ملخص
خارج حدود هذا الشعاع المضيء، يغرق المخيم في سكونه الليلي، تنطفئ حركة النازحين ويلف الخيام الظلام والصمت الحذر، ولا يقطع هدوءها سوى صوت هدير الطائرات الإسرائيلية التي لا تفارق سماء غزة.
تخيل أنك تجلس القرفصاء فوق رمال باردة في زقاق ضيق وسط مخيم غزة للنازحين بانتظار بدء عرض سينما الشارع للأطفال، تحيط بك مئات الأجساد الصغيرة المتراصة كتفاً بكتف في عتمة دامسة، بينما تلتصق عيناك بملاءة سرير بيضاء تجعدت أطرافها وهي مشدودة بين حبل غسل ووتد خيمة لتتحول إلى شاشة عرض بدائية.
فجأة، ينبعث شعاع ضوئي من جهاز "بروجكتور" بسيط موصول ببطارية سيارة متهالكة، وفي تلك اللحظة الخاطفة لتجربة النزوح المريرة، ينتقل عقلك إلى عالم ملون من الرسوم المتحركة حيث الأبطال يضحكون وينتصرون دائماً في النهاية.
خارج حدود هذا الشعاع المضيء، يغرق المخيم في سكونه الليلي، تنطفئ حركة النازحين ويلف الخيام الظلام والصمت الحذر، ولا يقطع هدوءها سوى صوت هدير الطائرات الإسرائيلية التي لا تفارق سماء غزة.
لكن في الزقاق الضيق بين الخيام، ينكسر كابوس العتمة والخوف المعتاد بفضل شاشة السينما المتنقلة، ليحل محل الخوف والصمت صوت صخب عفوي لفيلم الكرتون ينطلق من سماعة صغيرة معلقة على عمود خشبي متآكل.
سينما الشارع البسيطة المتنقلة التي تستهدف الأطفال النازحين لا تقف عند حدود المشهد الترفيهي، بل تحاول المبادرة التطوعية الفردية ملء أوقات الفراغ، وتشكل أداة دعم نفسي عاجلة تسعى إلى تفريغ الصدمات العصبية المتراكمة وخفض مستويات القلق والذعر الناتجة من العمليات العسكرية العنيفة التي شهدتها غزة.
صناع البهجة
انطلقت "سينما الشارع" كمبادرة عفوية قادها شبان نازحون يعيشون مع الأطفال المعاناة ذاتها وظروف النزوح القاسية في مخيمات غزة، ولم تكن مشروعاً ضمن برامج المنظمات الإغاثية، ولم تحصل أيضاً على تمويل خارجي.
في الميدان، يتكون الهيكل الأساس للفريق من مجموعة تطوعية صغيرة، يقود المبادرة الشاب علي المنسي وهو صاحب الفكرة والمشرف العام عليها، وترافقه شقيقته رهف المنسي المسؤولة عن الدعم النفسي والتنظيم الميداني، والصديق أحمد اليازجي المسؤول الفني.
يعمل مع كل شاب منهم فريق يضم ثلاثة أفراد متطوعين، جميعهم فقدوا مقاعدهم الجامعية ومنازلهم أثناء الحرب، ووجدوا في مبادرتهم دافعاً للصمود ومقاومة الإحباط المفروض على مجتمع النازحين.
يتولى أحمد الإشراف التقني والفني على المعدات وتأمين مصادر الطاقة والبطاريات المتهالكة، بينما يركز علي على الجوانب التنظيمية مثل التنسيق مع لجان المخيمات لإيجاد المساحة المناسبة بين الخيام، وضمان ترتيب جلوس الصغار لرؤية واضحة للجميع.
لا تقتصر أنشطة الفريق على مجرد تشغيل العروض الكرتونية، بل تسبقها فقرات تفاعلية قصيرة تشرف عليها رهف، وتشمل ألعاباً حركية لتهيئة الأطفال نفسياً وسحبهم من أجواء التوتر والترقب قبل بدء الفيلم.
يتحرك أعضاء الفريق في مخيمات غزة كسينما متنقلة، يجرون عربات خشبية بسيطة ويحملون حقائب ظهر تضم المعدات البدائية، ويتنقلون بها مشياً على الأقدام يقطعون مسافات طويلة بين المخيمات ومراكز الإيواء المكتظة.
يقول مشرف المبادرة علي المنسي "عندما بدأنا كان دافعنا يرتكز على قناعة واضحة، وهي أن حماية الصحة النفسية لعقول الصغار وتفريغ صدماتهم نشاط لا يقل أهمية عن تأمين الغذاء، نحن نؤمن أن صناعة الفرح وسط الركام هي أقصى درجات المقاومة الإنسانية".
