ملخص
تحذر المقالة التحليلية من حتمية اندلاع جولة جديدة وأكثر شمولاً من العدوان الإيراني، المستهدف لدول الخليج والجزيرة العربية، متسقاً مع ثلاث دلائل صادرة عن قيادات "الحرس الثوري" الإيراني، و"المجلس الأعلى للأمن القومي"، وتتمثل الدلائل في الاستهداف العملياتي لخط أنابيب "شرق - غرب" السعودي، عبر الميليشيات العراقية، استجابة لرفض طهران تصدير النفط بعيداً من الممرات الحيوية، وتلويح "الحرس الثوري" بتغيير جغرافيا الحرب، لنقل الاشتباكات المباشرة أرضياً لخارج حدوده، فضلاً عن التهديد المباشر بشلّ حركة المطارات الخليجية، رداً على الحظر الأميركي للطيران الإيراني، وتخلص المقالة إلى أن دقة المرحلة وتراجع جدوى مسارات التهدئة، تتطلبان أعلى درجات الاستعداد العسكري، وتجاوز الخلافات الخليجية البينية، لرأب الصدع وتعزيز وحدة الصف لمواجهة التهديدات الوشيكة.
كل المؤشرات والقراءات تقود إلى خلاصة واحدة: جولة من العدوان الإيراني على دولنا قادمة لا محالة، سواء جاءت بعد استئناف الولايات المتحدة الأميركية هجومها على "الحرس الثوري"، أو بعدما تضيق بهم الدوائر وتتقطع أنفاسهم، بسبب الحصار الخانق الذي فرضته أميركا عليهم بعد قرصنتهم مضيق هرمز، ولذلك ستبدأ هي بالعدوان، في محاولة يائسة لفك الحصار، والأكثر خطورة في هذه الخلاصة أن القادم سيكون أخطر وأشمل مما سبقه، لأنه "قادم" لن يتوقف في إسلام أباد، وقد لا يكتفي بالمسيّرات والصواريخ.
هناك دلائل ثلاثة رئيسة صرّح بها "الحرس الثوري" الإيراني، تدلّ على أنهم سيستأنفون العدوان، الأول ثبت بالهجمات التي شنتها الميليشيات العراقية الولائية التابعة لإيران هذا الشهر على خط أنابيب "شرق - غرب" السعودي، وعطّلت التصدير عبره، وجاء هذا العدوان ترجمة لتهديد نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني، حميد رضا حاجي بابائي، الذي صرّح في أغسطس (آب) الماضي بأن إيران تعد محاولة تصدير النفط عبر وسائل أخرى، خارج مضيق باب المندب، تقليلاً من أهميته، وسنعدّ ذلك عملاً عدائياً، في غطرسة وعدوانية غير مسبوقة في عالم العلاقات الدولية، مختصرها المستحيل "لاني رازقك ولاني مخلي الله يرزقك"، وهو كناية عن أماني المستحيل، بأنه يتمنى أن يتوقف رزق الله الذي وإرادته، وبمناسبة الميليشيات العراقية التابعة لإيران، فقد تشابهت الحكومة معها علينا، فوزير الاتصالات الحالي في الحكومة العراقية، مصطفى جبار سند، استقبل قيادات حوثية في العراق، وأشاد باعتداءاتها على المملكة العربية السعودية، وهو ما يدعو المراقب إلى مراجعة الفرق بين الحكومة العراقية، وميليشيات إيران العراقية.
الدليل الثاني هو مصطلح "تغيير جغرافيا الحرب"، الذي جاء هذا الأسبوع في تهديد المتحدث باسم "الحرس الثوري"، حسين محبي، فقد هدّد بأنه في حال استأنفت أميركا الحرب، فإن "الحرس الثوري" سيقوم بتغيير جغرافيا الحرب، وهو تصريح يعني بكل وضوح أنهم سيقومون بنقل المعركة جغرافياً من إيران إلى خارجها، وفي صورة اشتباكات مباشرة، أي على شكل تحرك عسكري على الأرض، لأن إيران لا تمتلك سلاحاً جوياً من الطائرات الحربية.
وبنظرة سريعة على الجغرافيا المحيطة بإيران، يدرك الناظر أن المقصود ليست كابول ولا باكو ولا حتى إسرائيل، أو ولاية كاليفورنيا الأميركية، فالمقصود بالجغرافيا التي ستوسّع إيران فيها الحرب هو دولنا، مدفوعة بنظرة استعلائية وحقد دفين على دول الخليج والجزيرة العربية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما الدليل الثالث فهو ما صرّح به أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، خلال مقابلة على تلفزيون "الحرس الثوري" الرسمي، فقد ظهر بيدين مرتعشتين بوضوح بيّن، معلقاً على منع أميركا الطائرات المدنية الإيرانية من استخدام مطارات المنطقة، ومهدداً بأنه "إذا منعوا الطائرات الإيرانية من السفر، فلن تتمكن مطاراتهم من تسيير الرحلات"، وهو تهديد يضاف إلى التهديدات التي أطلقها "الحرس الثوري" بمنع دول المنطقة من تصدير نفطها خارج مضيق هرمز، والتهديد بالعدوان البري عبر "تغيير جغرافيا الحرب"، وغلق مطارات دول المنطقة، فمن يقصد رضائي بدول المنطقة؟ هل يقصد مطار عشق آباد في تركمانستان؟ أم مطار كراتشي في باكستان؟ أم إسطنبول؟ أو مطار هاكاري صلاح الدين التركي، القريب من الحدود التركية - الإيرانية؟
من المؤكد بأن المقصود هو المطارات الخليجية الأكبر والأكثر حركة في العالم، وليس في المنطقة وحدها، مثل مطارات جدة ودبي وأبوظبي والدوحة والرياض وغيرها؟
إذن، يسود شعور في دول الخليج العربية بأن العدوان قادم لا محالة، وصحيح أن جهوداً تُبذل لخفض التصعيد والعودة للمفاوضات، لكن هذه المحاولات لم تنجح في ظروف أقل تصعيداً وتوتراً، فلماذا تنجح في وقت انتفت فيه الثقة، وتساقطت أقنعة العدوان؟
ما العمل؟ قد تتطلب الإجابة فصولاً من الشروحات لدى المتخصصين الإستراتيجيين، وخططاً مفصلة لدى العسكريين، لكن لسان المواطن الخليجي العادي يختصرها جميعا بعبارتين: "استعدوا وتراصوا"، فالاستعدادات والتسليح والتحضيرات جرت وتجري على قدم وساق، والتنسيق العسكري، وإن لم يكن بالمستوى المطلوب خلال الجولات الماضية، لكنه أعلى درجة في الوقت الحاضر، والخبرة متراكمة، والقلوب ثابتة، والشجعان ضحّوا، والسواعد مشمّرة، ولكن هناك خلافات خليجية، واختلافات ليست بخافية على المتابع، وهناك من ينفخ في هذه الخلافات، وينفث سموماً من الفرقة ومحاولة تعميقها، ولعل لهؤلاء أجندات حزبية، أو خلايا خارجية، وحسابات تدار من عواصم معادية للخليج وأهله.
وعلى رغم ذلك فإن المسؤولين في الخليج أظهروا دوماً تسامياً على هذه الخلافات، وترجموا مشاعر ومواقف تتحلى بالمسؤولية المطلوبة في هذه المرحلة الخطرة، ولكن ذلك لا يكفي، فالمطلوب أكثر لأن القادم سيكون أخطر.