأهداف مهمة مركزية في إدارة الدولة الأميركية خلال القرن الـ21. ويستلزم ذلك إحداث تغييرات في ذهنية تلك الإدارة بما يتخطى الحدود الفاصلة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ويستمر بثبات عبر إدارات رئاسية عدة. وفي المقابل، بات من الملح التصويب والتركيز على تحقيق تلك التغييرات بصورة عاجلة لأن القوة التكنولوجية باتت تترجم مباشرة وبسرعة إلى قوة في الجغرافيا السياسية، بدرجة لم يعهدها العالم منذ أعوام طويلة. وللمرة الأولى منذ وقت طويل، تواجه الولايات المتحدة خصماً يتسم بالندية الأصيلة.
مسار خاص
بات التحول إلى قائد للتكنولوجيا العالمية هدفاً مركزياً ومبدأ ناظماً لقوة الدولة الصينية. وتنظم بكين سياستها الصناعية حول ذلك الهدف، وتضع لذلك استراتيجية طويلة الأمد. ويسعى قادة الصين إلى جعل بقية العالم معتمداً على بلادهم، بالترافق مع نقلها إلى وضعية الاستقلال عن كل بلد آخر. وأجروا تقييماً للأمرين كليهما. ولا يتطلب ذلك أن تصل بكين إلى موقع الصدارة في الحقول المتقدمة كلها. وبدلاً من ذلك، تحتاج إلى التمرس بالتحكم في عقد السيطرة. ويعني ذلك التحكم بالمدخلات والمنظومات التي تعتمد عليها الاقتصادات والجيوش العالمية في أعمالها. ولقد أمسكت الصين بالفعل بعدد من تلك العقد. ويشمل ذلك معادن الأرض النادرة المصنعة، والمكونات الأولية للمواد الصيدلانية، والبطاريات. ويترافق مع سعيها إلى الإمساك بعقد أخرى على غرار صناعة الروبوتات.
وكذلك تبدي الصين تحسناً مستمراً في الاختراقات التكنولوجية. ومثلاً، عقب إمساكها بسلاسل إمدادات البطاريات، نالت القدرة على التفوق في ابتكار البطاريات، وباتت تنتج الآن 70 في المئة من بطاريات الليثيوم، وتتحكم بنحو ثلاثة أرباع الصناعة العالمية لخلايا البطاريات. وتحاول الآن تكرار النمط نفسه في قطاع التكنولوجيا الحيوية.
وغدا تنفيذ تلك الاستراتيجية الواسعة ممكناً بسبب النظام السياسي في الصين. وبخلاف الحال في واشنطن، تملك بكين سلطة مركزية تتولى توجيهه المصادر القومية الواسعة وتصبها في خدمة الأهداف القومية، مع توخي السرعة وحسن التنسيق. وبسرعة وتناغم كاملين، تتحرك بنوك الدولة والسياسة الصناعية والمشتريات والتشريعات كلها. ولا يوجد أي فاصل وازن بين الفضاءين العسكري والمدني، بالتالي، تتدفق الاختراقات التكنولوجية المدنية مباشرة إلى المشروع العسكري القومي. ولا تعاق الدولة بقيود السوق الحرة مما يعطيها القدرة على حشد المدخلات وإيصالها إلى مستوى مذهل، وتقديم الدعم للمنافسة المكثفة التي تعني فشل معظم الشركات التي تتلقاه، لكن القلة التي تنجح تضحي عملاقة ويمكنها الهيمنة على الصناعة العالمية. ويعني ذلك التساهل مع عدم الكفاءة وسوء استخدام رأس المال على المدى القصير، وتوجيهها لمصلحة تحقيق المكاسب البعيدة الأمد، مع عدم وجود جمهور من الناخبين يسائلون ممثليهم عن إمكانية توظيف دولارات ضرائبهم بصورة أفضل.
وعلى مدار أوقات مديدة، عدت الولايات المتحدة النظام الصيني فائق التخشب بما لا يعطيه مرونة كافية للتعامل مع الابتكارات الريادية. وليس من سؤال عن أن النظام الأميركي استطاع إنتاج اختراقات علمية تغييرية هائلة. ويعتمد ذلك النظام على الديمقراطية والرأسمالية مع حكومة مقيدة، إضافة إلى نخبة عالمية من الجامعات وحمايات قوية للملكية الفكرية ونظام للسوق الحرة يظهر فيه الرابحون والخاسرون اعتماداً على أفعالهم وقواهم الخاصة. ولا تستطيع الولايات المتحدة تقليد المقاربة الصينية، ولا ينبغي لها حتى أن ترغب في ذلك. وفي المقابل، يجب على الأميركيين أن يشقوا طريقاً خاصاً بهم يكفل استمرارهم في المنافسة على تلك الجبهات الواسعة التي لا تقتصر على الابتكار، بل تشمل إنتاج التكنولوجيا المتقدمة والسيطرة على المدخلات الحيوية بما يعزز قوة اقتصادهم والقاعدة الصناعية الدفاعية أيضاً.
تحديث النظام
إن استراتيجية أميركية فاعلة في التكنولوجيا قد تسعى إلى إرساء وحماية أربع مساحات من المكانة الرفيعة تعطي كل منها مكاسب بنيوية مستدامة، وتثمر نتائج ملموسة تربط بين السياسة والحياة اليومية الفعلية للشعب الأميركي. وتتمثل المساحة الأولى في ضرورة أن تجدد الولايات المتحدة حيوية قاعدتها التكنولوجية الصناعية. ولا يقتصر ذلك على حفظ موقعها الفائق التقدم في الابتكار، بل يتعداه إلى تكوين قدرة على الإنتاج الموسع للتقنيات المتقدمة تشمل سلاسل إمدادات متنوعة ومرنة، إضافة إلى التعاون مع الحلفاء والشركاء. وفي المساحة الثانية، ينبغي للجيش الأميركي التركيز على السرعة في الابتكار والتأقلم لأن ذلك يشكل عنصراً محورياً في ردع العدوان عبر حقول متعددة، مع إيلاء اهتمام خاص للحفاظ على السلام والاستقرار في مضيق تايوان. وتشمل المساحة الثالثة وجوب أن تتولى واشنطن إرساء نظام رقمي عالمي يسيطر عليه النموذج الأميركي في التكنولوجيا الذي يتضمن معايير عالية في المأمونية، وشفافية مالية، مع احترام حقوق الإنسان وخصوصية البيانات. وفي المساحة الرابعة، يبرز أن هذه المقاربة من شأنها تمهيد الأرض أمام الاستقرار في العلاقة بين أميركا والصين، إضافة إلى نسج تعاون فاعل بين البلدين بهدف منع انزلاقهما إلى سباق نحو الهاوية يلحق الضرر بهما والعالم كله.