ويضيف "لقد فقدنا منازلنا وجامعاتنا وتحولنا إلى نازحين، لكن رؤية علامات الخوف والانطواء في عيون الأطفال كانت تقتلنا، وهي التي تمدنا بالطاقة لنحمل هذه المعدات لأسابيع طويلة من دون كلل".
من لا شيء
يعمل فريق سينما الشارع في بيئة جردت من أدنى مقومات الحياة، فلا تيار كهربائي في غزة، وشبكات الإنترنت غير متوافرة في مخيمات النزوح، ولكن هذه الظروف المعطلة لم تمنع تشغيل العروض، بل دفعت المسؤول الفني للفريق أحمد اليازجي إلى ابتكار منظومة تشغيلية تعتمد بالكامل على أدوات بدائية.
تتكون غرفة التحكم لهذه المبادرة من جهاز إسقاط ضوئي "بروجكتور" من الفئات الصغيرة والمحمولة، والتي تتميز باستهلاكها المنخفض للطاقة، يشرح اليازجي كواليس هذه التوليفة قائلاً "الجهاز يعمل عبر وصلات يدوية صممتها محلياً لربطه ببطارية سيارة متهالكة، نهاراً نبحث عن أية عائلة تملك لوح طاقة شمسية صغير فوق خيمتها لنعيد شحن البطارية، ننتظر لساعات طويلة تحت الشمس لتأمين طاقة تكفي لعرض فيلم كرتوني مدته ساعة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما شاشة العرض، فهي عبارة ملاءة سرير بيضاء تُغسل وتُكوى يدوياً للتخلص من التجاعيد التي قد تشوه تفاصيل الصورة، ثم تشد بعناية باستخدام حبال الغسيل المتوافرة بين وتدين لخيمتين متجاورتين، أو تثبت على ما تبقى من جدران إسمنتية للمباني المتضررة لضمان ثباتها أمام الرياح الليلية.
المشكلة الأصعب التي يواجهها اليازجي هي عدم توافر شبكة الإنترنت، يضيف الفني "أضطر لقطع مسافات طويل نحو مراكز تتوافر فيها خطوط إنترنت عبر الأقمار الاصطناعية تابعة للمؤسسات الإغاثية الدولية، هناك أقوم بتحميل الأفلام الكرتونية المحددة وحفظها على بطاقة ذاكرة هاتفي الذكي لنتمكن من بثها لاحقاً في الظلمة من دون الحاجة لأي اتصال مباشر بالشبكة".
بسبب هذه الآلية البدائية يتحول الظلام الدامس الذي يلف مخيمات غزة مع مغيب الشمس إلى سينما شارع، إذ يظهر التباين الضوئي ألوان الرسوم المتحركة بعمق على الشاشات القماشية البدائية، مما يحول عتمة اللجوء إلى خلفية مثالية لقاعة عرض سينمائية مفتوحة في الهواء الطلق.
الفكرة في الميدان
كل مبادرة تبدأ بخطوة صغيرة، وفي الواقع لم يخطط الشبان الثلاثة لتأسيس منصة عرض متنقلة، بل ولدت الفكرة من صدمة مشهد عابر، يستذكر علي المنسي تلك البداية، قائلاً "في الأسابيع الأولى للحرب عندما طلبت إسرائيل من جميع سكان غزة النزوح، كنت أراقب الأطفال وهم يجلسون بالساعات فوق الرمال، يملأهم الفراغ والخوف وتطارد عقولهم أصوات القصف".
ويضيف "خطرت لي فكرة عرض فيلم كرتوني قصير على هاتفي الذكي، فتجمع حولي عشرات الأطفال بعيون تلمع، في تلك اللحظة عرفت أننا في حاجة إلى شاشة أكبر يستحقها هؤلاء الصغار".
استعار علي جهاز عرض وشراشف، وذهب إلى مدرسة إيواء مكتظة بالنازحين وبدأ تجربته الأولى مع الأطفال هناك، يتابع المنسي "كانت المخاوف هائلة، هل ستكفي الطاقة؟ وهل سيخاف الأطفال من عتمة الغرفة؟ لكن مع انطلاق المشهد الأول امتلأ المكان بالضحكات التي هزت جدران مركز الإيواء، أدركت حينها أنني أمام مهمة لا يمكن التراجع عنها، وتحولت الفكرة إلى مشروع منظم أطلقنا عليه سينما الشارع".
مع اتساع رقعة النزوح وانتقال مئات آلاف العائلات إلى معسكرات الخيام في مواصي خان يونس ودير البلح، تحول الميدان المفتوح إلى مسرح الحدث الأساس. وفي الميدان، فإن عملية تحضير المخيم للعرض ليست بالعملية الهينة، إذ تتطلب بروتوكولاً يبدأ قبل مغيب الشمس بساعتين، وهذه مهمة رهف المنسي التي تتحرك أولاً في الأزقة الرملية الضيقة لتهيئة المسرح، وتتولى بنفسها جمع الأطفال وتنظيم صفوفهم.
