ملخص
في غزة باتت عمالة الأطفال استراتيجية بقاء حتمية، وأطفال بعمر الورود يحملون غالونات مياه تزن نصف أوزانهم وينبشون الركام بحثاً عن حطب، ليتحولوا إلى رجال بيت وسط الخيام.
على الرصيف المتاخم لمركز إيواء مكتظ وسط قطاع غزة، وتحت أشعة الشمس اللاهبة، يتمايل جسد الطفل أوس (11 سنة) يميناً ويساراً، يحاول موازنة غالونين من المياه الصالحة للشرب، يزن كل منهما نحو 15 كيلوغراماً، أي ما يعادل نصف وزن جسده النحيل.
يغرس باطن قدميه الحافيتين في الرمال المخلوطة بركام المباني المدمرة وغبار الشارع، بينما تنهمر حبات العرق من جبينه لتصنع خطوطاً داكنة على وجهه الذي غادرته ملامح الطفولة مبكراً.
أوس لا يبحث عن رفاق ليلعب معهم، بل يبحث عن زبون يشتري منه خدمات نقل المياه على عربته الخشبية المتهالكة في مقابل دولارات قليلة معدودة، يعود بها في المساء لخيمة عائلته، ليرمي جسده المنهك بتنهيدة رجل أربعيني، واضعاً ما جناه في يد أمه التي فقدت زوجها في غارة جوية إبان الحرب الإسرائيلية على غزة.
عندما توقفت الحرب، لم يعد أوس لمقاعد الدراسة التي دمرت في القتال، بل ذهب إلى السوق كيد عاملة أساسية تقود قطاعاً واسعاً من الاقتصاد غير الرسمي تحت الخيام وفي الشوارع.
أوس ليس حالة فردية تثير التعاطف العابر، بل نموذج صارخ لظاهرة عمالة الأطفال في غزة، فمع دخول الحرب عامها الثالث تحولت عمالة الصغار من ظاهرة طارئة إلى استراتيجية بقاء حتمية تلجأ إليها العائلات مكلومة ومكرهة، لتأمين الحد الأدنى من السعرات الحرارية التي تقيها الجوع.
خريطة مهن الأطفال
في غزة أعادت الحرب هيكلة المهن الهامشية لتقوم بالكامل على أكتاف الصغار، إذ لم تعد عمالة الأطفال تقتصر على بيع المناديل أو المساعدات البسيطة في المتاجر، بل تحولت إلى مهن ترتبط مباشرة بتفاصيل النزوح القاسي.
ويتوزع آلاف الأطفال العاملين في قطاع غزة على خريطة مهن خشنة وغير رسمية، نشأت وتطورت في بيئة المخيمات، حيث يفرض الشارع قوانينه الصارمة على أجسادهم النامية.
ولجأ أطفال غزة إلى نقل وتوزيع المياه، إذ يعد هذا القطاع الأكثر استنزافاً لأجسادهم، يتجمعون في طوابير طويلة تمتد ساعات أمام محطات التحلية المتبقية أو نقاط التوزيع التابعة للمؤسسات الإغاثية، يعملون على ملء الغالونات الثقيلة ثم ينقلونها عبر عربات الجر إلى خيام النازحين في مقابل أجر مالي بسيط.
يقول الطفل براء "كل يوم أجر عربة نقل المياه من السابعة صباحاً حتى مغرب الشمس، الغالونات ثقيلة وظهري دائماً يوجعني عندما أنام، وفي آخر النهار أحصل على 20 دولاراً أشتري فيها طعاماً".
ومع غياب غاز الطهي تحولت أراضي القطاع وأنقاض المنازل المدمرة إلى مناجم قاسية يبحث فيها الأطفال عن أية مادة قابلة للاشتعال، يمضي الطفل يزن ساعات طويلة في نبش الركام لجمع الأخشاب أو ملاحقة النفايات البلاستيكية في المكبات العشوائية لبيعها.
يزن، الذي انغرز مسمار كبير في رجله أقعده أسبوعاً عن العمل، يبذل جهداً بدنياً مرهقاً، ويتعرض لخطر انهيار بقايا الجدران المتصدعة ولشظايا المعادن الحادة والأجسام غير المنفجرة، لكنه يواصل عمله حتى يطعم إخوته.
على جنبات الطرقات المؤدية إلى مخيمات الإيواء الكبرى في دير البلح وخان يونس، يصطف مئات الأطفال خلف بسطات خشبية صغيرة أو كراتين مقلوبة يبيعون المعلبات الإغاثية.