وتتسم تلك المساحات الأربعة بأنها تتآزر وتتعاضد مع بعضها بعضاً. ويعني ذلك أن تجديد قاعدة الصناعة التكنولوجية قد تدعم القوة العسكرية والمرونة الاقتصادية. ويتكفل الابتكار في المجال العسكري بردع الحرب على تايوان، وقد يحمي الصناعة الأميركية ويحافظ على ديناميكية الاقتصاد الدولي. ومع إرساء نظام رقمي عالمي يحتضن القيم الديمقراطية ويزري بالتسلط، قد ينفسح المجال أمام تكون اقتصاد يشارك فيه الناس بأجمعهم ويحتضن بحرية التنوعات في معتقداتهم وخلفياتهم.
وثمة ثلاث فئات تكنولوجية أساس ستغدو ضرورية من أجل تحقيق هذه الاستراتيجية. وتمثل الحوسبة الفئة الأولى التي تضم صفوفها أشباه الموصلات ومنظومات المعلوماتية الكمومية، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي الذي يحتل موقعاً مميزاً فيها. وتشمل الفئة الثانية صناعة التكنولوجيا الحيوية وصناعتها التي تمتد من اكتشاف الأدوية إلى إنتاج مكونات بيولوجية مركبة صناعياً. وتتجسد الفئة الثالثة بالطاقة النظيفة، خصوصاً "المجمع الكهربائي" المكون من البطاريات والمحركات ورقاقات الكمبيوتر والإلكترونيات المولدة للطاقة. وتشكل الاكتشافات والإنجازات في تلك المناحي، أرضية يستند إليها التقدم في مجالات أخرى. وكلما تعاظمت قوة الحوسبة والطاقة النظيفة، تحسنت قدرات الذكاء الاصطناعي. ومع إحراز مزيد من التقدم في التقنيات البيولوجية والمجمع الكهربائي، تتراكم المكاسب العلمية والصناعية.
وإذا نجحت الولايات المتحدة في الفوز بتلك المساحات من المكانة الرفيعة، والمحافظة عليه أيضاً، ستضحى قادرة على التمرس بها بصورة مستدامة. وإذا فشلت في ذلك، فستخاطر بالتأخر في مجال الابتكار وستفقد درجة وازنة وحيوية من الحرية. ولسوف تتآكل ديناميكيتها الاقتصادية وقوتها في الردع العسكري، بالترافق مع تجويف القوة الصناعية للبلاد بما يجعلها عرضة لضغوط من الخصوم تضعف سيطرتها على سلاسل الإمدادات المحورية في التقنيات العسكرية. ومع تراكم الخوف من رد الخصم، ستواجه الولايات المتحدة صعوبة متزايدة في فرض إجراءات حمائية ضد الإكراه الخارجي أو الممارسات غير العادلة، سواء صدرت تلك الأمور من الصين أو سواها. وفيما يتقلص النفوذ العالمي للولايات المتحدة، سيحصل أمر مشابه لقدرتها على تقديم الأمن والفرص الاقتصادية للأميركيين.
الدعم التقني
في العقود الأخيرة، ترسخ افتراض في الولايات المتحدة مفاده أن البحوث والابتكارات التكنولوجية أمران منغرسان بصورة تلقائية في القوة الأميركية، فيما اعتبر التصنيع نشاطاً يفرض كلفاً معينة ويمكن نقله بأمان إلى خارج الولايات المتحدة. ولكن، يتبدى بوضوح متزايد أنه لا يمكن فصل الابتكار عن الإنتاج، لأنه حينما تهاجر الصناعة كذلك تفعل عمليات وضع التصاميم الهندسية مع المعارف المتضمنة فيها. ومع كر الأيام، ترافق تدفق تلك المعارف إلى الخارج مع تآكل عملية التغذية الراجعة التي تشكل الركن المكين للتفوق التكنولوجي، لأنها تحمل معلومات عن التطبيق العملي للمعارف في هندسة التصاميم التقنية والعلمية.
ولقد أظهر التاريخ قيمة الاستثمار في قواعد تصنيع تكون متنوعة ومتمتعة بالمرونة. ووفق مراجعة تاريخية للثورة الصناعية وضعها المؤرخان دارون إسموغلو وسيمون جونسون، تحول الأشخاص المتمرسين في التجارة إلى مهندسين مبتكرين يعملون على دفع الابتكار قدماً. وأوضحا أن البلد الذي يتوقف عن البناء والتصنيع والانخراط في تجارب يومية مع التقنيات، يفقد قدرته في التقدم التكنولوجي. وكذلك بين الباحثان أن البلد الذي يتسامح حيال ضمور قاعدته الصناعية العامة، يواجه أوقاتاً عصيبة في بناء قدراته ضمن قطاعات حيوية محددة. ويحدث ذلك الضمور عبر التخلي عن المعرفة المؤسساتية، وفقدان السيطرة على سلاسل الإمدادات وتقلص العمق والتنوع في الإنتاج. بالتالي، ينبغي بالولايات المتحدة ألا تسمح بحدوث ذلك.
وتوخياً لتجديد قاعدتها الصناعية التكنولوجية، يجب على الولايات المتحدة اتباع استراتيجية قومية تتضمن مقاربة للسير في مضمارين. ويتمثل أولهما بتعزيز الابتكار والتصنيع المتقدم، ويشمل ثانيهما حماية تلك الخطوات من المنافسة غير العادلة والاستخدام الخبيث. ويقضي تعزيز الابتكار بأن تحسن الولايات المتحدة إدارتها لرؤوس أموالها البشرية والمالية والاستراتيجية. ويبدأ ذلك بوضع سياسة للهجرة تسهل قدوم أفضل المواهب في العلوم والهندسة، ثم بقاءها في الولايات المتحدة. وثمة نسبة مرتفعة من المهندسين في قطاعات محورية على غرار الذكاء الاصطناعي، ينتمون إلى بلدان أخرى، لكن من الواضح أنه مصلحة الولايات المتحدة تكمن في أن يستمر المسار المهني لأولئك الأشخاص المتمتعين بمهارات متقدمة، داخل الولايات المتحدة.
