ملخص
تكشف بيانات شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية عن تغيير كبير طرأ على "خريطة الإطعام" في غزة، فبعد أن كان هناك 170 مطبخاً وموقع طهي مجتمعي وتكية، تسبب اشتداد الحصار في إغلاق جميعها باستثناء 10 مطابخ فقط مطلوب منها خدمة 2.3 مليون نسمة.
عند الساعة السادسة كانت همسات مئات الأطفال والنساء الذين استيقظوا باكراً لحجز أماكنهم، تلف محيط المطبخ الكبير لمنظمة "المطبخ المركزي العالمي" في غزة. في أيدي الصغار تلمع طناجر الألومينيوم والأواني البلاستيكية الملونة، التي اعتادت أن تعود ممتلئة بالرز الساخن وحساء العدس.
لكن هذا الصباح حمل صدمة لم تكن في الحسبان، البوابة الحديدية الضخمة التي كانت تتدفق من خلفها رائحة الطهي بقيت مغلقة، واللافتة المألوفة للمنظمة الدولية بدت غريبة في ظل غياب حركة الطهاة والمتطوعين.
علقت على البوابة ورقة صغيرة تعلن توقف العمل بالكامل ونهاية الخدمة، وقف الجميع في ذهول، ومع إدراك الحقيقة بدأت الجموع بالتراجع في حركة عودة بطيئة ومنكسرة نحو الخيام، يسير الأطفال بظهور مقوسة وهم يجرون أوانيهم الفارغة.
إغلاقات بالجملة
إغلاق أكبر مطبخ مجتمعي أبوابه أمام الغزيين، كان جرس إنذار سمع صداه في كل خيمة، إذ يعني ذلك تدحرج آلاف الأسر فجأة من حافة الجوع إلى قاع الانعدام الغذائي.
شكل إغلاق مطابخ منظمة المطبخ المركزي العالمي القشة التي قصمت ظهر منظومة الأمن الغذائي الهشة في قطاع غزة، إذ بعده طاول المطابخ المجتمعية والتكايا انهيار متسارع.
خلال الأسابيع الماضية، تلاحقت الإعلانات الرسمية والميدانية الصادرة عن التكايا والمطابخ المجتمعية لتؤكد توقف العمل كلياً أو تقليص الخدمات بنسبة تجاوزت 90 في المئة.
في الواقع، بدأ توقف المطابخ المجتمعية في نهايات عام 2025، وكان يقتصر على التكايا والمبادرات المحلية والأهلية الصغيرة التي كانت تحاول الطهي بالحد الأدنى.
لكنه في الفترة الأخيرة شملت مطابخ المنظمات الدولية الكبرى، إذ أجبر مطبخ منظمة الصحة العالمية ومطبخ برنامج الأغذية العالمي على إطفاء المواقد البدائية تباعاً.
بغضب يصرخ سمير، وهو أب لستة أفراد، ويقول "اتسع الفراغ الإغاثي وبات الحصول على وجبة طعام ساخنة مجانية أمراً شبه مستحيل داخل مخيمات القطاع، توقف الطبخ يعني حكماً بالإعدام جوعاً على أطفالي".
ويضيف "كنا ننتظر ساعات لنحصل على صحن رز واحد يسد جوعنا، والآن أصبحت الخيارات معدومة ونحن نرى الجوع يقترب من خيامنا".
قرع على الأواني
وجاءت الردود على إغلاق التكايا في شوارع مدينة خان يونس التي شهدت احتجاجات شعبية خرج خلالها مئات النازحين في مسيرة غاضبة جابت الطرقات المحيطة بمخيمات النزوح العشوائية.
عمد المتظاهرون إلى قرع أوانيهم المعدنية الفارغة بقطع حديدية وخشبية صغيرة في الهواء، ليصدروا صوتاً جماعياً يشبه صرخات الاستغاثة لبطونهم، ثم هتفوا مطالبين بفتح المعابر وإعادة تشغيل المطابخ الإغاثية فوراً.
في غزة، رفع الطناجر الفارغة ليس خطوة رمزية، بل جرس إنذار يعلن خروج الجوع من حيز المعاناة إلى مرحلة الرفض، يقول رأفت وهو يرفع قدراً معدنياً "خرجنا لنقرع هذه الطناجر الفارغة في وجه العالم كله، لا نطالب بامتيازات نريد طعاماً ساخناً فقط".
ويضيف "عندما أغلقت التكيات أبوابها، شعرنا بأن هناك قراراً غير معلن بتركنا نموت جوعاً ببطء داخل هذه الخيام، فالسوق المحلية جافة والأسعار خيالية، والوقوف في الطوابير الطويلة كان أملنا الأخير".
