ملخص
من الطرد المفخخ الذي استهدف رجل أعمال أوكراني الأصل إلى شبكات مالية مشبوهة وجرائم هزت الإمارة على مر السنين، نشاهد كيف تحولت موناكو، الملاذ التقليدي للأثرياء، إلى بؤرة للفضائح والشكوك، حيث بات بريق الرفاهية يخفي وجهاً أكثر قتامة.
"مكان مشمس لأشخاص ذوي سمعة مريبة"، هكذا وصف الكاتب الإنجليزي ويليام سومرست موم موناكو، الإمارة الصغيرة المطلة على البحر الأبيض المتوسط التي كانت في ما سبق عنواناً للبذخ والرفاهية، لكنها باتت اليوم مرتبطة بتهم غسل الأموال والقتل، وحديثاً بتفجير طرد مفخخ استهدفت أوليغارشياً من أصول أوكرانية مدرجاً على قوائم العقوبات.
وتبدو أحدث فضيحة تطاول موناكو وكأنها حبكة من فيلم تشويق رديء، فقد وقع فاديم يرمولاييف، الذي ارتبط اسمه بعدد من الصفقات التجارية المشبوهة في روسيا قبل أن ينتقل للإقامة في قبرص، ضحية لطرد مفخخ زرع في بهو المبنى السكني الذي يقيم فيه في حي لا روس. وقد وضع الجهاز المصنوع يدوياً قبل دقائق من انفجاره به وبعشيقته (التي فقدت ساقيها، وفقاً لوسائل الإعلام الفرنسية) وابنهما البالغ من العمر 13 سنة، وجميعهم في المستشفى حالياً. وقد أعلن الإنتربول أن المشتبه بها هي أناستاسيا بيريزوفسكا، وهي امرأة أوكرانية تبلغ من العمر 39 سنة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "أوكرينسكا برافدا" الأوكرانية، عثر لاحقاً على بيريزوفسكا مقتولة بالرصاص في العاصمة الأوكرانية كييف. وأضاف التقرير أن شخصين اعتقلا على صلة بالقضية، يعمل أحدهما بصفة رسمية في جهاز الاستخبارات الدفاعية الأوكراني، فيما الآخر ضابط سابق في جهاز الشرطة.
ومتى خيل إليك أن ما جرى لا يعدو كونه سلوكاً نمطياً لرجال أعمال نافذين ذوي صلات بعالم الجريمة المنظمة، ظهرت أنباء تفيد بأن أرتور، الابن الأكبر لفاديم يرمولاييف، حوكم في إستونيا على خلفية إدارة شبكة واسعة للاحتيال عبر مراكز اتصال استهدفت مستثمرين. وعلى رغم إدانة أرتور يرمولاييف، وعدم وجود ما يشير إلى تورط والده فاديم في عملية الاحتيال، نقلت صحف فرنسية عن مصدر قوله إن "عدد خصوم قطب العقارات كان كبيراً إلى درجة أن كثيرين كانت لديهم دوافع لاستهدافه"، وهو ما زاد من تعقيد المهمة الملقاة على عاتق الشرطة المحلية أكثر مما كان متوقعاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشتهر موناكو بكونها ملاذاً آمناً للأثرياء (فهي لا تفرض ضريبة دخل أو ضريبة على أرباح رأس المال). ويعيش في موناكو 3 آلاف بريطاني، من بينهم السير فيليب غرين والسير جيم راتكليف، لكن سمعة البلاد تلقت ضربة قاسية بعد أن تبين، في وقت متأخر نوعاً ما، أن بعض المصرفيين الخاصين ومديري الثروات الذين يشكلون جزءاً من سكانها البالغ عددهم 38 ألف نسمة ليسوا بالضرورة من النوع الذي يرغب المرء في مصاهرتهم.
ولا شك في أن الحرب في أوكرانيا لم تحسن هذه الصورة، ففي السنوات القليلة الماضية، تدفق عشرات الأوليغارشيين إلى هذه الإمارة البالغ مساحتها ما يعادل مساحة منتزه سنترال بارك في نيويورك، من دون أن يثير ذلك أي تساؤلات على ما يبدو. وقد زعم تقرير صادر عن حملة ماغنيتسكي العالمية من أجل العدالة أن ملايين اليورو من الأموال المشبوهة المرتبطة بعمليات احتيال ارتكبها أوليغارشيون روس قد أودعت في موناكو أيضاً، لكن التقرير لم يلق اهتماماً يذكر.
