Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إجازات الطقس... جديد التعليم في مصر

شهدت المدارس تعطيلات رسمية بسبب أمطار ورياح وتغير مناخ وسط استنكار وترحيب والواقع الافتراضي يتفاعل بالترند والأرباح

طغت على أخبار المدارس والتعليم في مصر حالات الطقس والأمطار والأتربة والرياح (رويترز)

ملخص

شعب السوشيال ميديا القابع أمام الشاشات وقوامه مؤثرون ومؤثرات، وباحثون عن مصدر رزق أو ربح إضافي من "ركوب ترند" التعطيل أو الصيد في مياه الأمطار العكرة، ومعه متابعون ومتابعات يعتمدون عليهم مصدراً لأخبار تعطيل الدراسة وإغلاق المدارس مع أول زخة مطر أو هبة رياح أو حفنة رمال، غارق في واقع مواز لقرارات التعطيل. بين أخبار كاذبة عن تعطيل لم يحدث، وأخرى مضللة عن إغلاق لم يتقرر، ونفي لخبر، وتأكيد لأكذوبة، وتحليل للتعطيل من بنت أفكار المؤثر، وتعليل لعدم التعطيل بناء على ما جاء على "غروب الماميز"، أصبح تعطيل الدراسة لأسباب تتعطل بالطقس مكوناً من مكونات الواقع الافتراضي

لقد كان عاماً دراسياً مصرياً مليئاً بأخبار الأرصاد. وكان عاماً متخماً بأخبار الإجازات بسبب تأكيدات الأرصاد، وغارقاً، لا في مياه الأمطار، بل في أخبار تأكيد تعطيل الدراسة، ثم النفي، وأخيراً التوضيح. ولم يخل العام الذي يقترب من نهايته من قدر معتبر من الارتباك المدرسي بسبب الطقس، والالتباس الإجرائي بفعل الأمطار، والتشوش المعلوماتي جراء تضارب أخبار الإجازات، وتتناقض مصادرها، وتعدد منابعها.

كان عاماً مليئاً بـ"هل يتم تعطيل الدراسة الأحد والإثنين؟ الأرصاد تجيب والتعليم تؤكد"، "حقيقة إغلاق المدارس الأسبوع المقبل"، "هل تغلق الأمطار مدارس المحافظات الساحلية؟ الأرصاد ترد"، "الوزارة توضح سبب تعطيل الدراسة يوم الثلاثاء"، "الوزارة تنفي الطوارئ في مدارس مصر هذا الأسبوع، والأرصاد تتابع"، "الوزارة تؤكد احتمال تعطّل الدراسة بسبب الرياح والأمطار والأرصاد تحذر"، "تعطيل الدراسة اليوم بسبب الطقس السيئ"، "إلغاء تعطيل الدراسة اليوم بسبب الطقس السيئ"، "الأرصاد تنسق مع التعليم لتعطيل الدراسة في هذه الأيام".

لسبب ما، طغت على أخبار المدارس والتربية والتعليم، أخبار الطقس والأمطار والأتربة والرياح. وعلى رغم أن سوء الطقس أحياناً، وهطول الأمراض في بعض أيام الشتاء، وهبوب الرياح في مواسم بعينها، ومنها ما يأتي محملاً بالأتربة وأحياناً الرمال، وعلى رغم أن الظواهر الجوية هي أحداث طبيعية تحدث داخل الغلاف الجوي، وعلى رغم أن الآباء والأجداد وآباء الأجداد وأجدادهم عاشوا على مر آلاف السنين في كنف درجات حرارة متغيرة، ورطوبة ترتفع حيناً وتنخفض حيناً، ورياح تهب وتخفت، وضغط جوي يزيد ويقل، وسحب تتكوّن وتنهار أمطاراً أو تذهب لحال سبيلها، وموجات حر صيفاً وبرد شتاءً، وتقلبات تحدث وتوقعات تتحقق، فإن التعامل المدرسي مع الطقس هذا العام بدا غريباً، والتنسيق التعليمي في ضوء المناخ "الحار جاف صيفاً، المعتدل ممطر شتاءً"، طرح أسئلة تبحث عن إجابات.