الفجوة الغذائية بالأرقام
بحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، فإن 1.4 مليون نازح ويعيشون في ألف مخيم ونقطة نزوح عشوائية يعانون انعدام الأمن الغذائي، ويعتمدون كلياً على المطابخ المجتمعية.
وتفيد تقارير "أوتشا" بأن إغلاق بوابات المطابخ يسقط العائلات فجأة في هوية الجوع المطلق، إذ لا يتطلب الأمر سوى بضعة أيام لتتحول الأواني الفارغة من أداة للاحتجاج إلى دليل قاطع على غياب الطعام تماماً.
ووفقاً لـ"أوتشا"، فإن أسعار المواد الأساسية كالعدس والرز سجلت قفزات جنونية وتاريخية، إذ حلقت أسعار الدقيق والسلع الشحيحة حتى تخطت حاجز 3 آلاف في المئة مقارنة بمستويات أسعارها المستقرة في فترة ما قبل الحرب.
هذا التضخم حول القدرة الشرائية للمواطنين والجمعيات المحلية إلى أمر شبه مستحيل، بالتزامن مع تدمير المصانع التي كانت تمثل خطوط الإنتاج الغذائي.
كذلك تسببت العمليات العسكرية في تجريف نحو 98.5 في المئة من الأراضي والمساحات الصالحة للزراعة، وفقاً للتقارير اللوجستية لمنظمة الأغذية والزراعة.
يقول الباحث في علم التغذية سليم عوض "خروج القطاع الزراعي والحيواني عن الخدمة قطع الطريق أمام أية فرصة للاعتماد على البدائل لتغطية احتياجات التكايا، مما جعل مخيمات النزوح رهينة مطلقة وخاضعة لما تفرضه السوق السوداء من جهة، وما تسمح السلطات الإسرائيلية بعبوره من قنوات إمداد شحيحة من جهة أخرى".
تكشف تقييمات منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع خبراء التغذية في منظمة الأغذية والزراعة، عن هبوط حاد وخطر في الخط البيولوجي لتغذية النازحين.
يحدد دليل إسفير العالمي الحد الأدنى الحرج لضمان بقاء الإنسان على قيد الحياة بـ2100 سعرة حرارية يومياً للفرد الواحد، لكن تظهر التقييمات الأممية أن نصيب الفرد في مخيمات غزة تراجع قسراً ليصل إلى ما دون 840 سعرة حرارية فقط في اليوم.
يقول المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك "خروج شبكات الإغاثة الغذائية الساخنة والمطابخ المجتمعية عن الخدمة في غزة يمثل انهياراً لآخر خطوط الدفاع ضد العوز المطلق، إن تقييدات الحركة البرية المفروضة على بوابات العبور تحول العمل الإنساني إلى مهمة مستحيلة".
ويضيف "القيود الإسرائيلية دفعت بالمنظمات الشريكة قسراً نحو الإغلاق، في وقت يحتاج فيه ملايين النازحين إلى تدفق إغاثي مستدام ومفتوح لمنع انزلاق القطاع نحو مجاعة شاملة لا يمكن احتواء تداعياتها البيولوجية".
غزة فقدت نصف مليون وجبة يومياً
تكشف بيانات شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية عن تغيير كبير طرأ على "خريطة الإطعام" في غزة، فبعد أن كان هناك 170 مطبخاً وموقع طهي مجتمعي وتكية، تسبب اشتداد الحصار في إغلاق جميعها باستثناء 10 مطابخ فقط مطلوب منها خدمة 2.3 مليون نسمة.
تشير التقديرات الأممية إلى أن غزة فقدت نصف مليون وجبة بعد إغلاق المطابخ المجتمعية أبوابها، وهذا تسبب في إحداث تدهور فوري وعميق لمستويات الأمن الغذائي.
تروي فاديا "كنا نعتمد كلياً على وجبة الرز الساخنة التي نأتي بها ظهراً من تكية المطبخ العالمي، نقسمها بدقة ليشبع الصغار أولاً ثم نأكل أنا ووالدهم ما تبقى".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتقول "منذ إغلاق المطبخ وتوقف التكايا المجاورة، انقلبت حياتنا إلى جحيم حقيقي، كل ما نملكه هو علبة فول باردة نتقاسمها ونشعر بأن الموت يزحف نحو خيمنا والجميع يتفرج علينا".