تشرح رهف دورها "المخيمات مزدحمة للغاية والفوضى قد تفسد العرض، نقوم بفرش حصائر على الأرض ليتجمع الأطفال عليها، ونضع الصغار جداً في الصفوف الأمامية، بينما يجلس الفتية الأكبر سناً في الخلف".
وتتابع "قبل تشغيل الشاشة بنصف ساعة، أبدأ معهم ألعاباً حركية وتصفيقاً جماعياً لكسر حاجز الخوف، فصناعة السينما هنا تبدأ من تصفية أذهان الأطفال أولاً".
في هذه الأثناء، يعمل أحمد اليازجي في سباق مع الزمن لضبط الهندسة الصوتية والبصرية وسط الخيام، يقوم بربط الحبال الممسكة بالشرشف الأبيض وتثبيتها بأوتاد الخيام المجاورة، مع مراعاة اتجاه الرياح الليلية حتى لا تهتز الشاشة وتتشوه الصورة.
يقول اليازجي "التحدي الأكبر هو الصوت، سماعات البلوتوث المحمولة يجب أن تثبت في نقطة مرتفعة، غالباً على وتد خشب أو فرع شجرة يابس لضمان وصول الصوت بوضوح لأكثر من 200 طفل يتزاحمون في المكان، وللتغطية على الأصوات المحيطة بالمخيم، عندما أضغط على زر التشغيل وتتحول الملاءة البيضاء إلى بقعة ضوء، أشعر أننا أعدنا تشكيل جغرافيا المخيم بالكامل، من بقعة لجوء مأسوية إلى مساحة مفتوحة للحياة".
ماذا يشاهد الأطفال؟
المحتوى المعروض لا يترك للمصادفة، بل يخضع لعملية فرز دقيقة وصارمة لكي يتناسب مع واقع الأطفال الحذر والنفسية الحساسة لجيل عاش أبشع حرب في التاريخ الحديث.
في بيئة سينما الشارع، يبتعد المنظمون من الأفلام التجارية، ويتبعون فلسفة اختيار خاصة تركز على إعادة ترميم السلام الداخلي للصغار. توضح رهف "تتوقف عملية الفرز عند محاذير حاسمة، إذ تُستبعد أية أفلام كرتونية تحوي مشاهد معارك ضارية أو انفجارات أو انهيارات للمباني، وحتى تلك التي تتضمن مؤثرات صوتية حادة تشبه أصوات الطائرات أو القصف المدفعي".
تبين رهف أن الهدف من ذلك هو منع تحفيز مثيرات الصدمة لدى الأطفال، وتجنب ارتداد عقولهم إلى مواقف الرعب التي عاشوها خلال القتال العسكري بين "حماس" وإسرائيل، كذا يتم تحييد القصص القاسية التي تطرح مفاهيم معقدة حول الفقد والموت أو الفراق العنيف منعاً لتعميق جراح أطفال فقد كثير منهم عائلاتهم.
يتجه تركيز الفريق نحو محتوى ترفيهي وتعليمي يغرس قيم الصمود والأمل وبناء الصداقات والتعاون الإنساني المشترك، ويفضلون دائماً الأفلام التي تتميز بالألوان المبهجة والدافئة والموسيقى الإيقاعية الهادئة المهدئة للأعصاب، مع التركيز على شخصيات كرتونية تتغلب على عقبات الحياة اليومية بالذكاء والصبر والتضامن لا بالقوة والعنف الضاري.
تشرح رهف كواليس هذه الغربلة الفكرية "جلسات مراجعة الأفلام تأخذ منا وقتاً طويلاً قبل العرض، نحن لا نبحث عن مجرد تسلية عابرة، بل عن شحن طاقة الأمل، حين نختار قصة كرتونية تتحدث عن حيوانات الغابة وهي تتعاون لبناء بيت جديد بعد عاصفة فإننا نمرر للأطفال رسالة غير مباشرة بأن الهدم يمكن تجاوزه بالبناء الجماعي".
وتضيف رهف "رصد تفاعل الصغار ميدانياً يظهر تعلقاً شديداً بالشخصيات المتفائلة، وحين يضحك طفل من قلبه على مفارقة كوميدية بسيطة لبطل كرتوني، نعلم أننا نجحنا في سحبه ولو لساعة واحدة من سواد الواقع نحو فطرته الطبيعية السليمة".