في هذه البيئة، يتعرض الأطفال طوال اليوم للتلوث الهوائي الناتج من عوادم السيارات المتهالكة، وغبار الشوارع غير المعبدة.
مقومات السلامة
وفي محيط مخازن المساعدات، يعمل الأطفال على نقل الطرود الغذائية، وأكياس الدقيق في بيئة عمل تفتقر لمقومات السلامة، إذ يتعامل الطفل مع أوزان مخصصة للبالغين.
وتظهر المعاينة الميدانية لأسواق المخيمات أن الشارع لم يعد مجرد مساحة عابرة للبيع، بل صار بيئة طاردة للنمو، إذ يقضي الطفل ساعات عمله محاصراً بين سحب الدخان الكثيف المنبعث من مواقد الحطب والبلاستيك المحروق، وروائح النفايات المتكدسة في التجمعات العشوائية، مما يجعله في مواجهة يومية ومباشرة مع الأوبئة وأخطار الاعتلال البدني والنفسي.
في السياق، أوضح اختصاصي طب الأطفال يوسف صلاح أنه يستقبل، بانتظام أطفالاً يعانون إصابات بالغة لا تتناسب مع فئتهم العمرية "حمل غالونات المياه الثقيلة وأكياس الطحين، مدداً طويلة، يتسبب في تشوهات مبكرة في الهيكل العظمي وانزلاقات غضروفية، فضلاً عن حالات الفتاق الإربي الحاد نتيجة الإجهاد البدني الفائق". وتابع "استنشاق أدخنة حرق اللدائن والبلاستيك يتسبب في انتشار أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، مثل الربو والتهابات الرئة الحادة، وسط بيئة تفتقر لأدنى مقومات الرعاية الطبية".
أما من الناحية الحقوقية والقانونية، فتمثل عمالة الأطفال انتهاكاً صارخاً لكل الاتفاقات الدولية الخاصة بالطفل.
وقال الباحث الحقوقي في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان سامر النحال "ما نشهده في شوارع وأسواق غزة هو عمالة قسرية تحت وطأة البقاء، المواثيق الدولية وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 تحظر تماماً تشغيل الأطفال في أعمال تشكل خطراً على صحتهم أو نموهم، انهيار المنظومة الاقتصادية والتعليمية بعد دخول الحرب عامها الثالث، جعل تطبيق هذه القوانين شبه مستحيل على الأرض".
الكارثة بالأرقام
خلف كل طفل يقف على الرصيف قصة إنسانية، لكن خلف مجموعهم تكمن أرقام مرعبة تدق ناقوس الخطر، فبحسب بيانات مجموعة التعليم العالمية هناك أكثر من 625 ألف طالب حرموا تماماً من التعليم النظامي على مدار ثلاثة أعوام متتالية بسبب تدمير ما يقارب من 85 في المئة من المباني المدرسية، وهذا الفراغ الهائل قذف بعشرات الآلاف منهم مباشرة إلى الشوارع. وتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى فقدان نصف مليون عامل مصادر دخلهم، وبسبب هذا الانهيار وضع أكثر من 90 في المئة من الأسر تحت خط الفقر المدقع، مما جعل من تشغيل الأطفال الملاذ الأخير للعائلة كاستراتيجية لتأمين ثمن الخبز والماء.
وبحسب بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن غياب المعيل الأساس بسبب الموت أو الإصابة البالغة حول الأطفال الذكور تحديداً إلى خط الدفاع الاقتصادي الأول والوحيد عن خيامهم، إذ تضاعفت نسبة انخراط الأطفال في الفئة العمرية بين 10 إلى 17 سنة في أعمال الشوارع الشاقة بأكثر من خمس مرات عما كانت عليه قبل الحرب.
الجذور الاقتصادية والاجتماعية
النزول اليومي الكثيف للأطفال إلى أسواق الشوارع ومحيط مراكز الإيواء في غزة ليس سلوكاً عفوياً، بل هو نتاج طحن منظم للطبقة الوسطى والفقيرة على حد سواء، فمع عدم الاستقرار في غزة، تضافرت عواصف اقتصادية واجتماعية عاتية لتنزع عن الأهل قدرتهم على حماية طفولة أبنائهم، مجبرة إياهم على اتخاذ أكثر القرارات مرارة.