لماذا كثرت الأخبار والتصريحات وبيانات الجهات الرسمية، وكذلك الأخبار المفبركة والكاذبة والمضللة، عن تعطيل الدراسة بسبب الطقس، على رغم أن التقلبات أمر معروف، والأمطار شيء متوقع، والرياح وارد هبوبها؟

أخبار التعطيل

آلاف الإجابات تتواتر، لكنها إجابات لا تتعلق بشرح الظاهرة، لا الجوية، بل التعطيلية! تعطيل لا تعطيل، إجازة ليست إجازة، طوارئ لا طوارئ، خطر لا خطر، حالة من عدم الاستقرار استقرار، وقائمة تضارب وتداخل وتشابك الجو مع الأرصاد مع التعليم مع البيانات يدق كما لم يدق من قبل أبواب كل بيت مصري فيه طلاب في المدارس.

تقلبات جوية عنيفة تضرب مصر. جملة كان من شأنها أن ترد على المستفسرين الذين يبدون قدراً من التعجب لهذا الكم الكبير وغير المسبوق من قرارات، وكذلك إشاعات، تعطيل الدراسة بسبب الطقس، لولا أن الجملة متكررة عبر عقود. التقلبات الجوية "العنيفة" تضرب مصر، وغيرها من دول الكوكب، أحياناً. وهو الضرب الذي دأبت وسائل الإعلام على إعلانه على مدار عقود، قبل الضرب أو أثناءه، أو بعده حيث رصد تفاصيله إن توافرت، والتحذير من أخطاره إن وجدت، وتقييم آثاره إن حدثت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما الجديد إذاً هذا العام؟ الجديد هو تكرار التعطيل، والفريد هو عدم طرح السؤال والاكتفاء بشد التأكيد، ونفي الجذب بين البيانات الرسمية والأخبار العنكبوتية، مع قدر غير قليل من التنقيب عن الأسباب غير المعلنة والعوامل غير المشهرة.

جرى عرف الشهرين السابقين أن تعلن وزارة التربية والتعليم المصرية عن تعطيل الدراسة "غداً" أو "بعد غد" أو ما شابه، "نظراً لسوء الأحوال الجوية". الصغار يفرحون عادة، والأهل يرتبون أمورهم بناء على القرار وما ينجم عنه من حصول الأم العاملة أو الأب على إجازة من العمل أو عمل ترتيبات أخرى، وكذلك المعلمون الذين يوزّعون ساعات الإجازة بين الراحة أو الدروس الخصوصية أو ترتيب أمور أسرهم، لأنهم في نهاية الأمر أولياء أمور أيضاً.

أما الباحثون عن أسباب التعطيل المتكرر على رغم أن التقلبات ليست حدثاً فريداً، فالمهمة صعبة. الوزارة تقول إن التنسيق مع هيئة الأرصاد الجوية مستمر ووثيق، وإن الحرص على سلامة الطلاب أولوية.

يشار إلى أن أعواماً سابقة شهدت وقوع حوادث متفرقة لطلاب مدارس فقدوا حياتهم صعقاً بالكهرباء بسبب ملامسة أعمدة إنارة في الشارع، أو نتيجة حوادث سيارات بسبب هطول الأمطار. كذلك اعتاد المصريون في سنوات سابقة مشاهد أو تداول صور وفيديوهات لأولياء أمور يحملون أبناءهم من طلاب المدارس ليساعدوهم على عبور تجمعات المياه أمام مدارسهم.

جلّ الاهتمام الشعبي موجه ليوم الإجازة بسبب الطقس، لكن تواتر إجازات الطقس دفعت البعض إلى السؤال عن سبب "الاستسهال". يقول إبراهيم حسن (موظف- 34 سنة) إنه يتفهّم تماماً حرص أو خوف الجهات الرسمية المسؤولة من تعرض الطلاب لأخطار جراء الطقس السيئ، لكن يضيف أن "نزول الأمطار ليس طقساً سيئاً بالمعنى المعروف. طيلة سنوات دراستي وقدر من الأمطار يهطل في الشتاء، والرياح تهب في مواسم معروفة. لم يتم إغلاق المدرسة، أو يقرر والداي عدم إرسالي للمدرسة، إلا للشديد القوي، مثل المرض. أغلب الظن أن البنى التحتية، مثل مباني المدارس، أو الشوارع وطرق الرصف وتصريف المياه الزائدة، أو الأرصفة ووجودها من عدمه، وصيانة أعمدة الكهرباء، وغيرها إما متهالكة أو جديدة، لكن ليست مطابقة للمواصفات التي تضمن مرور أيام الأمطار والرياح الشديدة بسلام وأمان".

