ملخص
يدعو الكاتبان إلى جعل بناء دولة فلسطينية مستقلة محور السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، باعتباره السبيل الوحيد لإنقاذ حل الدولتين وكسر دوامة العنف. ويرى الكاتبان أن ذلك يتطلب إصلاح السلطة الفلسطينية، وإجراء انتخابات تمنحها شرعية جديدة، والضغط على إسرائيل لوقف سياسات تقويضها، وربط إعادة إعمار غزة بقيام سلطة فلسطينية موحدة تمهد لاستقرار إقليمي وسلام دائم.
في الأشهر الأخيرة، خضعت العلاقات الأميركية الإسرائيلية لتدقيق غير مسبوق من جميع الأطراف. فقد صوت 40 سيناتوراً ديمقراطياً في أبريل (نيسان) الماضي ضد صفقة بيع أسلحة لإسرائيل بسبب تصرفات الحكومة الإسرائيلية في غزة وإيران ولبنان، وهو تصويت كان من المستحيل تصوره قبل عام واحد فحسب. وفي صفحات مجلة "فورين أفيرز"، دافع أندرو ميلر عن إقامة علاقة "طبيعية" بين البلدين، تنهي الدعم غير المشروط الذي قدمته الولايات المتحدة لإسرائيل على مر الأعوام. وفي أعقاب الحرب مع إيران، اتسعت دائرة المنتقدين لتشمل أعضاء في الائتلاف السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ يرى كثر منهم أن إسرائيل مسؤولة عن جر البلاد إلى صراع غير ضروري ومكلف.
وتعد إعادة ضبط وتقييم العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تحولاً ضرورياً في السياسة الأميركية، في وقت تسعى واشنطن إلى نقل تركيزها بعيداً من الشرق الأوسط نحو أولويات أخرى. لكن إعادة التقييم وحدها غير كافية. فإذا أرادت الولايات المتحدة تجنب الانجرار مجدداً إلى صراعات المنطقة، فعليها أولاً العمل على ترسيخ نظام إقليمي أكثر استقراراً. وهجوم حركة "حماس" على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وما أعقبه من أحداث قد أظهر بصورة مؤلمة وواضحة أن أي استراتيجية تتجاهل القضية الفلسطينية محكوم عليها بالفشل. صحيح أن ليس كل مشكلة في الشرق الأوسط تنبع من الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، لكن المنطقة لن تنعم باستقرار حقيقي ما لم يُحل هذا الصراع. ولن يتحقق ذلك إلا بمنح الفلسطينيين فرصة لحكم أنفسهم.
على مدى الأعوام الـ15 الماضية، لم تبذل واشنطن جهوداً تذكر لدفع هذا المسار قدماً، بل تعاملت مع الملف الفلسطيني بوصفه ملفاً ملحقاً بالعلاقة الأميركية - الإسرائيلية، قضية لا يُعاد تناولها إلا خلال جولات متقطعة من عمليات السلام، وتكون فيها معظم القرارات مرهونة بالمصالح والتفضيلات الإسرائيلية. ولكن لا بد من تغيير هذا النهج. وقد تبدو إدارة ترمب طرفاً غير مرجح لإحداث هذا التغيير، لكن الرئيس دونالد ترمب معروف بتقلباته ومواقفه التي لا يمكن التنبؤ بها، ومع تذبذب علاقة إدارته بإسرائيل، قد يكون هناك مجال للمناورة. وحتى لو لم يحدث هذا التغيير في عهد ترمب، سيحتاج خلفاؤه في البيت الأبيض إلى خطة للتعامل مع إنهاء الصراع كضرورة جيوسياسية. وإذا أرادت الولايات المتحدة شرق أوسط أكثر سلاماً واستقراراً، فعليها إعطاء الأولوية لعلاقتها الثنائية مع الفلسطينيين. باختصار، عليها مساعدة الفلسطينيين على بناء دولتهم المستقلة.