في السياق قال الباحث الاقتصادي تيسير سعد "أدت الحرب إلى شلل كامل في الدورة الاقتصادية الرسمية، ودمرت الورش والمصانع والمحال التجارية، هذا التوقف الكامل للمداخيل ترافق مع صعوبة بالغة في سحب الأموال والرواتب من البنوك أو نقاط الصرافة، مما جعل العائلات بلا غطاء مالي يقيها عواصف الحاجة"، وأضاف "أيضاً تخضع أسواق غزة لمعادلة مشوهة تقوم على شح الإمدادات في مقابل الطلب الهائل الناجم عن النزوح المتكرر، والارتفاع الفاحش في أسعار المواد الغذائية جعل الاعتماد على السلال الإغاثية العينية وحده أمراً غير كاف لتأمين الحد الأدنى من الحياة، فيصبح أي دخل إضافي يجلبه الطفل فارقاً بين الجوع الشديد والقدرة على شراء ربطة خبز"، وأوضح أن الحرب أعادت رسم الخريطة الديموغرافية للأسرة الغزية نتيجة غياب الآباء والأخوة الكبار، "وهذا الغياب وضع الأمهات وحيدات في مواجهة مسؤوليات النزوح، وفي ظل هذه البنية المأزومة يتقدم الطفل ليشغل في الوعي الجمعي والواقعي دور رجل البيت البديل المعني بتأمين لقمة العيش".
تروي الأم سارة تفاصيل القرار الصعب لعمل ابنها "لم أتخيل يوماً أن يترك ابني كرم المتفوق في مدرسته ليقف خلف بسطة، لكن بعدما فقدنا كل شيء، وأصبحنا ننام في خيمة، وجدنا أنفسنا بلا دولار واحد، المساعدات لا تكفي والأسعار نار، ينزل طفلي من الفجر ليساعدني، وقلبي يتقطع عليه، لكن لو جلس في الخيمة، من أين سنطعم إخوته الصغار؟".
وأوضح الاختصاصي الاجتماعي رأفت الدحدوح أن هناك تحولاً خطراً في البنية العائلية بقطاع غزة، إذ "نلاحظ ما يسمى بعكس الأدوار الاجتماعية، عندما يصبح الطفل هو الممول الأساسي للأسرة تفقد السلطة الأبوية التوجيهية قيمتها تدريجاً". وتابع الدحدوح "ينشأ لدى الطفل وعي مادي حاد ومبكر يتمحور حول الربح والخسارة على حساب نموه العاطفي والفكري، هذا الشرخ الاجتماعي سيمتد سنوات طويلة بعد الحرب، إذ سنواجه جيلاً يصعب إقناعه بالعودة لمقاعد الدراسة بعدما عاش سنوات بعقلية المعيل المستقل".
الفراغ التربوي
تسبب غياب الأطفال عن مقاعد الدراسة في خلق فراغ زمني وتربوي خطر، وتاريخياً كانت المدرسة تمثل جدار الحماية الأول للطفل، لكن مع غياب هذا الحيز الجغرافي ووجود الأطفال المستمر داخل الخيام تلاشت الحدود الفاصلة بين الطفولة والمسؤولية القسرية. ومع مرور أكثر من عامين دراسيين من دون تعليم بدأت تظهر ملامح الأمية التراكمية بين صفوف الأطفال، بخاصة الفئة العمرية بين ست إلى 10 سنوات.
وقال منسق إحدى الخيام التعليمية التطوعية رضوان عبدالعاطي "هذا الانقطاع الطويل يولد لدى الطفل شعوراً بالاغتراب عن التعليم وفقدان الأمل في العودة للمدرسة، مما يجعله ينظر إلى عمله اليومي في السوق باعتباره الواقع الوحيد المتاح والمنتج في حياته الحالية"، وأضاف "نحاول من خلال هذه الخيام البسيطة والمبادرات الذاتية استقطاب الأطفال لمدة ساعتين يومياً لكسر أميتهم التراكمية، لكننا نصطدم بواقع اقتصادي مرير، فكثيرون من الأطفال يتسربون من خيمة التعليم بعد نصف ساعة فقط ليذهبوا لتعبئة المياه أو بيع السلع، الأهل يخبروننا بصراحة أن التعليم لن يشتري لنا طعاماً اليوم".
وتحذر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من أن الأطفال في غزة يواجهون كارثة تعليمية ونفسية ممتدة، فكلما طالت فترة بقاء الطفل خارج المدرسة زاد خطر تسربه الدائم نحو سوق العمل وتحمل مسؤوليات اقتصادية تفوق طاقته البدنية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ندوب مستعصية
عمل الأطفال في مهن شاقة داخل بيئة نزوح قاسية وطوال ساعات ممتدة، يترك علامات فارقة على أجسادهم وفي أعماقهم الروحية، وهي ندوب قد تصاحبهم مدى الحياة حيث يواجه الأطفال العاملون حزمة من التهديدات الصحية.