 

ترجيح حسن يحمل قدراً من الحقيقة، لكن تعضيدها بالمعلومات والأرقام والتقييمات الهندسية وتلك الخاصة بمعايير السلامة والأمان شحيحة.

بحسب ورقة أنجزتها "الإنسان والمدينة للأبحاث الاجتماعية" (مؤسسة مصرية مستقلة معنية بدراسة تقاطعات العدالة الاجتماعية والسياسات العمرانية والعدالة البيئية) تحت عنوان "أثر الأمطار على البنية التحتية للمدن المصرية" (2021)، فقد تعرضت مصر على مدار سنوات لكميات كبيرة من الأمطار كنتيجة للتغيرات المناخية من ارتفاع درجات الحرارة، وما يصاحبها من اختلاف لكميات تساقط الأمطار وتغيير لمواعيد تساقطها، وذوبان الكتل الجليدية في القطبين وما يستتبعه من ارتفاع مستوى سطح البحر. وعلى رغم أن تساقط الأمطار ليس ظاهرة غريبة على المدن المصرية، فإن معدلاته اختلفت، لا سيما في وسط وجنوب مصر، التي لم تكن تستقبل المعدلات الحالية من الأمطار.

وأشارت الورقة أيضاً إلى أن زيادة معدلات هطول الأمطار وكميتها تسبب في أضرار جسيمة للبنية التحتية في المدن المصرية، حيث تفوق كميات الأمطار الطاقة الاستيعابية لشبكات الصرف الصحي، وهو ما يؤدي إلى غرق عديد من الشوارع، وتعطّل حركة المرور، وتضرر مبان قديمة أو غير مطابقة للمواصفات القياسية، وذلك على رغم جهود التطوير.

يشار إلى أن ملف تصريف مياه الأمطار ظل سنوات طويلة محل جدل وانتقاد، وذلك كلما هطلت أمطار، وعجزت شوارع عن تصريفها. بمعنى آخر، عديد من الشوارع غير مجهز للتعامل مع ضغط الأمطار الغزيرة المفاجئة، وهو ما يجعل التنقل غير آمن.

التنقل غير الآمن يحدث أيضاً في حالات هبوب الرياح الشديدة والقوية، التي نجم بعضها عن حوادث قاتلة في السنوات الأخيرة، لأسباب لا تتعلق بالبنى التحتية بقدر ما تتعلق بأسباب "فوقية". سقوط أجزاء من مبان، أو نوافذ، أو أقاصيص زرع، أو أشجار، أو لوحات إعلانية جراء سرعة الرياح أخطار أضيفت إلى قائمة مصادر الخطر.

وعلى رغم أن هبوب الرياح الشديدة، لا سيما رياح الخماسين الموسمية التي تهب بدءاً من فبراير (شباط) وحتى مايو (أيار)، ليس ظاهرة جوية فريدة أو حدثاً غير مسبوق، فإن قواعد السلامة والأمان المتبعة في عديد من المباني تعاني ضعفاً، إضافة إلى معدلات الزيادة السكانية والزحام وغياب الوعي بمنظومة السلامة، وخروج أجيال لا تعتبر قواعد الأمن ضرورة ومبادئ السلامة أولوية، جميعها يؤدي إلى وقوع حوادث يمكن تجنّبها أو تقليصها.

وبحسب تقرير نشرته "اندبندنت عربية" في يناير (كانون الثاني) عام 2024 عنوانه "معايير السلامة في مشروعات مصر بين استفهام وتعجب"، فإن غياب أو ضعف تطبيق معايير الأمن والسلامة يقع نتيجة عدة عوامل متشابكة، أبرزها ضغط تنفيذ المشروعات بسرعة، والتكلفة المادية العالية، ونقص الكوادر التفتيشية الرقابية، إضافة إلى ضعف وعي بعض العمالة، والتهاون في الرقابة الميدانية، وهو ما يؤدي إلى وقوع حوادث مختلفة.