العصر التقدمي
انتهجت الولايات المتحدة في الماضي القريب استراتيجية لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية. وقد حققت السلطة الفلسطينية، وهي الهيئة الحاكمة التي تأسست في تسعينيات القرن الـ20 بموجب اتفاقات أوسلو، تقدماً ملحوظاً بين عامي 2007 و2011 في عهد رئيس الوزراء سلام فياض، نحو بناء مؤسسات يمكن أن تشكل في نهاية المطاف أساساً لقيام دولة فلسطينية. وقد حسن فياض الإدارة المالية للسلطة الفلسطينية وعزز شفافيتها، وبمساعدة برنامج تدريبي قادته الولايات المتحدة، رفع من كفاءة قواتها الأمنية. وبفضل مليارات الدولارات من المساعدات المقدمة من واشنطن وجهات مانحة دولية أخرى، أسفرت هذه الإصلاحات عن نمو اقتصادي سريع، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية بمعدل 10 في المئة عام خلال الأعوام الأربعة الأولى من ولاية فياض. وفي عام 2011، خلص البنك الدولي إلى أن المؤسسات الفلسطينية "مؤهلة تماماً لإقامة دولة في أي وقت خلال المستقبل القريب". وقد أدى هذا الأداء إلى تعزيز الدعم الشعبي: فقد أيد الفلسطينيون بغالبيتهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وأشاروا إلى أنهم سيصوتون لصالحه، كما أيد 58 في المئة منهم إطار حل الدولتين. وأعرب أكثر من 60 في المئة عن دعمهم للمسار الدبلوماسي واللاعنف.
وكثيراً ما يعزو المحللون نجاحات السلطة الفلسطينية خلال تلك الفترة إلى أسلوب القيادة التكنوقراطي الذي اتبعه فياض. لكن ما كان لفياض أن ينجح لولا توافر الظروف المواتية التي جعلت برنامجه الحكومي قابل للتنفيذ، وأهمها الشرعية السياسية القائمة مسبقاً. فقبل عامين من تعيين فياض رئيساً للوزراء، حصل محمود عباس على تفويض شعبي واسع بعدما فاز بنسبة 62 في المئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الفلسطينية. وهذا التفويض الانتخابي، إلى جانب الشعبية النسبية لحركة "فتح" التي يتزعمها، وفر الغطاء السياسي اللازم لفياض للمضي في إصلاحات طموحة ترمي إلى تعزيز الشفافية المالية، وترسيخ سيطرة السلطة الفلسطينية الأمنية على المدن الرئيسة في الضفة الغربية. وقد منحت هذه الإصلاحات الفلسطينيين سبباً للاعتقاد أن مؤسساتهم قادرة على تحقيق تقدم ملموس نحو إقامة الدولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك، عملت السلطة الفلسطينية برئاسة فياض في ظل حكومة إسرائيلية عدت دعم المعتدلين الفلسطينيين أولوية استراتيجية. وقد تواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بانتظام مع عباس، وسهل تحويل عائدات الضرائب الفلسطينية التي جمعتها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية، وخفف القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية. ولكن، لم يفض هذا التعاون إلى حل الخلافات السياسية الجوهرية، إذ فشل أولمرت وعباس في نهاية المطاف في التوصل إلى اتفاق في شأن قضايا الوضع النهائي، ولكنه مكن المؤسسات الفلسطينية من العمل بفاعلية وتقديم الخدمات للمواطنين.
وقد أدت الشرعية السياسية التي تمتعت بها القيادة الفلسطينية، مدعومة من قيادة إسرائيلية مؤيدة لهذا التوجه، إلى فتح الباب أمام الاستثمارات الدولية. فإضافة إلى الولايات المتحدة، خصص الاتحاد الأوروبي وجهات مانحة أخرى مليارات الدولارات لدعم الحكم الفلسطيني والتنمية الاقتصادية. وقد أسهمت المساعدات الخارجية، إلى جانب تحسن الأوضاع الأمنية وتزايد ثقة القطاع الخاص، في تحقيق نمو سريع. وبحلول عام 2010، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية بنسبة 50 في المئة مقارنة بمستويات عام 2000. وكانت النتيجة سلسلة من التطورات الإيجابية التي يعزز بعضها بعضاً: فقد أدى تحسين الحوكمة إلى توليد دعم شعبي أكبر، وزيادة استقرار المجتمع الفلسطيني، وجذب المساعدات الخارجية، مما عزز بدوره قدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ برنامجها.