وكذلك يجب على الولايات المتحدة إعطاء دفعة فائقة القوة للتمويل الفيدرالي في أعمال البحوث والتطوير، بغية استعادة مستوياتها التاريخية التي سجلتها خلال ستينيات القرن الـ20. وآنذاك، أدى كل ضخ رئيس للتمويل في البحوث الأساس إلى تكوين مردود استثماري استراتيجي ضخم يفوق عائدات أي تمويل فيدرالي آخر. وكذلك قد يقدم الاستثمار في مشاريع الطاقة النظيفة يد العون لتقديم الأسس الضرورية للوفرة في الطاقة الكهربائية التي قد تدعم تقنيات كالذكاء الاصطناعي من دون إحداث قفزة هائلة في أسعار الكهرباء، وتداعيات مؤذية للبيئة.
إن زبدة هذا التنافس لا تتجسد ببساطة بـ"هزيمة" الصين
وثمة برهان على كيفية تعزيز الإنتاج الصناعي عبر العمل الحكومي، يأتي من تشريعات بارزة على غرار "قانون العلوم والرقاقات الإلكترونية 2022" و"قانون خفض التضخم 2022" اللذين ركزا على بناء القدرات في قطاعات أشباه الموصلات والطاقة النظيفة في الولايات المتحدة. ولكن، هنالك حاجة إلى استراتيجية أكثر شمولاً وتكاملاً. وهنالك نموذج من ذلك يتمثل في "العملية الأسرع من الضوء" التي تمثل مبادرة حكومية أطلقتها إدارة ترمب الرئاسية الأولى إبان جائحة "كوفيد-19" بهدف تطوير لقاح ضد ذلك الفيروس ووضعه قيد التطبيق، بأقصى سرعة ممكنة. ويبرهن نجاح تلك العملية أن الحكومة الأميركية تستطيع إدارة التوازن بين الأخطار والحاجة والإمدادات، بسرعة فائقة حينما يكون الهدف واضحاً ويتمتع بدعم سياسي. ويجب على الولايات المتحدة إطلاق حملة حشد جهود مماثلة بهدف تطوير الإنتاج المحلي على الجبهات التكنولوجية المتعددة التي تشمل البطاريات المتقدمة والمسيرات والاستفادة من أحدث علوم الروبوتات والذكاء الاصطناعي، في المصانع الأميركية. ستساعد تلك المقاربة المصنعين الصغار والمتوسطي الحجم الذين يفتقرون إلى رأس المال والخبرة المحلية الضروريين، في تحديث وتوسيع ما لديهم من العنصرين كليهما. ويجدر بأي سياسة ناجحة أن تركز أيضاً على مساعدة العمال في تبني أدوار تستلزم اكتسابهم مزيداً من المهارات المتقدمة، بدلاً من معاملتهم بوصفهم عناصر قابلة للاستغناء عنها.
وفي الممارسة، ينبغي ترجمة تلك الأمور إلى توظيف أدوات عمل متناسقة بهدف تنشيط الاستثمار الخاص في قطاعات تتسم بأهمية استراتيجية لكنها لم تجتذب حتى الآن من رؤوس الأموال ما يكفل تناميها. ويجب أن تشمل تلك الإجراءات تعزيز الاستثمار الحكومي الموجه، ووضع أرضية للأسعار، والاستفادة من قوة المشتريات الحكومية، وتكوين حوافز للشركات كي توقع عقود شراء طويلة الأجل مع المنتجين المحليين. ويضاف إلى ذلك ضرورة تسريع الإصلاحات القانونية المتصلة بعملية رفع القيود عن الإنتاج وأعمال الإنشاء، التي تتطلب حاضراً أعواماً لإنفاذها، وربما عقوداً من الزمن. وظهرت نماذج إيجابية عن كيفية تفعيل أدوات العمل الحكومي متمثلة بخطوات اتخذتها إدارة ترمب الرئاسية الثانية في شأن زيادة الاستثمار في قدرات التصنيع المحلي المتعلقة بمعادن الأرض النادرة والمغناطيس، مع الإشارة إلى أنها تستند إلى تحركات أولية في ذلك الاتجاه حدثت إبان إدارة بايدن.
وكذلك ستعتمد أي استراتيجية صناعية ناجحة على التوصل إلى إجابة متكاملة ومتناسقة عن السؤال البسيط المتعلق بتحديد الصناعات المهمة استراتيجياً. وتتصل الإجابة بمسألة القدرة في الحكم على الأمور والتدقيق فيها. ولقد عدت إدارة بايدن أن السيارات تمثل صناعة استراتيجية لأنها تمتلك قدرات تصنيعية واسعة وكثيفة من المستطاع التحكم بتوجهاتها أثناء الأزمات على غرار ما حصل أثناء جائحة "كوفيد-19" عند التوجه لصنع أجهزة التهوية الرئوية. وثمة سبب آخر يتمثل في أنها زبوناً رئيساً لصناعات أخرى كالحديد والألمونيوم والزجاج والإلكترونيات وغيرها، مما يعني أن ازدهار صناعة السيارات يولد قوة دفع في عدد كبير من الصناعات. وتملك إدارة أخرى حرية اتخاذ قرارات مغايرة في شأن ما يتصدر لائحة أولوياتها، لكنها ملزمة بضمان العزم والوضوح عبر تحديد مؤشرات تعريفية محددة لشرح خياراتها. واقترح المؤرخ الاقتصادي كريس ميلر أن تشمل تلك المؤشرات تحديد القطاعات التي لديها تشابكات مع الأمن القومي، وتتصف بالتمركز والاحتكار الأحادي، وتستعصي على إعادة التوجيه أثناء الأزمات، ولديها القدرة على توليد تأثيرات إيجابية كبرى ضمن منظومتها الصناعية.