لا تسأل... لا تحرج
كثيراً ما ارتبط اسم موناكو بشعار غير معلن مفاده: "لا تطرح الأسئلة"، وربما كان هذا النهج ليستمر على حاله لولا أن السلطات الضريبية الفرنسية ضاقت ذرعاً ببعض أصحاب الثروات الكبيرة المقيمين في جنوب فرنسا، على بعد خطوات من حدود موناكو، الذين كانوا يتجنبون بدورهم سداد الضرائب المستحقة عليهم.
وفي هذا السياق، كلفت الجمعية الوطنية الفرنسية إعداد تقرير من 400 صفحة نشر في يونيو (حزيران) 2000، خلص إلى أن موناكو اعتمدت عمداً تشريعات مصرفية متساهلة، تضمنت ضمانات واسعة للسرية وعدم الكشف عن الهوية، بهدف استقطاب الأثرياء، وكان كثير منهم من الفرنسيين. كما أشار التقرير إلى أن أنظمة الرقابة النقدية في الإمارة كانت ضعيفة إلى درجة تجعل السلطات عاجزة عن مكافحة غسل الأموال، حتى لو كانت لديها الرغبة في ذلك.
وقال أرنو مونتبور، النائب الفرنسي الاشتراكي الذي أسهم في إعداد التقرير: "النظام المتساهل هنا ليس مجرد أمر يتم التسامح معه، بل جرى تصميمه وإرساؤه عن قصد".
وفي عام 2024، أدرجت موناكو على "القائمة الرمادية" لـمجموعة العمل المالي، التي تضم 40 دولة. (ورأى كثيرون أنها أدرجت في البداية على القائمة السوداء، قبل أن يخفف تصنيفها لاحقاً، لأسباب لم تتضح على نحو كامل).
وبعض ما كشف عنه التقرير يكاد يبعث على السخرية، فالحوالات المالية إلى ملاذات ضريبية سيئة السمعة، مثل جزر كايمان، لم تكن تبلغ بها السلطات مطلقاً. كما رصد التقرير 37 "معاملة مشبوهة وغير قانونية" فقط، على رغم وجود ودائع مصرفية بلغت 44 مليار دولار (33 مليار جنيه استرليني). وفي وقت إجراء التحقيق، كان عدد الحسابات المصرفية في موناكو يبلغ 10 أضعاف عدد سكانها، مما يعني أن 60 في المئة من الحسابات البالغ عددها 340 ألف حساب بقيت مجهولة المصدر.
وفي مركز هذه الشبكات المشبوهة يقف من يسمون بـ"المصرفيين الخاصين"، الذين تتمثل مهمتهم الرئيسة في استمالة الأثرياء - أحياناً من غير أن يفتحوا ملفاتهم، أو حتى يفحصوها، خشية أن يكتشفوا فيها ما يثير الاستياء (يشير التقرير إلى ملف واحد، يتعلق بأحد الأوليغارشيين الروس، لم يترجم قط، ومن المرجح أن أحداً لم يقرأ محتوياته أبداً).
بلغت الأمور ذروتها بصورة مفاجئة عام 2026، عندما فرضت هيئة الرقابة المالية في موناكو غرامة قدرها 6 ملايين يورو (5.1 مليون جنيه استرليني) على كيان معروف، وهو مجموعة "يو بي إس" (UBS Group AG)، بسبب ما اعتبرته "ضعف" إجراءات الرقابة على غسل الأموال وإخفاقاتها في مكافحة تمويل الإرهاب، فضلاً عن عدم امتثالها لواجب معرفة العملاء.
وتشير إحدى الفقرات إلى تقديم تقرير عن تحويل مصرفي مشبوه بتأخير 253 يوماً عن موعده، مما منح العميل على الأرجح سنة ضريبية كاملة لغسل أمواله في مكان آخر.
جنة المليارديرات المحفوفة بالأخطار
تجري معظم اللقاءات الاجتماعية بين العملاء الأثرياء ومديري ثرواتهم في ملهى "جيميز مونتي كارلو" Jimmy’z Monte Carlo، الذي يعد أحد معالم الإمارة، حيث ينفق كبار المقامرين آلاف اليوروهات على زجاجات الفودكا والشمبانيا.
ولكن بينما ينفق المقيمون أموالهم بسخاء عند زيارة موناكو، غالباً ما تغيب زوجاتهم عنهم. وفي حين يتعين على الهاربين من دفع الضرائب في بلادهم البقاء لمدة معينة من الأيام لكي يحق لهم التمتع بمزايا الإقامة، غالباً ما ترفض زوجاتهم زيارتهم، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام فرص عمل لعاملات الجنس المحليات، اللاتي يسهل التعرف عليهن في عدد من المؤسسات الراقية.