في الطابق الأرضي من مستشفى "شهداء الأقصى" بمدينة دير البلح، أوضح المسؤول الطبي الميداني خليل الدقران أن ما يراه في أقسام الطوارئ والعيادات الخارجية ليس مجرد إرهاق جسدي، بل هو تدمير حاد لبنية الأطفال الجسدية، "كثيرون من الأطفال أصيبوا بسبب العمل في الشارع بإصابات حادة تتطلب تدخلات جراحية عاجلة وسط شح الإمكانات، علاوة على ذلك، نسجل ارتفاعاً مخيفاً في تشوهات الهيكل العظمي، وانضغاط الفقرات النامية".
على الصعيد النفسي، يقتلع الطفل قسراً من عالم اللعب والاستكشاف العفوي ليوضع في عالم البالغين الخشن.
وقال الباحث النفسي والاجتماعي مهند الجمالي "تحول وعي الطفل إلى حسابات رقمية جافة كم جنى اليوم؟ وكم ثمن البضاعة؟ ما يقضي على الخيال الطفولي ويستبدله بصلابة نفسية مبكرة، فضلاً عن حالة الاستنفار العصبي الدائم خوفاً من العودة للخيمة خالي الوفاض، والتعرض اليومي للتعنيف اللفظي أو التنمر في الأسواق".
الطفل كنعان (12 سنة)، الذي يبيع المعلبات في سوق المخيم بوسط القطاع، يقول "كل يوم أعود للخيمة وظهري يؤلمني من الوقوف والمشي تحت أشعة الشمس، لكن الوجع الأكبر يكون عندما يصرخ أحدهم بوجهي لأنني تأخرت عن تأمين ما يريده".
في تقرير عن عمالة الأطفال لبرنامج غزة للصحة النفسية جاء فيه أن "أطفال غزة الذين ينخرطون في سوق العمل القسري يتعرضون لما يعرف علمياً بالإجهاد السام التراكمي، مما يدفع بالجهاز العصبي للطفل للعمل في نمط الطوارئ الدائم، مما يؤثر مستقبلاً في قدراته الإدراكية، ويعوق تطوره العاطفي، ويخلق فجوة عميقة في تقديره لذاته وللمجتمع من حوله".
عجز الإدارة الرسمية
أمام هذا المشهد، يقف الجهد الرسمي المحلي والمظلة الدولية في حال ارتباك وعجز.
وقالت المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية اعتماد الطهراوي "نتابع ببالغ القلق الانتشار الكثيف للأطفال في الأسواق، ولكن يجب أن نكون واقعيين، فالوزارة ومؤسساتها تعرضت لشلل شبه كامل نتيجة الاستهداف المستمر للمقار وللكوادر الميدانية"، مضيفة "فرق الرقابة والتفتيش باتت اليوم عاجزة عن الحركة ميدانياً بسبب غياب الإمكانات اللوجستية والوقود والأمان، نحن لا نستطيع منع طفل يعيل عائلة قتل معيلها أو يعيش في فقر مدقع من دون تقديم بديل مالي له، والوزارة حالياً عاجزة عن تقديم مخصصات نقدية ثابتة لآلاف الأسر بسبب الحصار وتوقف الإيرادات".
يبدو المجتمع الدولي عاجزاً عن انتشال طفولة غزة من الشوارع، هكذا علق الممثل الحقوقي لشؤون الطفولة في الشرق الأوسط لدى "اليونيسف" مارتن غريفيث، قائلاً "ظاهرة عمالة الأطفال في غزة هي نتيجة مباشرة لفشل المجتمع الدولي في فرض ممرات إنسانية آمنة ومستدامة تضمن تدفق الإغاثة النقدية والغذائية بصورة كافية للأسر"، وأضاف "عندما تترك الأسر بلا غطاء مالي على مدار ثلاث سنوات من الحرب، فإن عمالة الأطفال تصبح قسرية، وهنا يتحول الانتهاك من سلوك محلي إلى جريمة دولية ناتجة من الحصار الاقتصادي وتدمير البنية التحتية، القانون الدولي الإنساني يلزم القوى الدولية بتوفير الرعاية البديلة والحماية الفورية للأطفال في مناطق النزاع، وما يحدث في غزة سابقة خطرة لانتزاع غطاء الحماية عن جيل كامل".