ويحاجج بعضهم بأن أحد القطاعات المتقدمة تقنياً، وتمثلها الطاقة النظيفة، يجدر بالولايات المتحدة أن تتراجع عن المنافسة فيه، وتتقبل أن تغدو الصين مصنع العالم الذي يتولى تسريع الانتقال إلى تلك الطاقة. ووفق هذا الطرح، إذا كانت بكين مستعدة لدعم إنتاج الألواح الشمسية منخفضة الكلفة والمركبات الكهربائية، والبطاريات لمصلحة العالم، فلم لا تترك واشنطن الأمر يمضي، ما دام المستهلك الأميركي سيستفيد في نهاية المطاف من منتجات أرخص؟
غير أن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساس، وهي أن العالم لم يقطع سوى جزء محدود من مسار التحول إلى الطاقة النظيفة. والتسليم مبكراً بفقدان الدور الأميركي في هذا المجال يبدو سابقاً لأوانه على نحو خطر. بل إن إهمال هذا القطاع اليوم قد يقود إلى نمط جديد من الارتهان الطاقي، في لحظة نجحت فيها الولايات المتحدة بالكاد في التخلص من اعتمادها التاريخي على النفط الأجنبي. وتشكل المركبات الكهربائية، إلى جانب سلاسل التوريد المرتبطة بإنتاجها، مثالاً واضحاً على الصناعات التي ينبغي للعمال الأميركيين أن يكونوا في قلب بنائها وتطويرها.
وفي الوقت ذاته، يجب على واشنطن توسيع منطق الاستراتيجية الصناعية ليشمل قطاع التكنولوجيا الحيوية، بهدف عكس مسار انتقال مؤسسات أبحاث التعاقد (التي تلعب دوراً محورياً في إجراء التجارب وإدارة البحوث لمصلحة شركات التكنولوجيا الحيوية) إلى الصين، بما يحفظ القدرات البحثية الحيوية داخل الولايات المتحدة.
ويجب أن تتميز تلك الاستثمارات بصفات المطواعية والمرونة. ولقد أظهرت الصين بالفعل عزمها على استعمال الاعتماد عليها كأسلحة، ذلك بأنها حجبت معادن الأرض النادرة المصنعة والمواد الممغنطة في سياق ردها على الخلافات التجارية. وثمة من يتساءلون حتى عن وجود إمكانية للتوصل إلى المرونة في كامل سلسلة الإمدادات. ويرجع ذلك إلى أن واشنطن تستطيع التعامل مع بعض نقاط الهشاشة في السيطرة على خطوط الإمدادات، لكن بعضها مستعص، وغيرها قد يظهر مستقبلاً. وفي المقابل، يصح القول إن المرونة والمطواعية الكاملة والمستدامة عبر كل السلع الحيوية والمحورية، أمر غير مستطاع، ولكن من الأفضل تقليص مساحات الانكشافات وتقليل عددها. وباستخدام لغة لعبة القمار، من الأفضل خفض عدد الأوراق القوية بيد الخصم لأن ذلك يفيد في لعبة متعددة المراحل. وكبداية، يجب أن تركز واشنطن على المدخلات التي تحظى بأولوية عالية بمعنى أن تقييد الصين لها يولد تداعيات واسعة ومباشرة على الاقتصاد الأميركي، إضافة إلى تلك التي يشكل تعافيها من تأثير القيود الصينية تحدياً عملياً، ولا يتبلور إلا ببطء. وفي عام 2022، قاد هذا النوع من التفكير إدارة بايدن إلى استعمال مجموعة واسعة من السلطات ضمن "قانون الإنتاج الدفاعي"، بهدف تأمين إمدادات موثوقة ومستدامة من المواد الضرورية لصنع البطاريات ذات القوة الكهربائية العالية، وهي الليثيوم والكوبالت والغرافيت والنيكيل والمنغنيز.
ويجدر أن يتجسد الهدف من تلك الاستراتيجية في التنوع وليس الاكتفاء الذاتي. ويتطلب ذلك العمل مع الحلفاء والشركاء. وفي أعداد سابقة من "فورين أفيرز"، كتب كورت كامبل وراش دوشي اللذان عملا في إدارة بايدن، عن ضرورة السعي لاكتساب "إنتاج متوسع حليف". ويعني ذلك أن تنسق واشنطن مع شركائها استراتيجيات صناعية تتكفل بجعل الاستثمارات التي يضخها بلد ما، عنصر قوة للقدرات الجماعية للحلفاء. وإذا تآزرت الولايات المتحدة وأوروبا وشركاء آخرون، في "خفض المخاطر" الآتية من الصين، ونسقت معاييرها التقنية في صناعات محورية، فإن تلك المجموعة قد تستطيع إرساء منظومة متكاملة ومتنامية تضمن ألا يترك أي بلد لشأنه وحيداً. واستهدفت إدارة بايدن التوصل إلى ذلك الهدف حينما نسقت سياساتها مع الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى وغيرها من الشركاء المحوريين. ولسوء الحظ، أطاحت إدارة ترمب بكل التآزرات مع الحلفاء. ويجب على إدارات مستقبلية بذل جهود دبلوماسية حازمة يرجح أن تستمر أعواماً عدة، بهدف استعادة الصدقية مع الحلفاء.
وفي نهاية المطاف، ينبغي تركيز جهود تعزيز الابتكار على الانتشار، وألا تكتفي بالابتكار والإنتاج. ووفق ما أظهره عالم السياسة جيفري دينغ، فإن التوصل إلى زيادة عنصر الإنتاج الكلي، بمعنى الكمية التي تنتج انطلاقاً من مجموعة معينة من المدخلات، تبدأ مع الصنع لكنها لا تقتصر عليه. وتتطلب ديمومة النجاح في التنافس التكنولوجي تبني الابتكارات عبر قطاعات الاقتصاد ومشاريع الأمن القومي. وخلال "الحرب الباردة"، شكل ذلك الأمر نقطة الفشل في الاتحاد السوفياتي، والرافعة لهيمنة الولايات المتحدة.
حديقة صغيرة وسياج عال
على رغم أهمية تعزيز الابتكار والتصنيع، فإنهما لا يكفيان في إرساء قاعدة صناعية تكنولوجية تتمتع بالمرونة والمطواعية. وينبغي للاستراتيجية الأميركية الجديدة أن تتضمن أيضاً آليات فاعلة في حماية تلك القاعدة. ومثلاً، لنفكر في الممارسة التجارية المسماة "الإغراق". وفي قطاعات عدة، تعمد الصين إلى بيع فيوض من الإنتاج في العالم بأقل من سعر السوق، مما يجبر الصناع المنافسين لها على الخروج من السوق، فيما تبقى الشركات الصينية مهيمنة. وللرد على تلك التكتيكات وما يشبهها، يجب أن تتضمن الاستراتيجية الصناعية الجديدة فرض تعريفات تستهدف السلع الصينية في قطاعات استراتيجية على غرار السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، لكنها لا تطاول الاقتصاد الصيني بأكمله. وينتاب القلق بلدان عدة – كالبرازيل التي لا تتوافق دوماً مع المصالح الأميركية - في شأن فائض القدرة لدى الصين، وتحاول فرض إجراءاتها المضادة.
ويجب على الولايات المتحدة حماية تقنياتها الأكثر تقدماً من إمكانية إساءة الاستخدام. وفي القلب من تلك الأجندة تبرز أشباه الموصلات التي تشكل مكوناً محورياً رئيساً في توسيع قوة الحوسبة بالصورة التي يتطلبها بقاء أميركا في موقع القيادة للذكاء الاصطناعي الذي من شأنه تسريع التقدم عبر كل ميادين العلوم والقوة العسكرية. بالتالي، ليس من الحكمة اللجوء إلى فك الارتباط الكامل عن الصين، لأن الأسر الأميركية تستفيد من تدفق السلع الصينية إلى مجالات غير حساسة كالزراعة والمنتجات المنزلية الأساس. وعلى العكس من ذلك، إن تليين ضوابط التصدير على مكونات الحوسبة المتقدمة يساوي التخلي عن المكاسب الأشد حسماً ومحورية التي تملكها الولايات المتحدة وحلفاؤها اليوم.
ينبغي لصناع القرار ألا يثنيهم من يزعمون أن ضوابط التصدير الأميركية الحالية جاءت بنتائج عكسية، عبر دفع الصين إلى تسريع بناء سلسلة توريد محلية لأشباه الموصلات. ففي واقع الأمر، كان القادة الصينيون أعلنوا هذا الهدف أولوية وطنية قصوى، وسخروا له جهوداً كبيرة وموارد عامة ضخمة، حتى قبل أن تطرح تلك القيود على طاولة النقاش.
وتتمثل المقاربة الفضلى في تلك التي سميتها "حديقة صغيرة وسياج عال". ويعني ذلك توخي الانتقائية في ما يجب على أميركا ضبطه (الحديقة الصغيرة)، مع التركيز حصرياً على التقنيات الأشد محورية وحساسية التي من شأنها رسم المسار في الأمن القومي والتنافس الاستراتيجي، ثم العمل على تأمين تلك الحديقة الصغيرة بضوابط صارمة (سياج عال). هكذا تعاملت إدارة بايدن مع ضوابط تصدير الرقائق. وتشكل القيود التي فرضتها على تصدير معدات متقدمة وحساسة في مجال التكنولوجيا الحيوية، إلى جانب الإجراءات التي حدت من الاستثمارات الأميركية في قطاعات صينية تعد شديدة الحساسية - مثل الحوسبة الكمومية - أمثلة إضافية على كيفية تطبيق هذا النهج عملياً.
وأخيراً، ينبغي لأي أجندة في الحماية المجدية أن تضمن سلامة المواطنين الأميركيين والبيانات الحساسة للشركات والبنية التحتية المحورية، حيال الاختراقات وأعمال التسلل الصينية التي تنفذها أطراف سيبرانية فاعلة مرتبطة بتلك الدولة. ويشكل ذلك الأمر خطراً فعلياً، لأن تلك الأطراف استطاعت في وقت سابق نشر برمجيات خبيثة داخل الشبكات المعلوماتية الأميركية. وبغية تحسين حماية الأميركيين في مواجهة التدخلات الأجنبية، يجب على واشنطن التمييز بين المستويات المختلفة من الأخطار التي تتهدد الأنواع المتعددة من التقنيات، على غرار الرافعات (البناء أو البضائع)، والمسيرات التي يستعملها الهواة، والأجهزة الكهربائية والإلكترونية المنزلية. ويرجع ذلك إلى أن معظم تلك الأشياء تعتمد على تكنولوجيا صينية أو ترتبط بها بطرق تجعلها منكشفة أمام التتبع والتلاعب الأجنبيين.
اللغة العسكرية الكبيرة
هنالك بعد محوري آخر يلزم حضوره ضمن استراتيجية أميركية يتمثل في تعزيز الابتكار العسكري الموجه إلى ردع الصراعات الكبرى. ومن شأن نشوب حرب في تايوان إطلاق صدمة اقتصادية عالمية بأبعاد تاريخية. ويجب أن تصدر قائمة أولويات واشنطن ردع حدوث تلك الحرب، وسيعتمد نجاحها في ذلك على مدى تبني الجيش الأميركي لتقنيات جديدة ومشاركتها مع الحلفاء.
وثمة شعار قديم مفاده أن الكمية تتضمن بحد ذاتها نوعيتها الخاصة بها. ويصح ذلك الشعار بالنسبة إلى الاختراقات التكنولوجية في برمجيات الكمبيوتر والمعدات الإلكترونية. وتستطيع أسراب المسيرات الجوية الرخيصة، والمركبات البرية المؤتمتة، والمجسات المنتشرة أن تلحق كلفاً مربكة قد تردع الخصم حتى مع استمرار امتلاكه لقدرات متقدمة تقنياً وفاعلة على غرار الصواريخ الموجهة العالية الدقة، والمنظومات التقليدية في التسلح على غرار كاسحات الألغام. وينطبق وصف مماثل على المفاهيم الجديدة للعمليات الحربية والأطر المحدثة للقيادة والسيطرة. ولن يتوصل الجيش إلى خوض حروب المستقبل مستنداً إلى خطط حربية من الماضي. ومثلاً، أرست "استراتيجية الدفاع القومي" التي اعتمدتها إدارة بايدن مفهوم "الردع المتكامل" integrated deterrence الذي يضم في ثناياه المنصات والنطاقات التي تقدمها التقنيات الجديدة. ويتكفل هذا النوع من بث التكنولوجيا ضمن نسيج الردع الاستراتيجي، بضمان أن تحتفظ قوات الولايات المتحدة وحلفائها بالقدرة على التتبع والمناورة والضرب، حتى تحت القصف الصاروخي الثقيل أو هجمات تخريب الفضاء السيبراني.
