ملخص
المنطقة تقف أمام مسارين متوازيين، مسار دبلوماسي مكثف لم يحقق اختراقاً حاسماً حتى الآن، ومسار عسكري تتزايد مؤشرات الاستعداد له من دون إعلان قرار نهائي بالهجوم، وقد تكون الزيارات المتلاحقة إلى طهران محاولة لتجنب الحرب، لكنها قد تكون أيضاً جزءاً من مرحلة تسبق اتخاذ قرارات أكثر خطورة.
تشهد المنطقة مفارقة استراتيجية لافتة، فبينما تتكثف الزيارات الدبلوماسية إلى طهران، وتتواصل الاتصالات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة عبر وسطاء إقليميين ودوليين، تتزايد المؤشرات إلى احتمال استئناف المواجهة العسكرية الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران. ولا يبدو أن النشاط الدبلوماسي الراهن يعكس بالضرورة اقتراب تسوية سياسية، فقد يكون، في الوقت نفسه، محاولة أخيرة لمنع الحرب، وأداة لشراء الوقت، ووسيلة لاختبار مواقف الأطراف قبل اتخاذ قرارات أكثر خطورة.
تكمن أهمية اللحظة الراهنة في أن احتمالات التصعيد لم تعد مرتبطة فقط بالخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، بل باتت تشمل الحصار البحري، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، والقدرات الصاروخية الإيرانية، وأمن إسرائيل، ومصالح الولايات المتحدة في الخليج. ولذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الأزمة ستشهد تصعيداً، وإنما ما إذا كان هذا التصعيد سيظل في إطار الضغط والتهديد المتبادل، أم سينتقل إلى جولة جديدة من الضربات الجوية والصاروخية؟
الدبلوماسية تتحرك لكن هل تتقدم المفاوضات؟
شهدت طهران خلال الأيام الأخيرة حراكاً دبلوماسياً لافتاً، فقد زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف العاصمة الإيرانية خلال الـ19 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بعد مشاركته في اجتماع الحوار الاستراتيجي بين روسيا ومجلس التعاون الخليجي في البحرين، ووصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران خلال الـ21 من الشهر نفسه، في إطار الاتصالات الرامية إلى احتواء التوترات. وتتواصل كذلك الجهود غير المباشرة عبر قطر وباكستان، مع تحركات روسية تسعى إلى تعزيز دور موسكو في إدارة الأزمة.
غير أن كثافة الزيارات لا تعني بالضرورة حدوث اختراق تفاوضي، فالمواقف الإيرانية لا تزال تتمسك بشروط تتعلق بإنهاء الحصار الأميركي، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وضمانات عدم تجدد الهجمات، إلى جانب الخلافات في شأن مضيق هرمز والبرنامج النووي. وفي المقابل، تريد واشنطن أن تؤدي الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى تغيير حسابات طهران، لا أن تتحول المفاوضات إلى وسيلة تمنحها فرصة لتثبيت مكاسبها الاستراتيجية.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لا تزال في ظروف حرب، وأنها لم تصل إلى مرحلة السلام. وشدد مسؤولون إيرانيون على أن التهديدات الأميركية لا تهيئ الظروف المناسبة للتفاوض، وتكشف هذه التصريحات عن فجوة جوهرية بين الطرفين، فواشنطن تستخدم الضغط لإجبار إيران على القبول بشروطها، بينما ترى طهران أن تقديم تنازلات تحت التهديد لن يضمن منع هجوم جديد.
وتتزايد احتمالات الضربة الأميركية - الإسرائيلية، فهناك ثلاثة مؤشرات رئيسة تجعل احتمال تجدد الضربات سيناريو ينبغي أخذه بجدية:
أولاً تعزيز الاستعداد العسكري الأميركي، إذ تشير تقارير حديثة إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي داخل المنطقة، بما في ذلك تحركات بحرية إضافية، تزامناً مع بحث خيارات عسكرية جديدة. ولا يمثل الحشد العسكري دليلاً قاطعاً على اتخاذ قرار بالهجوم، لكنه يمنح واشنطن قدرة أكبر على تنفيذ عمليات واسعة إذا فشلت الاتصالات الدبلوماسية، كما يزيد من الضغوط على القيادة الإيرانية.
ثانياً استمرار الضغط الإسرائيلي باتجاه استئناف العمليات، إذ تفيد تقارير بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدفع نحو شن ضربات جديدة على أهداف إيرانية، على خلفية تقديرات إسرائيلية بأن طهران تعمل على إعادة بناء قدراتها العسكرية. وتحدثت تقارير عن زيارة وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إلى إسرائيل وإجراء مشاورات مع مسؤولين أمنيين إسرائيليين، في شأن الخيارات العسكرية. ويعني ذلك أن احتمال الحرب لا يرتبط بالحسابات الأميركية وحدها، بل يتأثر أيضاً بتقديرات إسرائيل في شأن ما تعتبره نافذة زمنية مناسبة لمنع إيران من استعادة قدراتها.