من جانبه، يقول رئيس شبكة المنظمات الأهلية محسن أبو رمضان "فقدان نصف مليون وجبة يومية في قطاع غزة يعني حدوث وفيات جماعية ناتجة من الهزال وسوء التغذية الحاد".
قيود إسرائيل وتبريرها
القيود التي تفرضها إسرائيل على المعابر خنقت قدرة التكايا والمطابخ المجتمعية على الاستمرار، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى انخفاض عدد شاحنات المساعدات الغذائية من معدل 500 شاحنة يومياً إلى أقل من 40 شاحنة فقط يومياً.
أما العائق الأكبر فيتمثل في أزمة غياب التأمين الأمني بعد المعبر، إذ تترك الشاحنات لتسير في غزة وسط مناطق خطرة، مما يعرضها للنهب والسرقة.
كذلك واجهت منظومة المطابخ المجتمعية أزمة تمويل خانقة، فالمبادرات الأهلية التي قامت على تبرعات فردية استنزفت كل طاقاتها التمويلية، ولم تعد قادرة على مجاراة التضخم المالي المحلي.
أما المنظمات الدولية الكبرى، فقد اصطدمت بشروط رقابية بالغة التعقيد تفرضها السلطات الإسرائيلية، تلزمها بتقديم قوائم بيانات شاملة ومسبقة بأسماء وتفاصيل جميع الطواقم والمستفيدين.
وترافق ذلك مع شروط إسرائيلية تجبر المنظمات على الشراء المباشر للسلع الخام من داخل إسرائيل وبالعملة المحلية (الشيكل)، وبأسعار السوق الإسرائيلية المرتفعة، بدلاً من الاستيراد الرخيص عبر القنوات الدولية.
يقول متحدث الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك "موازنات العمليات الإنسانية في قطاع غزة تآكلت ونفدت بسرعة تفوق التوقعات، فالقيود المفروضة على سلاسل التوريد وشروط الشراء الميداني الإجباري ضاعفتا التكاليف بصورة حادة، مما جعل المخصصات المالية التي كانت تكفي لتأمين مئات آلاف الوجبات لا تغطي سوى جزء ضئيل جداً منها اليوم".
يقول رئيس القسم المدني في وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق ألعاد غورين "معبر كرم أبو سالم يظل مفتوحاً ويعمل بانتظام بطاقته القصوى، ولا توجد أي قيود أو سقف محدد لعدد شاحنات المواد التموينية المخصصة للمنظمات الدولية كالمطبخ العالمي".
ويضيف "الأزمة برمتها تعود لعجز وكالات الأمم المتحدة والطواقم الإنسانية عن إدارة وتأمين سلاسل التوزيع الداخلية التابعة لها بعد تجاوز بوابات المعبر، وفشلها اللوجستي في حماية القوافل الإغاثية من النهب الفوضوي المحلي المستشري في غزة".
الجوع داخل الخيمة
داخل خيام النازحين تراجع عدد الوجبات وجودتها، إذ اضطرت الأمهات إلى تقنين ما يتوفر لديهن لتتحول دورة الغذاء إلى وجبة واحدة ضئيلة في اليوم.
ومع انعدام غاز الطهي، بات الاعتماد على المعلبات الباردة واللحوم والبقوليات المحفوظة من دون طهي أو تسخين، وترافق ذلك وسط غياب المياه النظيفة، مما أدى إلى موجة كارثية من الأوبئة والنزلات المعوية الحادة بين الأطفال.
تقول مريم المغاري "عندما توقف مطبخ المنظمة الدولية، أصبحنا نأكل معلبات الفاصولياء أو المرتديلا الباردة، الأطفال لا تتوقف بطونهم عن الألم، وأصيبوا جميعاً بإسهال حاد ونزلات معوية.
الفئات الهشة
أدى انهيار منظومة التكايا، إلى إقصاء الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع كالأيتام وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، إذ كانت المطابخ المجتمعية تؤمن لهم حصصاً ثابتة تصل إليهم بمراكز إيوائهم.
يحذر استشاري طب الأطفال والنمو محمد الرنتيسي من هذه التداعيات، ويقول "غياب المغذيات الساخنة والخضار التي كانت تؤمنها المطابخ المجتمعية أحدث فجوة بيولوجية غير قابلة للاحتواء في أجساد النساء الحوامل والأطفال".
ويضيف "نسجل حالياً ارتفاعاً متسارعاً وحاداً في حالات سوء التغذية الحاد، إذ تصل إلينا أمهات حوامل لا تتجاوز أوزانهن 45 كيلوغراماً، وأطفال حديثي الولادة ولدوا بأوزان حرجة جداً تقل عن كيلوغرام واحد".