حينما تنقل عمليات الإنتاج إلى الخارج يلحقها الابتكار والمعارف المتضمنة فيه
ويمثل الذكاء الاصطناعي واسطة العقد في تلك التغيرات الكبرى. ولقد باتت المنظومات المعززة بالذكاء الاصطناعي تؤدي بالفعل دوراً متصاعداً في ملاءمة العمليات اللوجيستية مع معطياتها، وتحليل المعلومات الاستخباراتية، وتقصي نقاط الهشاشة والانكشاف في الفضاء السيبراني، والتعرف إلى الأهداف العسكرية. ومع مرور الوقت، ستتولى تلك المنظومات الذكية رسم ملامح طرق تدريب وتخطيط وقتال الجيوش. وبصورة فعلية، تعمل الصين على إدماج قدرات الذكاء الاصطناعي في منظومتها الدفاعية بغية تجاوز نقاط التفوق الأميركية التقليدية على غرار أنظمة التنبه في ميدان المعركة، ومواءمة العمليات اللوجيستية مع معطياتها الفعلية. ويجب على واشنطن التصدي لذلك التوجه. ويتطلب نشر الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في مشروع الأمن القومي الأميركي، إحداث ثورة ثقافية ومؤسساتية تشمل صنع مقاربات جديدة في التملك والمشتريات، إضافة إلى بروتوكولات عن كيفية عمل الفرق المشتركة بين الإنسان والآلات الذكية.
ويندرج ضمن الأمور الحيوية اللازمة لتلك الأطر في السياسة، وإعطاء الأولوية للتبني المسؤول للذكاء الاصطناعي ضمن مجموعة الأمن القومي الأميركي. وهنالك نقاش جارٍ عن مدى قدرة البنتاغون في استخدام النماذج اللغوية الكبرى للذكاء الاصطناعي في مراقبة مواطنين أميركيين أو بناء أسلحة مؤتمتة قاتلة. وأظهر ذلك النقاش أن القيم والمعايير المتصلة باستخدام الجيش للذكاء الاصطناعي لم تواكب القدرات المكتسبة في ذلك المجال. ويجب على الولايات المتحدة نحت توافق أميركي واسع يضرب جذوره في القانون والقيم، بهدف ضمان استعمال الذكاء الاصطناعي بطرق تجمع الفاعلية مع الأخلاق. ومن شأن هذا المسعى إضافة تحديات بمواجهة المواكبة المطلوبة للابتكارات العسكرية، مع ترجيح ألا يلتزم الخصوم بالمبادئ والضوابط التي تراعيها الولايات المتحدة. ولا يقلل ذلك من الأهمية الأساس لذلك المسعى.
لا يمكن للابتكار العسكري الفعال أن يقوم على القدرات الأميركية وحدها. بل يجب أن يبنى على منظومة دفاع شبكية، تدمج التقنيات المتقدمة عبر جيوش الدول الحليفة على نحو يضاعف القوة بدلاً من أن يقتصر على جمعها. وتظهر شراكات مثل "أوكوس"، وهو الإطار الأمني الذي يضم أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، ما يمكن تحقيقه في هذا الإطار. فعلى رغم شيوع النظر إلى "أوكوس" بوصفه اتفاقاً ضيق النطاق يركز على الغواصات النووية، فإن الأجدر فهمه كمسرع تكنولوجي، أي آلية فعالة لنقل التكنولوجيا ونشر القدرات في مجالات مثل الملاحة الكمومية من دون الاعتماد على نظام تحديد المواقع (جي بي أس)، وحرب أعماق البحار. ومن جهته، أطلق حلف شمال الأطلسي (الناتو) بدوره منظومته الخاصة في تسريع الابتكارات.
الأمن أفضل من الندم
عقب الحرب العالمية الثانية، طورت واشنطن تركيبة عالمية للتجارة والقانون والمعايير، أتاحت للأمن والشروط الاقتصادية أن تتنامى بطرق تضمن التشارك في النمو والازدهار. ونجحت أميركا بالضبط لأن بقية العالم اختار الانتماء والتعامل مع تلك التركيبة. وعلى نحو مماثل، إذا نجحت الولايات المتحدة اليوم في الفوز بسباق التكنولوجيا، فإنها ملزمة بألا تكتفي بالتوصل إلى إرساء النموذج الأكثر تطوراً في الذكاء الاصطناعي. وسيجب عليها أيضاً ضمان أن يشتري العالم بنيتها التحتية الرقمية.
وتقوم الصين بالفعل على تصدير نسختها من البنية التحتية الرقمية في معظم أرجاء البلدان النامية. وتتمثل تلك النسخة في حزمة تربط معدات الاتصالات المتطورة، ومنظومات المراقبة، ومنصات الدفع لقاء استخدام خدمات غير المجانية، إضافة إلى تقديمها بأعباء مالية منخفضة. وتتسم تلك البنية أيضاً بأنها ليست محايدة، بل تعطي أولوية لسيطرة الدولة والرقابة والترصد والتتبع باعتبارها الوضعية الأساس لانطلاق عمل تلك الحزمة الرقمية كلها. في الواقع، تصدر بكين نظام تشغيل للأنظمة الاستبدادية. بالتالي، يجب على الولايات المتحدة تقديم بديل أفضل منها.