ثالثاً غياب التوافق على شروط إنهاء الحرب، فالخلافات بين واشنطن وطهران تتجاوز الملف النووي إلى طبيعة النظام الأمني الإقليمي، والقدرات الصاروخية الإيرانية، والعلاقات مع القوى المسلحة الحليفة لإيران، وحرية الملاحة في الخليج. وفي ظل هذا الاتساع، قد لا يكون الاتفاق الجزئي كافياً لإغلاق ملفات الصراع، مما يجعل التفاهمات الموقتة عرضة للانهيار.
ومع ذلك، لا تعني هذه المؤشرات أن الضربة باتت حتمية أو وشيكة في موعد محدد، فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفق تقارير صحافية، أنه لا يعتزم مهاجمة إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن خيار استئناف العمليات لا يزال مطروحاً في النقاشات الأميركية - الإسرائيلية. ويكشف هذا التباين عن صراع بين اعتبارات سياسية داخلية، وضغوط الحليف الإسرائيلي، وأخطار الانزلاق إلى حرب إقليمية جديدة.
وإذا قررت واشنطن وتل أبيب استئناف العمليات العسكرية، فليس من الضروري أن تتخذ الضربة شكل حملة شاملة منذ اللحظة الأولى. فقد تبدأ بعمليات جوية وصاروخية تستهدف منشآت عسكرية ومراكز قيادة وسيطرة، وقدرات صاروخية أو بنية تحتية مرتبطة بالبرنامج النووي، وقد يكون الهدف المعلن إضعاف قدرة إيران على الردع أو إجبارها على تقديم تنازلات تفاوضية.
ومع ذلك، قد لا تؤدي الضربات المحدودة إلى إنهاء الصراع. فقد تدفع القيادة الإيرانية إلى توسيع نطاق الرد، خصوصاً إذا رأت أن الهجوم يستهدف إضعاف قدرتها على البقاء أو فرض شروط سياسية عليها بالقوة، وفي هذه الحالة، قد تتحول العملية المحدودة إلى مواجهة متبادلة يصعب ضبط سقفها الزمني والجغرافي.
وتعزز التصريحات الإيرانية الأخيرة هذا الاحتمال، فقد حذر مسؤولون أمنيون من أن أي هجوم جديد قد يُقابل باستهداف مصالح أميركية وأصول مرتبطة بالدول المشاركة في العمليات. وأشارت تقارير إلى أن طهران تدرس رداً أوسع من الردود السابقة، قد يشمل أهدافاً عسكرية وبنية تحتية في المنطقة. وتظل هذه تهديدات وتصريحات في شأن خطط محتملة، وليست دليلاً على أن جميع الخيارات حُسمت أو أن تنفيذها بات مؤكداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإذا اندلعت جولة جديدة من الضربات، فقد يصبح المضيق ساحة مركزية للمواجهة، بما يحمله ذلك من أخطار على البنية التحتية للطاقة والمنشآت العسكرية والموانئ داخل المنطقة. ولن تقتصر التداعيات على إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل ستمتد إلى السعودية ودول الخليج وربما مصر، بفعل انعكاساتها على أسواق الطاقة والتجارة العالمية وأمن الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
تكمن أهمية الزيارات الدبلوماسية الحالية في أنها تُبقي قنوات الاتصال مفتوحة أثناء لحظة يتزايد فيها خطر سوء التقدير، لكن نجاحها يتطلب أكثر من تبادل الرسائل أو تقديم مقترحات موقتة لخفض التوتر، إذ ينبغي أن تقود إلى تفاهمات متبادلة في شأن وقف الأعمال العدائية، والحصار، والملاحة في مضيق هرمز، والضمانات التي تمنع العودة للحرب.
ويجب على الأطراف الإقليمية تجنب تحويل الأزمة إلى اصطفاف عسكري واسع، فالتوترات في أكثر من بؤرة، كلها ملفات يمكن أن تتقاطع مع المواجهة الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية وتوسع نطاقها، ومن ثم، فإن احتواء التصعيد في إحدى الجبهات قد يساعد على منع انتقاله إلى جبهات أخرى.
الخلاصة أن المنطقة تقف أمام مسارين متوازيين، مسار دبلوماسي مكثف لم يحقق اختراقاً حاسماً حتى الآن، ومسار عسكري تتزايد مؤشرات الاستعداد له من دون إعلان قرار نهائي بالهجوم، وقد تكون الزيارات المتلاحقة إلى طهران محاولة لتجنب الحرب، لكنها قد تكون أيضاً جزءاً من مرحلة تسبق اتخاذ قرارات أكثر خطورة.