لكن هذا التقدم بدأ بالتلاشي مع عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى السلطة عام 2009. فقد تراجع نتنياهو عن سياسة حكومة أولمرت الداعمة للسلطة الفلسطينية، وعمل تدريجاً على إضعافها، من خلال توسيع الاستيطان اليهودي الإسرائيلي في الضفة الغربية، وزيادة توغلات جيش الدفاع الإسرائيلي في المنطقة (أ) الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية، وحجب عائدات الضرائب عن السلطة الفلسطينية بصورة دورية. وخلال فترة رئاسته للوزراء، سعى نتنياهو إلى تقسيم المشهد السياسي الفلسطيني، وتهميش المعتدلين الذين برزوا في عهد أولمرت، بينما منح مساحة أكبر للفصائل الأكثر تطرفاً والأقل استعداداً للتفاوض مع إسرائيل، بما في ذلك حركة "حماس" التي انتزعت السيطرة على قطاع غزة من حركة "فتح" عام 2007. وبينما كان يقوض شرعية السلطة الفلسطينية في نظر الشعب الفلسطيني من خلال توسيع النشاط الاستيطاني، سمح في المقابل بتحويل مليارات الدولارات نقداً من قطر إلى مطار بن غوريون، ومن ثم تحويلها مباشرة إلى "حماس" في غزة.
واصلت حكومات نتنياهو توسيع المستوطنات وابتعدت من المفاوضات الجادة
وفي وقت سعى نتنياهو إلى دعم بدائل أكثر تشدداً للسلطة الفلسطينية، وهي الهيئة التي كانت إسرائيل نفسها قد أسهمت في إنشائها من خلال عملية أوسلو، كانت السلطة الفلسطينية تغرق في أزمة مالية متفاقمة وتتدهور قدرتها على الإدارة الفعالة. فازداد عباس ضعفاً وفساداً واستبداداً، وتراجع الدعم لقيادته بصورة حادة. والفكرة الأساس التي قامت عليها السلطة الفلسطينية، وهي أن التعاون واللاعنف قادران على تحقيق النتائج، فقدت صدقيتها لدى الفلسطينيين، في حين اكتسبت "حماس"، بعقيدتها القائمة على نهج المقاومة المسلحة، مزيداً من التأييد. واستقال فياض عام 2013 بعدما عمد عباس إلى تقويض بعض بنود أجندته. أما الولايات المتحدة وغيرها من الجهات المانحة الدولية، فقد خاب أملها من تراجع السلطة الفلسطينية وانهيار عملية السلام، فقلصت مستوى دعمها لها.
ثم جاء انتخاب ترمب عام 2016 والتحول نحو اليمين في السياسة الإسرائيلية ليسرع من تهميش السلطة الفلسطينية. فقد أوقفت إدارته معظم المساعدات الأميركية المقدمة للسلطة، ونقلت السفارة الأميركية إلى القدس، وأغلقت القنصلية الأميركية التي كانت بمثابة سفارة فلسطينية بحكم الأمر الواقع، وأغلقت البعثة الدبلوماسية الفلسطينية في واشنطن. في الوقت نفسه، واصلت حكومات نتنياهو توسيع المستوطنات، وابتعدت من المفاوضات الجادة، واتجهت بدلاً من ذلك نحو سياسة الضم. ومع انعدام الأمل في إحراز تقدم دبلوماسي، وغياب أي آفاق لتجديد الحياة السياسية أو إجراء انتخابات، وتدهور الأوضاع على الأرض، انهار التأييد الشعبي للسلطة الفلسطينية. وقبل شهر من هجمات السابع من أكتوبر2023، أظهرت استطلاعات الرأي في الضفة الغربية وقطاع غزة أن 78 في المئة من الفلسطينيين يطالبون باستقالة عباس، فيما أيدت الغالبية خيار المقاومة المسلحة.
لكن الابتعاد من السلطة الفلسطينية وتجاهل القضية الفلسطينية ارتدَّ سلباً على واشنطن وإسرائيل في نهاية المطاف. وأفضت قرابة 20 عاماً من إدارة "حماس" لقطاع غزة في نهاية المطاف إلى هجمات السابع من أكتوبر واندلاع حرب مدمرة. فوجدت الولايات المتحدة نفسها غارقة في صراعات الشرق الأوسط بعدما سعت إلى تقليص وجودها في المنطقة، بينما وجدت إسرائيل نفسها أقل أماناً ومنبوذة دولياً، أما الشركاء الدوليون الذين دعموا بناء السلطة الفلسطينية، فقد عانوا تداعيات اقتصادية وسياسية ناجمة عن استمرار الصراع.
صندوق الاقتراع لا فوهة البندقية
إن أي جهد أميركي جاد لمساعدة الفلسطينيين على بناء دولتهم اليوم ينبغي أن يهدف إلى إعادة تهيئة الظروف التي جعلت إقامة دولة فلسطينية تبدو ممكنة قبل عقدين من الزمن. وعلى واشنطن أن تبدأ بدعم عملية موثوقة لاستبدال القيادة السياسية الفلسطينية التي أصبحت هرمة وعاجزة عن أداء دورها. فمحمود عباس، البالغ من العمر الآن 90 سنة، قد أعلن حديثاً أن الانتخابات التشريعية ستجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، تليها الانتخابات الرئاسية في مطلع عام 2027، وهي أول انتخابات وطنية فلسطينية منذ عام 2006. وينبغي للولايات المتحدة أن تحمل عباس مسؤولية الوفاء بهذا الالتزام، وأن تدعم إجراء الانتخابات من خلال مطالبة إسرائيل بالسماح بالحملات الانتخابية وتأمين الوصول إلى مراكز الاقتراع في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك القدس الشرقية.
طوال أعوام، خشي صانعو السياسة الأميركيون من أن تؤدي الانتخابات إلى تمكين حركة "حماس"، التي فازت بآخر انتخابات تشريعية فلسطينية عام 2006 ولا تزال ملتزمة خيار الصراع المسلح. وفي عام 2021، وهي آخر مرة بحث فيها عباس بجدية فكرة إجراء انتخابات، تلقى رداً فاتراً من إدارة بايدن بسبب هذه المخاوف. وكان تردد واشنطن أحد الأسباب التي دفعت عباس إلى تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى. لكن اليوم، ومع بلوغ حال الإحباط الفلسطيني مستويات غير مسبوقة، فإن الاستمرار في تأجيل الانتخابات لن يؤدي إلا إلى مزيد من تآكل شرعية السلطة الفلسطينية وتعزيز ادعاء "حماس" بأنها الممثل الحقيقي للقومية الفلسطينية.
لذلك، ينبغي أن تركز السياسة الأميركية على تهيئة الظروف التي تسمح بظهور قيادة شرعية وخاضعة للمساءلة وقادرة على الحكم بكفاءة. ويمكن لواشنطن، على سبيل المثال، أن تشجع حكومة عباس على إقرار قوانين انتخابية تمنح القوى البديلة عن حركة "فتح" وحركة "حماس" مساراً موثوقاً للمشاركة والتأثير. ويمكنها الضغط لجعل المشاركة في الانتخابات مشروطة بالالتزام بنبذ العنف، بما يجبر "حماس" إما على تعديل مواقفها أو الامتناع عن المشاركة.
وينبغي للولايات المتحدة أن توضح أن إجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية وانتقالاً سلمياً للسلطة سيقود إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطينية. وعلى رغم أن خطوة من هذا النوع لن تغير الوقائع على الأرض بين ليلة وضحاها، فإنها ستشكل دفعة هائلة للحكومة الجديدة، التي يمكنها استثمار الاعتراف الأميركي لكسب تأييد شعبي فوري.
ومن شأن التنازلات الرمزية أن تعزز صدقية السلطة الفلسطينية، ولكن يجب أن تقترن بتعهدات مادية ملموسة. ولهذا ينبغي لواشنطن إزالة القيود القانونية التي فرضتها على نفسها في ما يتعلق بتعاملها مع الفلسطينيين. فقد أدت قوانين أميركية، مثل قانون "تايلور فورس" الذي يقيد قدرة الولايات المتحدة على توفير أي دعم للسلطة الفلسطينية إلى حين توقفها عن تقديم تعويضات مالية للأسرى الفلسطينيين الذين ارتكبوا أعمال عنف ضد الإسرائيليين، إلى تقليص كبير في المساعدات الأميركية المباشرة للسلطة الفلسطينية وفي التواصل الدبلوماسي معها. ولا يزال هذا القانون ساري المفعول على رغم التقدم الذي أحرزته السلطة الفلسطينية نحو إلغاء هذه المدفوعات. وينبغي للولايات المتحدة إجراء تدقيق مستقل للتحقق من استمرار امتثال السلطة الفلسطينية، وبعد ذلك يجب رفع هذا القيد. كما أن تشريعات أميركية أخرى، بما في ذلك قانون "تعزيز الأمن والعدالة لضحايا الإرهاب" الصادر عام 2019، وقانون "مكافحة الإرهاب" لعام 1987، تمنع السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية المتحالفة معها من إقامة تمثيل دبلوماسي في الولايات المتحدة. ولذلك، ينبغي أن يسمح للدولة الفلسطينية، بعد الاعتراف بها، بفتح سفارة، وممارسة نشاطها الدبلوماسي في واشنطن، والاستفادة من علاقات أوثق مع الولايات المتحدة.
شريك في السلام
ستلعب الولايات المتحدة دوراً مهماً في أي مشروع لبناء الدولة الفلسطينية، لكن حق الفلسطينيين في تقرير المصير سيظل مستحيلاً من دون مشاركة الحكومة الإسرائيلية. فقد ألحقت حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، التي تضم شخصيات متطرفة مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ضرراً بالغاً بالمجتمع الفلسطيني وبقدرة السلطة الفلسطينية على الاستمرار. ولأكثر من عام، امتنعت الحكومة الإسرائيلية بالكامل عن تحويل عائدات الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية التي تشكل نحو ثلثي موازنتها. وقد أفضت الأزمة المالية المترتبة على ذلك إلى عجز السلطة الفلسطينية عن دفع الرواتب كاملة لموظفيها، وأجبرتها على الاستدانة، وأدت إلى نقص حاد في الأدوية الأساس.
إذا استمرت إسرائيل في احتجاز أموال السلطة الفلسطينية، فعلى الولايات المتحدة أن تعلق موقتاً اتفاق التجارة الحرة مع تل أبيب
وإذا بقي نتنياهو وحلفاؤه في السلطة، فقد تجد واشنطن أن إحراز أي تقدم أمر مستحيل. لكن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد توفر فرصة لتشجيع نهج جديد. ومن غير المرجح أن تؤيد أي حكومة مستقبلية تضم شخصيات معارضة يمينية مثل نفتالي بينيت فكرة إقامة دولة فلسطينية. لكن ائتلافاً يضم أيضاً رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي السابق الوسطي غادي آيزنكوت، ويائير غولان المنتمي إلى يسار الوسط، قد يكون أكثر استعداداً لاتخاذ خطوات عملية لوقف تدهور السلطة الفلسطينية، لأنه يدرك أهمية هذه السلطة في الحفاظ على استقرار الضفة الغربية. ولن تؤدي هذه الإجراءات وحدها إلى إقامة دولة فلسطينية، لكنها قد توفر الحد الأدنى من الظروف اللازمة للولايات المتحدة والفلسطينيين والشركاء الدوليين لاستئناف جهود حقيقية رامية إلى بناء الدولة.
وحتى مع وجود حكومة إسرائيلية أقل تعنتاً، ستحتاج الولايات المتحدة إلى استخدام نفوذها بصورة أكثر حزماً مما فعلت في الماضي لتوجيه السلوك الإسرائيلي. ففي أقل تقدير، يجب أن تطالب إسرائيل بالتحويل المنتظم لعائدات الضرائب الفلسطينية. وإذا استمرت إسرائيل في احتجاز هذه الأموال، فعلى الولايات المتحدة أن تعلق موقتاً اتفاق التجارة الحرة وغيرها من برامج التعاون الاقتصادي المبرمة معها. فإذا أصرت إسرائيل على تخريب الاقتصاد الفلسطيني، فإنها لا تستحق معاملة اقتصادية تفضيلية من واشنطن. وعلى نحو أكثر جوهرية، ينبغي للولايات المتحدة الدفع نحو إعادة التفاوض في شأن بروتوكول باريس لعام 1994 أو استبداله، وهو الإطار الاقتصادي المنبثق من اتفاقات أوسلو الذي يمنح إسرائيل سلطة جباية هذه الإيرادات نيابة عن الفلسطينيين. فلا يمكن لأي حكومة أن تبني دولة فيما يتحكم طرف آخر بأحد أهم مفاتيح اقتصادها، ويعمل في الوقت نفسه على تقويضه.
وليست إيرادات الضرائب الأداة الاقتصادية الفلسطينية الوحيدة التي تسيطر عليها إسرائيل. فمنذ السابع من أكتوبر، شددت تل أبيب بصورة كبيرة القيود على الحركة داخل الضفة الغربية، مما أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية، والحد من قدرة الفلسطينيين على إيجاد عمل خارج مدنهم وقراهم. وتعد السيطرة على حرية الحركة داخل الأراضي الفلسطينية عنصراً أساساً من عناصر السيادة، وسيواصل الشعب الفلسطيني اعتبار السلطة الفلسطينية سلطة فاشلة ما دام حياته اليومية تحكمها الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش الإسرائيلية بدلاً من حكومته الخاصة. لذلك، ينبغي للولايات المتحدة الضغط من أجل التراجع عن هذه القيود. وإذا رفضت إسرائيل تخفيفها، فعلى واشنطن تعليق البرنامج الذي يسمح للإسرائيليين بدخول الولايات المتحدة من دون تأشيرة.
وربما أكثر ما يقوض صدقية القيادة الفلسطينية الحالية هو عجز السلطة الفلسطينية عن مواجهة التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين. فمنذ عام 2023، وافقت الحكومة الإسرائيلية على بناء أكثر من 50 ألف وحدة استيطانية، وغضت الطرف إلى حد كبير عن أكثر من 5300 اعتداء نفذه مستوطنون إسرائيليون. وكانت إدارة بايدن قد فرضت عقوبات على أكثر المستوطنين الإسرائيليين عنفاً، وعلى المنظمات الداعمة لهم. لكن بعد عودته إلى البيت الأبيض، بادر ترمب إلى إلغاء تلك العقوبات فوراً. واليوم، ارتفع معدل الهجمات العنيفة بنسبة 50 في المئة مقارنة بما كان عليه في فترة سريان عقوبات إدارة بايدن. وعلى الولايات المتحدة أن ترسم خطوطاً حمراء واضحة في شأن التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين، بدءاً بإقرار قانون منع العنف في الضفة الغربية، بما يعيد تفعيل برنامج العقوبات المفروض في عهد بايدن ويمنع إلغاءه لاحقاً بقرار تنفيذي.
من وقف إطلاق النار إلى قيام الدولة
لقد أظهرت الحرب في غزة، وما خلفته الحروب في إيران ولبنان من أضرار جانبية، لحكومات الشرق الأوسط وأوروبا أن تجاهل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني لن يؤدي إلا إلى انفجاره بطرق تضر بمصالحها وتربك أوضاعها السياسية الداخلية. ولذلك، يتعين عليها أيضاً أن تضطلع بدور أكثر فاعلية في المساعدة على بناء دولة فلسطينية. وقد استثمر بعض الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي والسعودية، في دعم السلطة الفلسطينية، ودفعوا باتجاه إصلاحات تتعلق بالشفافية والإدارة المالية وتقديم الخدمات خلال العامين الماضيين. وينبغي للولايات المتحدة أن تدعم هذه الجهود من خلال تقديم مساعدات مالية مشروطة وخبرات فنية. إلا أن تعزيز السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحده لا يكفي لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، فضلاً عن تحقيق استقرار إقليمي دائم. فالاستراتيجية الناجحة لبناء الدولة لا بد أن تعيد في نهاية المطاف توحيد غزة والضفة الغربية تحت حكم فلسطيني شرعي.
وتوفر خطة ترمب المؤلفة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، والتي ساعدت مصر وقطر وتركيا في التفاوض في شأنها، خريطة طريق مفيدة لإقامة دولة فلسطينية، إذ تنص صراحة على أن يكون الهدف النهائي هو تولي السلطة الفلسطينية بعد خضوعها لإصلاحات إدارة قطاع غزة. غير أن الخطة، بعد نجاحها الأولي في إنهاء الحرب، دخلت مرحلة من الجمود. وإذا لم يتحقق تقدم في نزع سلاح "حماس"، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ونقل السلطة والصلاحيات إلى السلطة الفلسطينية أو إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة التي أنشئت كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار، فمن المرجح أن تؤدي الخطة إلى مستقبل تسيطر فيه "حماس" على جزء صغير من غزة، بينما تفرض إسرائيل سيطرتها على بقية القطاع إلى أجل غير مسمى.
وفي الوضع الحالي، يتعامل البيت الأبيض ومجلس السلام وإسرائيل مع نزع السلاح الكامل لحركة "حماس" بوصفه شرطاً مسبقاً لتقديم المساعدات الدولية ونقل السلطة إلى حكومة فلسطينية تكنوقراطية. غير أن نزع سلاح "حماس" لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال عملية تدريجية تشمل تسريح المقاتلين وإعادة دمجهم في المجتمع والمؤسسات المدنية، وهي عملية يرجح أن تستغرق أعواماً. والاستمرار في الإصرار على نزع السلاح الفوري يبقي "حماس" في السلطة، ويمنح نتنياهو ذريعة للبقاء في غزة. ولذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن تعمل مع مصر وتركيا وقطر للضغط على "حماس" من أجل قبول خطة لنزع سلاحها تدريجاً، مقابل انتزاع التزام إسرائيلي بانسحاب مرحلي يرتبط مباشرة بالتقدم المحرز في هذا المسار.
ولتحقيق ذلك، يتعين على واشنطن أولاً إقناع إسرائيل بقبول أن السلطة الفلسطينية ستضطر إلى الاضطلاع بدور حقيقي في إدارة غزة. فإقامة نظام مستدام لما بعد الحرب يتطلب وجود بديل فلسطيني موثوق لـ"حماس"، ولا تزال السلطة الفلسطينية، على رغم أوجه القصور التي تعانيها، المؤسسة الوحيدة التي تمتلك القدرة على أداء هذا الدور. ويجب على الولايات المتحدة أن توضح لإسرائيل أن عرقلة هذا الانتقال، كما فعلت حكومة نتنياهو بإصرارها على عدم التحرك قبل نزع سلاح "حماس" بالكامل، يتعارض مع الهدف الأوسع المتمثل في تمكين بديل فلسطيني موثوق لـ"حماس". وإذا استمرت إسرائيل في الإصرار على عدم منح السلطة الفلسطينية أي دور في إدارة غزة بعد الحرب، فعلى واشنطن أن تضع قيوداً على استخدام الأسلحة الأميركية في غزة والضفة الغربية.
إن تمكين السلطة الفلسطينية، إلى جانب تنفيذ عملية موثوقة لنزع سلاح حركة "حماس" وتسريح مقاتليها وإعادة دمجهم، سيوفر البنية المؤسسية اللازمة لإطلاق استثمارات إقليمية ودولية ضخمة لإعادة إعمار غزة، وإنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار على النحو الذي تنص عليه الخطة ذات النقاط الـ20، وصولاً في نهاية المطاف إلى قيام كيان سياسي فلسطيني موحد يضم غزة والضفة الغربية. وينبغي ألا تسمح الولايات المتحدة وشركاؤها لإسرائيل بالوقوف في طريق تحقيق هذا الهدف.