مبادرة "سينما الشارع" أعادت إحياء الطقس السينمائي الجماعي لجيل من الأطفال وُلدوا في قطاع غزة الذي يفتقر أصلاً لصالات السينما منذ عقود، لتصبح هذه الشراشف البيضاء بوابتهم الأولى والوحيدة لمعايشة الفن السابع.
صناعة الأمل
تظهر ملامح وجوه الأطفال تحولاً نفسياً يمكن رصده في ثلاثة أطوار متتابعة، فقبل انطلاق الإشارة الضوئية يسيطر الخوف والانطواء على سلوك الصغار، وهي ملامح متوقعة لجيل حاصرته أهوال التهجير وأصوات الانفجارات.
لكن مع بدء الشارة الموسيقية الأولى للفيلم، تبدأ ملامح الوجوه بالتبدل، تتسع عيونهم بذهول، والأفواه تنفتح بابتسامات غابت طويلاً، لتبدأ معها عملية تفريغ شحنات الكبت والتوتر المتراكمة.
يتابع الطفل محمود شاشة العرض بعينين تلمعان، يقول "هنا في السينما أنسى الخوف والظلمة، وأشعر كأنني رجعت لحياتي القديمة، أتمنى أن لا ينتهي العرض ونواصل الضحك".
أما الطفلة أبرار فتقول "أحب شخصية البطل الذي يساعد أصحابه، عندما يبدأ الفيلم لا أسمع أصوات الطائرات، أفكر كيف أن أبطال الكرتون يعيشون بسعادة، وأتخيل نفسي أعيش واقعهم".
يعمل الفيلم الكرتوني كآلية دفاع نفسية قوية لترميم السلام الداخلي للأطفال، إذ تقول المتخصصة النفسية الميدانية ريم عمر "الصغار في مخيمات النزوح يعيشون في حال تأهب ودفاع دائم، وجهازهم العصبي يظل مشدوداً لترقب الخطر، والسينما تمنح أدمغتهم إشارة أمان موقتة، مما يسهم في خفض مستويات هرمون الكورتيزول وتقليل حدة الاضطرابات السلوكية الناتجة من الصدمات المتلاحقة".
وتضيف "السينما هنا أداة علاجية بالصدمة العكسية، ساعة الكرتون تخرج الطفل من واقع الترقب والذعر وتمنحه فرصة لممارسة طفولته الفطرية العفوية، رأينا أطفالاً كانوا يعانون صمتاً اختيارياً وانعزالاً تاماً بعد فقدان بيوتهم، وبدأوا يتفاعلون ويضحكون بصوت مرتفع مع أقرانهم أثناء العرض".
وتكمل "هذه الضحكات وسط الخيام تعكس قدرة مرنة على التعافي، فالصورة الملونة والصوت المبهج يزاحمان ذكريات الخوف في الذاكرة البصرية للأطفال، فيستبدلون ملامح الوجوم بابتسامة حقيقية صادقة تسهم في وقايتهم من تداعيات اضطراب ما بعد الصدمة".
السينما كملتقى
تحولت مبادرة "سينما الشارع" إلى موعد أسبوعي يترقبه النازحون لإعادة تجميع النسيج الاجتماعي الممزق، فمع مغيب الشمس تتزاحم الأمهات والآباء خلف صفوف الأطفال الملتفين حول الشاشة، يراقبون أبناءهم ويسترقون النظر إلى الفيلم في محاولة لتنفس الصعداء.
تؤكد المتخصصة النفسية ريم عمر أن هذا التجمع خلق مساحة تواصل مفتوحة بين الجيران الذين جمعتهم خيام اللجوء بعدما عزلتهم ظروف النزوح الصعبة، وتقول "لقد تحولت الملاءة المضيئة إلى ناد اجتماعي يتشارك فيه الكبار أحاديثهم ومخاوفهم، ويتلمسون فيه مساحة أمان مشتركة بينما يراقبون الفرحة وهي تلمع في عيون أبنائهم".
تقول سماح "السينما أعادت إلينا الشعور بالحياة الطبيعية التي سرقت منا في هذه الظروف الصعبة، هنا نلتقي جيران الخيام، نتحدث ونرى أطفالنا يضحكون ويتفاعلون بعدما عزلهم الخوف الطويل".
مع انتهاء المشهد الأخير من الفيلم الكرتوني وانطفاء ضوء جهاز العرض البدائي، يعود ليل المخيم إلى سكونه المعتاد وتستعيد العتمة تفاصيل المكان، ينسحب الأطفال بهدوء ويسحب الشبان الثلاثة عربتهم الخشبية استعداداً لرحلة مشي جديدة في الغد نحو مخيم آخر، يحملون فيها ذات الشراشف والبطاريات التي باتت وسيلتهم الوحيدة لمقاومة الخوف.