تعد موناكو وجهة جذابة لنوع الأشخاص الذين قد تجدهم في مسلسل جريمة غامضة على "نتفليكس"، إلا أنه لا داعي لاختراع أية شخصية، فهم يعيشون هناك بالفعل.
أصبحت إحدى أشهر جرائم القتل التي وقعت في البلاد الآن موضوع فيلم وثائقي حول جرائم حقيقية على "نتفليكس"، يحمل عنوان "جريمة قتل في موناكو" Murder in Monaco. في ديسمبر (كانون الأول) 1999، اندلع حريق في شقة فاخرة في الطابق الأخير من مبنى في موناكو يملكها إدمون صفرا، وهو ملياردير مصرفي كثيراً ما كان مهووساً بسلامته الشخصية. وصفت الحادثة في البداية على أنها عملية سطو من مسلحين، ثم تحولت لاحقاً إلى قصة حريق متعمد أضرمه أحد ممرضي صفرا، وهو الأميركي تيد ماهر، الذي يزعم أنه سعى إلى الحفاظ على وظيفته المربحة من خلال التظاهر بإنقاذ رئيسه من النيران.
لكن اعتقاداً منه بأنه يتعرض لعملية اختطاف، حصن صفرا نفسه داخل الحمام برفقة ممرضة أخرى، مما أدى إلى وفاة كليهما جراء استنشاق الدخان. أما ماهر - كما اكتشفت المحكمة في نهاية المطاف - فقد أصاب نفسه عن عمد وأشعل الحريق باستخدام مناديل مبللة بسائل قابل للاشتعال، وحتى يومنا هذا، لا يزال كثيرون غير مقتنعين بأن هذه هي الحقائق كما وردت (سحب ماهر اعترافه، مدعياً الإرهاق والتعرض للضغط).
جاءت هذه القصة المظلمة في أعقاب حادثة إطلاق النار التي أودت بحياة المليارديرة هيلين باستور، وريثة العقارات البالغة من العمر 77 سنة التي قتلت أثناء زيارتها لابنها بينما كان في المستشفى. وتبين لاحقاً أن صهرها، فويتشخ يانوفسكي، هو الذي أمر بتنفيذ عملية "الاغتيال" الاحترافية لحماية ميراث شريكته المريضة (تعافت لاحقاً).
تعد الفضائح جزءاً من التراث الشعبي لموناكو، إذ كشفت "ملفات روشير" الشهيرة، التي نشرت عام 2021 واستندت إلى المحتوى المنشور على موقع إلكتروني مجهول الهوية، عن الجانب المظلم للعائلة المالكة الشهيرة في موناكو. وكشفت رسائل البريد الإلكتروني المخترقة عن صناديق ائتمانية خارجية، وممتلكات مخفية، ومخالفات مالية، وتفاصيل مثيرة للجدل، بما في ذلك مدفوعات لعشيقات الأمير ألبرت الثاني وطفليه غير الشرعيين. كما فصلت الملفات عادات التسوق الباهظة لزوجته، شارلين.
وبينما لا يزال المشتبه به الرئيس فاراً من وجه العدالة، فإن محاولة الاغتيال هذه ليست سوى أحدث تطور درامي في فصل يزداد ظلمة بالنسبة إلى ما كان يعتبر في يوم من الأيام جنة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط لأغنى أغنياء العالم. وفيما يتكشف مزيد عن الجانب القبيح لهذا البقعة الصغيرة من الريفيرا الفرنسية، يبدو أن أيام المرح قد ولت بالنسبة إلى العائلة المالكة في موناكو، وغاسلي الأموال، والأوليغارشيين الخاضعين للعقوبات.
في أرض اليخوت الفاخرة، وسباقات الفورمولا 1 والكازينوهات الراقية، كثيراً ما كانت السرية هي عنوان اللعبة. وعندما لا يعود ذلك مضموناً، ينتقل الأثرياء إلى مكان آخر. لكن مع تزايد عدم الاستقرار في العالم، أصبح من الصعب الاستمرار في الاعتقاد بأن أي مكان يمكن أن يكون ملاذاً آمناً من الضرائب حقاً. ربما يكون الخيار الأكثر أماناً لأغنى رجال العالم، هو دفع ضرائبهم.
لعلها فكرة ذات جدوى.
© The Independent