دفع عجلة العمل إلى الأمام
مجتمعة، يمكن لهذه الجهود المبذولة لبناء الدولة أن تضع الأساس لعملية سلام إقليمية تنخرط فيها إسرائيل في حوار مع جميع جيرانها العرب، بما يفضي في نهاية المطاف إلى اتفاق سلام، وإقامة دولة فلسطينية، والاندماج الكامل لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. وقد يبدو هذا السيناريو بعيد المنال في الوقت الراهن. فالولايات المتحدة لم تتوصل إلا أخيراً إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران. وعلى رغم الانقسام المتنامي داخل الحزب الجمهوري الأميركي في شأن إسرائيل، فإن ترمب لم يبد أي اهتمام بدفع قضية الدولة الفلسطينية خلال أي من ولايتيه الرئاسيتين. ولا تزال إسرائيل خاضعة لحكومة يمينية متطرفة، فيما يواصل الفلسطينيون العيش في ظروف مروعة في غزة، ويواجهون تصاعداً في العنف والتهجير في الضفة الغربية.
لكن هذه الظروف قد تتغير قريباً. فقبل انتخابات الخريف، تظهر استطلاعات الرأي أن حكومة نتنياهو لا تزال بعيدة من الحصول على المقاعد الـ61 في الكنيست اللازمة لتشكيل ائتلاف حكومي. وقد لمح عباس إلى احتمال إجراء انتخابات. وفي شخص رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، يمتلك الفلسطينيون شخصية تكنوقراطية كفؤة قد تؤدي الدور الذي لعبه فياض إذا توافرت الظروف المناسبة. ولا يزال الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني يحتل موقعاً محورياً في السياسة الداخلية لكل من أوروبا والولايات المتحدة. وقد يفقد الحزب الجمهوري السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس، أو على كليهما، في انتخابات نوفمبر المقبل. وقد يجد ترمب أن أولوياته في السياسة الداخلية تواجه عراقيل، فيسعى، مثل كثير من الرؤساء الأميركيين قبله، إلى تحقيق إنجاز كبير في السياسة الخارجية يعزز إرثه السياسي. ومن شأن اتخاذ الخطوات الأولى نحو سلام إقليمي وإقامة دولة فلسطينية أن يشكل استكمالاً مهماً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الذي يعد أحد أبرز النجاحات الفعلية في ولايته الثانية. ولكن حتى لو لم يسع ترمب إلى ذلك، فإن مشروع بناء الدولة الفلسطينية قد يكون خياراً جذاباً سياسياً للرئيس الأميركي المقبل، بغض النظر عن انتمائه الحزبي.
لقد فقدت فكرة بناء الدول شعبيتها في واشنطن منذ إخفاقات الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. لكن في الحالة الفلسطينية، لا يزال هذا النهج منطقياً. ففي غياب هذه الجهود، كثفت الحكومات الإسرائيلية اليمينية مساعيها لإغلاق الباب أمام إمكانية قيام دولة فلسطينية، في حين ازداد عدد الفلسطينيين الذين اقتنعوا بأن المقاومة العنيفة وحدها هي الكفيلة بإبقاء حلم تقرير المصير حياً. ويستمر هذان الاتجاهان في تغذية دوامة العنف وعدم الاستقرار التي تعصف بالمنطقة. وإذا أرادت الولايات المتحدة وضع حد نهائي لهذه الحلقة المفرغة وتهيئة الظروف لتحقيق سلام دائم، فعليها أن تدفع باتجاه إقامة دولة فلسطينية.
إيلان غولدنبيرغ هو نائب الرئيس الأول وكبير مسؤولي السياسات في منظمة "جي ستريت" (J Street)، وقد شغل سابقاً منصب المستشار الخاص لشؤون الشرق الأوسط لنائبة الرئيس كامالا هاريس من عام 2023 إلى عام 2024، وكان عضواً في الفريق الذي أجرى مفاوضات الوضع النهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين في عهد وزير الخارجية الأميركي جون كيري من عام 2013 إلى عام 2014.
ليام حمامة هو محلل سياسات في منظمة "جي ستريت" (J Street).
مترجم عن "فورين أفيرز"، السابع من يوليو (تموز) 2026