وإذا تبنى الاقتصاد الرقمي العالمي تلك المجموعة الأميركية المترابطة في أعماله، فسيكفل ذلك للولايات المتحدة الوصول إلى مستقبل تضحي فيه القيم الديمقراطية منبثة في قلب شيفرة القرن الجاري. وإذا تخلت واشنطن عن هذه الأرضية، فسيكون من شأن الدول التي تحكمها أنظمة تسلطية، أن تحوز هيكلية أساس تستند إليها في التجارة العالمية والاتصالات الدولية. وتتصف تلك الهيكلية بأنها تولي الأولوية لتحكم الدولة بأحوال المواطنين، مع ما يتضمنه ذلك من إملاءات بالنسبة إلى الأبواب الخلفية الرقمية المكرسة للرقابة والترصد، وعمليات استخراج البيانات، والبروباغندا الإعلامية والممارسات السلطوية الإكراهية.
لا يتعارض التنافس مع التعاون
ويتطلب الفوز بهذا السباق في الانتشار بين نوعين من التكنولوجيا، توظيف دبلوماسية تجارية واسعة النطاق. ويجب على الحكومة الأميركية أن تتشارك مع الشركات الأميركية في خفض موانع الوصول إلى التكنولوجيا الأميركية حول العالم. ومع تقديم التمويل للتكنولوجيا الأميركية، والمعونة التقنية ونسج الشراكات العالمية مع الشركات الأميركية، يتعزز تبني التقنيات الأميركية، خصوصاً في المناطق التي قدمت فيها الصين بالفعل حزمات تقنية مدعومة وجاهزة للتشغيل.
وفي هذا التنافس، تكتسب المعايير والحوكمة أهمية مساوية للمعدات الإلكترونية. وعلى رغم ضبابية مفهوم المعايير وعدم إيلائه اهتماماً مناسباً، فإنها تشبه قواعد اللغة بالنسبة إلى التكنولوجيا العالمية، وهي التي تحسم آليات التفاعل بين المنظومات التقنية، وكيفية إدارة الأخطار وحوكمة البيانات. وتصاغ المعايير بواسطة مجموعة واسعة من الكيانات الدولية التي تمارس نفوذاً ضخماً على مستقبل مشهدية التكنولوجيا. ويمتد نفوذها من وضع القواعد الأساس لمسار سلامة الذكاء الاصطناعي وخصوصية البيانات إلى التكنولوجيا البيولوجية والتصنيع البيولوجي. وهنالك حاجة الولايات المتحدة لتولي قيادة تلك الكيانات بأكثر من الابتعاد منها، على غرار ما يبدو أن الإدارة الرئاسية الحالية تفعله.
وبصورة محددة، ينبغي لواشنطن إعطاء الأولوية إلى تطوير معايير تقييم منظومات الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك الاختبار قبل إطلاق التقنيات إلى الأسواق، بمعنى تحديد الأشياء التي تعطي للمنظومات التقنية فاعليتها، والتحوط أيضاً لإمكانية فشلها حينما تعمل في العالم الفعلي. ويفترض بواشنطن وشركائها المتوافقين معها فكرياً، دعم الضوابط في مجال البيولوجيا التركيبية أيضاً، مع ملاحظة تزايد ميلها للاندماج مع الذكاء الاصطناعي. وتتضمن تلك الضوابط تكوين بروتوكولات للاختبارات المسحية، ووضع خطوط حمراء تتناول التطبيقات الخطرة، ومبادئ توجيهية للتبليغ عن الحوادث حينما تفشل التجارب أو المنظومات في العمل وفق ما يتوقع منها.
يُخطئ من يذهب إلى أن التركيز على الأخطار ومعايير السلامة يعوق الولايات المتحدة في سباق التكنولوجيا مع الصين. فتعزيز الأمن والموثوقية لن يبطئ الولايات المتحدة وحلفاءها، بل سيمكنهم في نهاية المطاف من التحرك بوتيرة أسرع، إذ إن غياب اليقين يولد الحذر: فعندما يفتقر صانعو السياسات ودوائر الصناعة إلى الثقة بسلامة التقنيات وموثوقيتها، يترددون في تبني قدرات جديدة. ومن ثم، ينبغي على الولايات المتحدة أن تكثف جهودها، لا أن تتراجع، في تنسيق وتوجيه المبادرات العالمية الهادفة إلى تعزيز أمن وسلامة الذكاء الاصطناعي.
لنفعل ذلك بطريقة سهلة
وفي سياق سعيها لتعزيز مكانتها المرموقة في تلك المساحات، يجب على الاستراتيجية الأميركية في التكنولوجيا إيجاد حيز واسع للاستقرار والتعاون في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. ويجدر بذلك أن يشكل العمود الأساس لتلك المقاربة الاستراتيجية، وليس هامشاً استدراكياً فيها. ولن يزول البلدان كلاهما، وعلى كل منهما تعلم التعايش مع الآخر. ولسوف يؤول التنافس التكنولوجي إلى كارثة ماحقة إذا لم تتعاون القوتان الكبيرتان معاً في تجنب الأخطار الأسوأ، أو انخرطا في دائرة مغلقة من تبادل زعزعة استقرار أحدهما للآخر.
وليس من شك في أن الصين والولايات المتحدة ستواصلان توسيع آفاق الذكاء الاصطناعي، لكن المنافسة التي لا تفكر في الأخطار قد تقود إلى تكاثر واسع لمنظومات مؤذية في الذكاء الاصطناعي أو فقدان السيطرة على تلك التكنولوجيا. ودفع هذ الخطر إدارة بايدن إلى التوصل إلى توافق مع بكين أثناء لقاء عام 2024 بين الرئيس الأميركي جو بايدن والزعيم الصيني شي جينبينغ، في شأن إبقاء السيطرة البشرية على عملية صنع القرار في استخدام الأسلحة النووية.
بالتالي، وفي سياق سعي البلدين لخفض اعتماد كل منها على مدخلات حيوية تأتيه من البلد الآخر، يجب على الدولتين تجنب تبادل الضربات في القيود التجارية، لأن ذلك قد يؤذيهما معاً. وإن التنافس في تكنولوجيا الطاقة النظيفة والتقنيات البيولوجية، يجب ألا يعمي الأنظار عن ضرورة التعاون في أزمة المناخ أو العمل معاً لتحقيق إنجازات طبية على غرار التوصل إلى علاجات للسرطان أو أمراض أخرى. ومن شأن تعزيز القدرات العسكرية أن يفضي إلى الحرب إذا لم يترافق مع تواصل مستمر وعميق بين بكين وواشنطن، خصوصاً في ما يتعلق بمضيق تايوان.
لا يتناقض التنافس مع التعاون. فبمواصلة تعزيز قدراتها التكنولوجية، ستحصل الولايات المتحدة على نفوذ أكبر يمكنها من التوصل إلى اتفاقات أكثر فاعلية في إدارة الأخطار. غير أن إيجاد التوازن الصحيح بين المسارين لا يخضع لمعادلة ميكانيكية أو خوارزمية جاهزة، بل يتطلب قدراً من التجربة والخطأ، وما قد يصاحب ذلك من احتكاك. ومع ذلك، فإن تجديد "اتفاق التعاون الأميركي - الصيني في مجالي العلوم والتكنولوجيا" الموقع عام 2024 - الذي يعزز معايير مشتركة لقضايا مثل حماية الملكية الفكرية وإتاحة الوصول المتبادل إلى بعض قواعد البيانات والمواقع البحثية العلمية - يظهر أن هامش التعاون العلمي بين البلدين لا يزال واسعاً، حتى في ظل اتباعهما سياسات تنافسية. والجوهر هنا هو ألا يذهب صناع القرار الأميركيون بعيداً في أي من الاتجاهين، حتى وإن بدا ذلك في بعض الأحيان الخيار الأسهل.
سباق صبر لا اختبار سرعة
بعد أن تحدد الولايات المتحدة استراتيجيتها بوضوح، يبقى التحدي الحقيقي في قدرتها على تنفيذها. فثمة فجوة متزايدة بين طموحاتها الاستراتيجية وما تستطيع إنجازه فعلياً. وتقليص هذه الفجوة في مجالي التكنولوجيا والتصنيع يتطلب معالجة الطريقة التي تتخذ بها قرارات الاستثمار في أسواق رأس المال الأميركية. وتميل المؤسسات المالية في "وول ستريت" إلى ضخ استثماراتها في قطاع البرمجيات، بسبب العوائد المرتفعة وسهولة التوسع، فيما تحظى الصناعات التحويلية - التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وتحقق أرباحاً أقل - باهتمام وتمويل محدودين. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي استراتيجية تعتمد فقط على آليات السوق لتوجيه الاستثمارات نحو تصنيع التكنولوجيا المتقدمة ستكون محدودة الفاعلية.
ومن هنا، تبرز حاجة الحكومة الأميركية إلى العمل بصورة أوثق مع القطاع الخاص لتصحيح هذا الخلل، من خلال استخدام أدوات السياسة العامة، مثل الحوافز الضريبية وضمانات القروض والتأمين ضد الأخطار، لجعل الاستثمارات الصناعية أكثر جاذبية للمستثمرين. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن ترافق عملية إدخال الآلات والتقنيات المتقدمة استثمارات جدية في تدريب العمال، وتحسين فرص التنقل الوظيفي، ودعم نمو الأجور. ولا تقتصر أهمية ذلك على تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الأميركي، بل تمتد إلى طمأنة العاملين أنفسهم، الذين ينظر كثر منهم إلى الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات بوصفها تهديداً لوظائفهم، لا فرصاً لجعلها أكثر أماناً، وأكثر تطوراً، وأفضل من حيث الأجر.
ويتمثل النصف الآخر من تحدي التنفيذ في البيروقراطية الحكومية. ولقد أرست الولايات المتحدة لنفسها نظاماً يعطي الأولوية للإجراءات على حساب المخرجات. وضمن تلك البيروقراطية، تبرز شروط السماح التي قد تعوق المنشآت الجديدة لـ10 أعوام، وقوانين المشتريات التي تخنق الابتكار في الشركات الدفاعية الناشئة، ومغاليق التمويل التي تضيق الخناق على تمويل الوكالات العلمية. وفي ذلك النظام، ثمة أشخاص كثر لديهم القدرة على إعاقة مسار الأعمال، فيما لا تحوز سوى قلة القدرة على تسهيل ذلك المسار.
تفقد إدارة شؤون الدولة معناها إذا لم تنعكس على تحسين الأوضاع المعيشية للطبقتين العاملة والوسطى. فاستراتيجية محددة وطويلة الأمد لمنافسة الصين، تعلي من سيادة التكنولوجيا والصناعة، وتعزز الردع عبر الابتكار العسكري، وتدافع عن المعايير الرقمية الديمقراطية، من دون الانزلاق إلى سباق نحو القاع، من شأنها أن تخلق وظائف جيدة وتدفع الاستثمارات بما يخدم المصلحة العامة. وستسهم هذه الاستراتيجية في توجيه الإنفاق العسكري نحو منع الحروب لا إشعالها، وامتصاص صدمة التحولات التكنولوجية المقبلة، وإدارة الأخطار الناتجة من تنافس القوى الكبرى. وفوق ذلك، ستوفر حماية لخصوصية الأميركيين وحرياتهم المدنية ونمط حياتهم. ولا توجد قوة سياسية أو تيار فكري لا تندرج أهدافه ضمن هذه الأجندة.
غير أن هذا المسار يستغرق عقوداً لا أعواماً. فالولايات المتحدة مطالبة بأكثر من مجرد السعي إلى مكسب عابر يتمثل في السبق إلى الاكتشافات الجديدة. بل يتعين عليها تثبيت مواقعها المتقدمة عبر مواءمة رأس المال مع الاستراتيجية، وتمكين مؤسساتها من اتخاذ قرارات حاسمة، والعمل بعجلة مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبمرونة العصر الرقمي. إنه مشروع وطني مفصلي لعصرنا، يمتلك الشعب الأميركي من المقومات ما يؤهله لإنجازه.
جيك سوليفان، بروفيسور في مقعد كيسينجر لممارسة فن إدارة الدول والنظام العالمي في كلية كينيدي للحوكمة في جامعة هارفرد. شغل منصب مستشار مجلس الأمن القومي للولايات المتحدة بين عامي 2021 و2025.
مترجم عن "فورين أفيرز"، مايو (أيار)/يونيو (حزيران) 2026