ضمن هذه الحوادث سقوط لوحات إعلانية، بينها لوحات ضخمة جداً تتسبب في حوادث مميتة، لا سيما في الأيام التي تشهد هبوباً شديداً للرياح.

بزوغ نجم الأرصاد

بزوغ نجم الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية في السنوات القليلة الماضية كان مطلباً جماهيرياً، وذلك بعد سنوات من مفاجأة المصريين بأمطار شديدة، أو حرارة قائظة، أو برد قارس، أو رياح عاتية من دون سابق إنذار. وعلى رغم أن هذه المطالبات تركّزت في سنوات ما قبل انتشار الإنترنت والتطبيقات والبرامج التي تقدم رصداً دقيقاً جداً للأحوال الجوية المتوقعة تصل إلى عشرة أيام، بما في ذلك احتمالات سقوط الأمطار وسرعة الرياح ونسبة الرطوبة إلخ، فإن هيئة الأرصاد نجحت في جذب الاهتمام الشعبي، وكذلك عناوين الأخبار وموضوعات التقارير الإعلامية حيث "خزنوا ملابس الشتاء"، و"جهزوا ملابس الصيف"، و"أعيدوا تنزيل أغطية الشتاء"، و"اجمعوا الغسيل من الشرفات"، و"احذروا أشعة الشمس الحارقة"، و"تجبنوا النزول اليوم إلا للضرورة".

ويبدو أن نجاح الهيئة في الدور الشعبي تزامن وتعاون وثيق مع عديد من الوزارات، وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، وهو التعاون الذي أثمر ثمار الإجازات المتكررة، والمخاوف المتواترة، والاحتياطات التي يصفها البعض بـ"فرط اليقظة" أو "الحذر المفرط"، التي تدفع الوزارة إلى اتخاذ قرارات إغلاق المدارس كنوع من الإجراء الوقائي.

انتقاد الحذر المفرط متزامن هذا العام مع انتقاد طريقة العلاج. البعض يلمح إلى أن السيارة حين تتعرض لأعطال متكررة يكون حلها إصلاحها في ورشة محترفة وبطريقة جذرية، لا الإبقاء عليها في المرأب وإغلاق بابه عليها. تلميحات عدة يطرحها البعض في صورة أسئلة أو ملحوظات تقارن بين كلفة إبقاء ملايين الطلاب في البيوت، وأثر ذلك السلبي على التحصيل العلمي من جهة وبين إصلاح البنى التحتية وبناء الجديد منها طبقاً لمواصفات الأمن والسلامة المعروفة عالمياً من جهة أخرى.

 

يشار إلى أن أصواتاً بدأت تعلو مطالبة بتخفيف المناهج الدراسية، وخفض مستوى صعوبة امتحانات نظراً لزيادة عدد الأيام التي تعطلت فيها الدراسة، وضيق الوقت المتبقي للانتهاء من تدريس المناهج.

ومن رحم تعطيل المدارس، والإفراط في الحذر، وتأجيل الحلول الجذرية من إصلاح البنى التحتية واتباع إجراءات ومعايير السلامة في البناء وتعليق اللوحات وغيرها عبر حل التعطيل السهل، إلى فوائد جناها البعض من هذا المشهد الملتبس. رفع البعض راية "أمطار قوم عند قوم أرباح".

شعب السوشيال ميديا القابع أمام الشاشات وقوامه مؤثرون ومؤثرات، وباحثون عن مصدر رزق أو ربح إضافي من "ركوب ترند" التعطيل أو الصيد في مياه الأمطار العكرة، ومعه متابعون ومتابعات يعتمدون عليهم مصدراً لأخبار تعطيل الدراسة وإغلاق المدارس مع أول زخة مطر أو هبة رياح أو حفنة رمال، غارق في واقع مواز لقرارات التعطيل. بين أخبار كاذبة عن تعطيل لم يحدث، وأخرى مضللة عن إغلاق لم يتقرر، ونفي لخبر، وتأكيد لأكذوبة، وتحليل للتعطيل من بنت أفكار المؤثر، وتعليل لعدم التعطيل بناء على ما جاء على "غروب الماميز"، أصبح تعطيل الدراسة لأسباب تتعطل بالطقس مكوناً من مكونات الواقع الافتراضي.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات