ملخص
تشير دراسة إلى إقبال الأسر على إلحاق أبنائها بالتعليم الأجنبي، بسبب ضعف الثقة في التعليم الحكومي ومخرجاته، والحرص على تعلم لغة أجنبية تساعد لاحقاً في الحصول على وظيفة مناسبة، إضافة إلى أن الالتحاق بالتعليم الأجنبي أصبح رمزاً للمكانة الاجتماعية والثروة، كذلك المدارس الدولية بها جودة تعليمية وتتيح تكرار الاختبار أكثر من مرة.
بعد رسوب أعداد كبيرة من الطلاب في مدارس دولية في مصر، كان لافتاً الجدال الذي أثير على منصات التواصل الاجتماعي بين أسر طلاب التعليم الدولي، مطالبين بـ"الرأفة لأبنائهم"، لمجرد أن وزارة التربية والتعليم شددت على نجاحهم فيما يسمى مواد الهوية القومية، وهي اللغة العربية والتربية الدينية والدراسات الاجتماعية، وهو ما دعا إلى التعجب في شأن الاعتراض على دراسة لغة الدولة الرسمية، وجدد الشكوك حول "انتماء وهوية" طلاب المدارس الدولية في مصر.
والمدارس الدولية هي مدارس خاصة تطبق منهجاً دراسياً أجنبياً معترفاً به عالمياً، ومعتمد من وزارة التربية والتعليم المصرية، فيما تطبق نظام اختبارات خاصة يختلف عن النظام المصري. ويبلغ عددها 805 مدرسة، وفق آخر بيانات أعلنتها وزارة التربية والتعليم. لكن اللافت أنها تضاعفت مرات عدة في العقد الأخير، إذ كان عددها عام 2011 لا يتجاوز 186 مدرسة، وزاد عدد طلابها من 19406 في العام الدراسي 2007 -2008 إلى 102 ألف طالب في العام الدراسي 2015 - 2016.
التحذير من تأثير المدارس الدولية على هوية الطلاب ليس جديداً، إذ كرر شيخ الأزهر أحمد الطيب في مناسبات عدة حديثه عن ضرورة الاهتمام بتدريس اللغة العربية، محذراً مما سماه "غزواً ثقافياً يستهدف إقصاء الدين والأخلاق وتغليب ربط النشء والشباب باللغات الأجنبية على حساب لغتهم الأم اللغة العربية"، معتبراً في بيان العام الماضي أن هناك توجهاً لدى "النخب المجتمعية" لإرسال أبنائهم إلى المدارس الدولية "وهو ما يخشى منه تسرب روح استعمارية تطغى على وجدان ومشاعر النشء، وحتى لا نفاجأ مستقبلاً بأن المجتمع يقاد بعقول غربية مفرغة من كل ما هو عربي الهوية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكررت تلك التحذيرات في البرلمان المصري، ففي عام 2023 تقدمت عضو مجلس النواب منى عمر بمشروع قانون يلزم المدارس الدولية بتدريس اللغة العربية ضمن المناهج لكل المراحل الدراسية، على أن يكون النجاح فيها شرطاً أساساً للانتقال للعام الدراسي الجديد، لكن الأمر لا يقتصر على المعرفة باللغة العربية، إذ أشارت دراسة بعنوان "تعزيز الهوية الثقافية العربية في مدارس التعليم الأجنبي"، للأكاديمي بكلية التربية جامعة القاهرة أيسم سعد، إلى أن المدارس الدولية "تتعارض مع الدور الاجتماعي للمدرسة، وهي نقل ثقافة المجتمع وقيمه للأجيال القادمة". وأضافت الدراسة المنشورة عام 2017 أن بعض المدارس الدولية "لا تلتزم تدريس اللغة العربية على الإطلاق، وهو ما يعزز الانتماء الثقافي بين الدارس والمجتمع الذي يدرسه (سواء التعليم الأميركي أو الإنجليزي أو الفرنسي وغيره)، وليس المجتمع الذي ينشأ فيه"، وفق الدراسة.
سنوات من التهميش
وفي أغسطس (آب) 2024 أصدرت وزارة التربية والتعليم المصرية قراراً يلزم المدارس الدولية بتدريس اللغة العربية في مرحلة رياض الأطفال، وكذلك تدريس مادتي اللغة العربية والتربية الدينية من الصف الأول إلى الثالث الابتدائي أو ما يعادلهما، ويلزم القرار المدارس بتدريس مواد اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية من الصف الرابع حتى الصف السادس، أو ما يعادلها، وفقاً للمناهج المطبقة بالمدارس الرسمية المصرية على أن تدخل درجات اللغة العربية والدراسات الاجتماعية ضمن المجموع الكلي للطالب، بحيث تمثل كل مادة 10 في المئة من إجمال الدرجات، بمعدل 20 في المئة للمادتين معاً.
وعلى رغم إيجابية القرار فإن ما كشفته وزارة التعليم أخيراً عن رسوب عديد من الطلاب في مواد الهوية، ومخالفة بعض المدارس بمنح الدرجة النهائية لطلاب تركوا أوراق الإجابة فارغة، تعد مؤشرات إلى خلل كبير في منظومة التعليم الدولي في مصر، سواء لدى الطالب الذي لا يعرف ما هو ضروري عن لغة وتاريخ وطنه، وبعض المدارس التي تسهم في ذلك.
أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة عاصم حجازي أكد أن تهميش مواد الهوية داخل المدارس الدولية انعكس على ارتفاع معدلات رسوب الطلاب فيها، بالتالي أصبح الطلاب من دون حصانة فكرية أو معرفية في ظل الغزو الثقافي. وأضاف حجازي لـ"اندبندنت عربية" أن نقص الهوية ينعكس على عدم تحدث الطلاب اللغة العربية أو اعتزازهم بثقافة وتاريخ بلدهم في حال التحاقهم بجامعات بالخارج. وأشار إلى أن تدريس مواد الهوية الوطنية في المدارس الدولية يسهم في تكوين اتجاهات الطلاب المعرفية وتوفر المعلومات عن بلدهم ودينهم ولغتهم ما يمنع سقوطهم فريسة للحرب النفسية أو الغزو الثقافي من الآخرين، إذ تجمع تلك المواد جميع الطلاب المصريين في لغة واحدة وانتماء للوطن عبر مفردات وتاريخ مشترك.
في المقابل يرى رئيس التعليم الثانوي بوزارة التعليم سابقاً محمد سعد أن المدارس الدولية في مصر لا تؤثر في هوية الطلاب، وقلل من المخاوف المتجددة من تأثير المدارس الدولية على هوية الطلاب، موضحاً لـ"اندبندنت عربية" أن وزارة التربية والتعليم تشترط تدريس مواد الهوية (اللغة العربية، والتربية الدينية، والدراسات) لمنح ترخيص للمدارس الدولية الخاصة، فضلاً عن احتساب درجات اللغة العربية ضمن المجموع الكلي للطالب. وعن ارتفاع نسب الرسوب في مواد الهوية قال إنها تشير إلى وجوب اهتمام الطلاب بتلك المواد وجدية الاختبارات التي تضعها وزارة التربية والتعليم.
ظواهر مقلقة
إلا أن شهادة من داخل المدارس الدولية تؤكد أن هناك أزمة في هوية كثير من الطلاب، إذ تشير مديرة إدارة الجودة في شركة "سيرا" للتعليم التي تملك نحو 30 مدرسة خاصة ومنها دولية نسرين نور الدين إلى تفشي ظواهر تتعلق بعدم إجادة الطلاب اللغة العربية، وتخوف بعض أولياء الأمور من عدم التزام أبنائهم بالتعاليم الدينية، وعدم معرفتهم بتاريخ بلدهم وحضارتها.
تقول نور الدين في حديثها إلى "اندبندنت عربية" إن وزير التربية والتعليم محمد عبداللطيف اتخذ إجراءات عدة لإجبار المدارس الدولية على الاهتمام بمواد الهوية، تتضمن إلغاء إمكان شراء شهادة الإعفاء من دراسة مواد الهوية، وهو ما كان البعض يقوم به للتحايل على دراسة تلك المواد، فضلاً عن مضاعفة الحصص الدراسية المخصصة لتدريسها والإشراف المباشر على تلك المدارس.
وأضافت نور الدين، وهي بالأساس استشاري في مجال تطوير وتحسين المدارس، أن بعض المدارس الدولية، خاصة "المرتفعة المصروفات" كانت تعامل مواد الهوية كـ"درجة ثانية" بتدريسها بأقل عدد ممكن من الحصص، وعدم الالتزام باختبارات الإدارات التعليمية مع الاكتفاء باختبارات داخلية، لكن أشارت أيضاً إلى أن هناك مدارس كانت تلتزم بالضوابط الحكومية.
وأشارت إلى أن المدارس الدولية اهتمت خلال العام الدراسي المنقضي بمواد الهوية بعد إشراف الوزارة عليها وإلزامهم بالاختبارات والتقييمات الأسبوعية والشهرية. وشددت على أهمية تفعيل الأنشطة التفاعلية بين الطلاب، سواء بإنشاء مجموعات تفاعلية وعصف ذهني أو إضافة الألعاب التعليمية للمناهج خلال تدريس مواد الهوية في المدارس الدولية.
كذلك، أكدت معلمة اللغة العربية بإحدى المدارس الدولية الشهيرة شرق القاهرة سمر سيف أنه منذ تولي محمد عبداللطيف وزارة التعليم، أصبح هناك اهتماماً بمواد الهوية في مدارس اللغات، مشيرة إلى تكثيف حملات الرقابة والتفتيش الدورية على المدارس ومن بينها مدرستها.
وأرجعت سيف ارتفاع نسب رسوب الطلاب في اختبارات "مواد الهوية" إلى عدم اهتمام أولياء الأمور بتلك المواد، قائلة لـ"اندبندنت عربية" إن اهتمامهم الأكبر ينصب على مواد اللغات. وأضافت أنه بعد سنوات من الاعتياد على تجاهل تلك المواد فإن حجم المناهج ودرجة صعوبتها يفوق قدرات بعض الطلاب في المراحل التعليمية المختلفة، فضلاً عن التقييمات المستمرة كل شهر، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسب الرسوب.
وأظهرت الأزمة الأخيرة الخاصة بالرسوب في مواد الهوية رغبة أولياء أمور طلاب المدارس في الاستمرار في نهج تجاهل تدريس تلك المواد، وهو ما كان معتاداً خلال الفترات السابقة، وفق شهادات من داخل المدارس الدولية.
مؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر داليا الحزاوي أشارت إلى أن هناك فئة من الطلاب أصبحت تتباهى بعدم معرفتها بتاريخ بلدها أو تظهر انفصالاً عن هويتها الوطنية، مؤكدة أن الأسرة تتحمل جزءاً من المسؤولية، وموضحة أن بعض الأسر المصرية تنظر إلى التعليم الدولي باعتباره وسيلة للابتعاد عن مواد الهوية، وهو ما يمثل قصوراً في الدور التربوي للأسرة.
وقالت داليا الحزاوي، وهي أيضاً خبيرة تربوية، إن عدداً من المدارس الدولية تعاملت خلال السنوات الماضية مع مواد الهوية الوطنية بنوع من التهميش، على رغم أنها تمثل جزءاً أساساً من بناء شخصية الطالب وتعزيز قيم الانتماء والوعي الوطني. وأعربت عن تأييدها لقرار تدريس مواد الهوية الوطنية داخل المدارس الدولية، مؤكدة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القرار ذاته إنما في آليات تطبيقه ومتابعته على أرض الواقع.
فترة انتقالية
وأشادت الحزاوي بتعامل وزارة التربية والتعليم مع الملف، معتبرة أن الوزارة اتخذت خطوات جيدة تستهدف تقليل الفجوة بين المدارس الدولية وغيرها من المدارس، من خلال تأكيد وجود مواد مشتركة تعزز الهوية الوطنية، وأعادت الاعتبار لمواد الهوية ومنحت المدارس الدولية فترة مناسبة لتقنين أوضاعها والتكيف مع المتطلبات الجديدة.
وشددت على ضرورة أن يبدأ تدريس الطلاب مواد الهوية الوطنية منذ التحاقهم بالمدارس، وليس التعامل معها باعتبارها مواد هامشية أو مؤجلة، وطالبت الحزاوي الوزارة بمتابعة دورية لمدى التزام المدارس الدولية بتوفير حصص فعالة لمواد الهوية، إلى جانب مراجعة التقييمات الأسبوعية والشهرية، لضمان تحقيق الاستفادة المرجوة وعدم الوصول لاحقاً إلى ارتفاع نسب الرسوب نتيجة ضعف الإعداد الدراسي.
وأشارت إلى أن تطبيق القرار يأتي خلال مراحل دراسية قائمة بالفعل، وهو ما يتطلب التعامل بمرونة مع الأوضاع الحالية، ومنح المدارس فترة انتقالية مناسبة لتصحيح أوضاعها، مع ضرورة إعداد مناهج وآليات تقييم تتوافق مع طبيعة النظام التعليمي المطبق داخل تلك المدارس، بما يحقق الهدف التربوي دون الإخلال بسير العملية التعليمية.
وأشارت إلى أن تعزيز الهوية يحتاج ما هو أكثر من تدريس مقررات دراسية، إذ دعت المدارس الدولية إلى تنظيم ورش عمل وندوات توعوية حول أهمية مواد الهوية الوطنية، مؤكدة أن تعزيز الاهتمام بمواد مثل التاريخ والتربية الدينية داخل البيئة المدرسية سيسهم في تقويم السلوكيات وتصحيح بعض الممارسات وتعزيز الانتماء لدى الطلاب.
"فوق القانون"
ويعدد الأكاديمي أيسم سعد في دراسته أسباب إقبال الأسر على إلحاق أبنائها بالتعليم الأجنبي، مثل ضعف الثقة في التعليم الحكومي ومخرجاته، والحرص على تعلم لغة أجنبية تساعد لاحقاً في الحصول على وظيفة مناسبة، إضافة إلى أن الالتحاق بالتعليم الأجنبي أصبح رمزاً للمكانة الاجتماعية والثروة، إضافة إلى أن المدارس الدولية بها جودة تعليمية وتتيح تكرار الاختبار أكثر من مرة.
فيما يعتقد المتخصص بمجال التعليم والأكاديمي مجدي حمزة أن المدارس الدولية لم تقدم الإضافة للمنظومة التعليمية في مصر، مشيراً إلى أن معظم المتفوقين حتى الآن يخرجون من التعليم الحكومي. وقال حمزة لـ"اندبندنت عربية" إن قدرة الدولة على مراقبة ومحاسبة المدارس الدولية محدودة، كما أن الرغبة الحكومية في معاقبة تلك المدارس "ليست كبيرة بسبب النظرة إليها كمشروع استثماري يجب تشجيعه"، والدليل على ذلك "تجرؤ" 12 مدرسة على إنجاح طلابها في مواد الهوية بالمخالفة لحقيقة الإجابات التي قدمها الطلاب، متوقعاً أن تكون المخالفات في عدد أكبر من المدارس.
وكان متحدث وزارة التربية والتعليم شادي زلطة قد أعلن أن الوزارة فوجئت بإعلان مدارس دولية عن نسب نجاح بلغت 100 في المئة في مواد الهوية، مما دفعها إلى إرسال لجان تفتيش إلى 45 مدرسة، جرى اكتشاف مخالفات في 12 منها، إذ تبين أن بعض أوراق إجابات الطلاب في مواد الهوية القومية كانت خالية تماماً من الإجابات.
وعزا المتخصص التربوي تلك المخالفات إلى شعور المدارس الدولية بأنها "فوق المحاسبة من الدولة"، مطالباً بسن تعديلات تشريعية تغلظ من العقوبات على المدارس الدولية في حال مخالفتها متطلبات تعزيز الانتماء، بما يصل إلى إلغاء رخصتها أو محاكمة مالكها، لأن تداعيات غياب الانتماء لدى الطلاب يؤثر في الأمن القومي المصري، حسب تعبيره.
التجارب الدولية
وقارنت دراسة نشرت في مجلة كلية التربية جامعة سوهاج عام 2018 بين أوضاع المدارس الدولية في كل من مصر وفرنسا وتايلاند، إذ أشارت الباحثتان فايزة عبدالعليم وفاطمة محمد، إلى أن الدولة الفرنسية قامت بإجراءات لغرس اللغة والثقافة الفرنسية في الدارسين في نحو 400 قسم ومدرسة دولية على أراضيها، بل واعتبرتها فرصة لترويج ثقافتها الفرنسية بين هؤلاء الطلاب، مع تطبيقات سياسات صارمة للرقابة على تلك المدارس.
بينما في مصر أشارت إلى واقعة تأكيد إحدى المدارس الدولية في الكتيب السنوي الموجه لأولياء الأمور أنها غير ملزمة باستخدام خطط تعليمية موحدة من جانب الدولة أو إقرار أي اختبار موحد، ما يعني إعلانها صراحة عدم الخضوع لمتابعة أو إشراف الدولة المصرية. وأوصت الدراسة بوضع معايير قومية للاعتماد تختص بالحفاظ على الهوية الثقافية للطلاب المصريين الملتحقين بهذه المدارس، واستحداث نظم لمحاسبة المدارس الدولية.
وترى المتخصص في علم الاجتماع بجامعة عين شمس سامية خضر أن هناك حاجة لزيادة الوعي لدى الأسر أولاً بقيم الانتماء، وهو ما ينعكس على جيل الأبناء، مؤكدة ضرورة وجود تكامل وتعاون بين الإعلام والأسرة والمدرسة لترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية لدى الأبناء.
وقالت الأكاديمية بمجال علم الاجتماع لـ"اندبندنت عربية" إن الأمر يجب ألا ينتهي عند تدريس مواد الهوية القومية، بل يجب أن يمتد إلى إجراءات تعزز الهوية مثل تنظيم زيارات إلى المتاحف والتعريف بالقضايا الوطنية، وأضافت أن الدولة يقع على عاتقها دور مهم في هذا الملف.