ملخص
قبل أيام، أُعلنت محددات وقواعد البقاء على ذمة البطاقة، وجاءت الأسباب المعلنة متوقعة، إذ جرت مراجعة وتنقية وتنقيح الفئات المستفيدة من البطاقة، واستبعاد غير المستحقين للدعم لضمان عدالة التوزيع. ومحددات الاستبعاد تشمل امتلاك سيارة عالية القيمة والتحاق الأبناء بمدارس خاصة بمصاريف مرتفعة والسكن في "كومباوند" ومن يتجاوز دخله الشهري 24 ألف جنيه مصري، وأصحاب الشركات والسجلات التجارية، ومن يملك أراضي زراعية أكثر من 10 أفدنة، ومن جرى تحرير محاضر سرقة كهرباء ضدهم، والحاصلون على معاشات من دون وجه حق.
لديك سيارة حديثة نسبياً؟ تمتلك أرضاً زراعية شاسعة؟ تعيش في "كومباوند"؟ لديك شركة ومال وأعمال؟ أبناؤك في مدارس ذات مصاريف مرتفعة؟ فاتورة كهربائك عالية؟ تظهر عليك مظاهر الثراء أو الرفاه أو الرخاء؟ إذا كانت الإجابة نعم، فلا معكرونة، أو رز، أو زيت، أو فول، أو عدس، وبالطبع لا مربى أو حلاوة أو حليب لك. أما إذا جاءت الإجابة "لا"، فأنت أهل للدعم ومستحق للشاي وجدير بالسكر، لكن إلى حين.
سمّها "شبكة حماية اقتصادية واجتماعية"، أو واجب الدولة تجاه الفئات الأكثر احتياجاً، وفي أزمنة مضت، لكل الفئات، أو "عربون محبة ومودة" وربما مقايضة ومبادلة للمنافع والمصالح، أو حبلاً سرّياً يربط بين الدولة أو الحكومة (أية حكومة) وبين المواطن، تطل منظومة الدعم التاريخية على المصريين هذه الآونة إطلالة مختلفة بعد طول شد وجذب.
وبعد عقود من إعلانات متواترة عن حدوث تغيرات في تفاصيل الدعم، أعقبتها إجراءات جديدة خاصة بمكوناته وتحويلها من سلع عينية موحدة تعطى للجميع إلى نقاط مرنة يمكن جمعها واستبدالها، وإتاحة هوامش للاختيار وأخرى للاستبدال، ثم تلويح بورقة الدعم العيني بين الحين والآخر على مدى أعوام.
لكن تارة يجري التأجيل لأن الظرف السياسي لا يسمح، وأخرى يجري التسويف لأن حرباً نشبت في الإقليم أو أخرى اشتعلت في الجوار، يبدو أن وقت فطام المواطنين الباقين على ذمة بطاقة التموين والسلع الغذائية قد حان.
التنقيح جارٍ
التنقيح جارٍ على قدم وساق، والتدقيق يجري على أعلى مستوى. وعلى رغم أنها ليست المرة الأولى التي تلوح فيها الحكومات ببطاقة التموين في وجه المواطنين، من أجل الترشيد أو رفع الكفاءة أو إعادة توزيع الموارد أو لضمان وصول أموال الدعم إلى الفئات المستحقة أو لضمان استمرار برامج الإصلاح الاقتصادي أو غيرها من الأسباب، فإن "الحكاية بجد" هذه المرة.
جدية الحكاية، أو "الحكاية بجد" كما يشير المصريون في أحاديثهم عما يجري للبطاقة التاريخية التي كثيراً ما اعتبرها الأجداد والآباء وبعض الأبناء من أقوى دعائم العلاقة بين "الحكومة" (لكن المقصود هو الدولة) وبين المواطن، إذ إن "الحكومة"، أية حكومة، مسؤولة بالضرورة عن إطعام المواطن، أي مواطن.
عقود من الاعتماد الجماعي شبه الكامل على الحكومات المتواترة لتوفير السلع الغذائية الرئيسة للجميع تتآكل على مدى العقد ونصف العقد الماضيين. إنها العقود التي حملت معها رواسب زمن السياسات الاشتراكية من عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في ستينيات القرن الماضي، إلى عهدي الرئيسين الراحلين محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك، لكن بدرجات متفاوتة.
أجيال متتالية تعاملت مع بطاقة التموين باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من روابط العلاقة بين الشعب والدولة ممثلة بالحكومة. لم تكُن مجرد كراسة ضخمة ذات غلاف كرتوني متهالك في الغالب لفرط الاستخدام ذهاباً وإياباً شهرياً إلى بقال التموين، ومتخمة بأوراق تحوي أختاماً وتوقيعات، ناهيك عن قوائم التحذيرات والتوجيهات على الغلاف، حيث تسلُّم مواد تموينية وأقمشة لعدد أكبر من أفراد الأسرة الفعليين، أو عدم الإبلاغ عن تغيرات في عدد الأفراد، أو امتناع بقال التموين عن صرف المستحقات تعرض الشخص للمساءلة والعقاب.
كانت الكراسة ذات المخصصات التموينية من سلع غذائية رئيسة وأقمشة للبيجامات والزي المدرسي الموحد، سمة غالبية البيوت "اللي فوق، واللي تحت". ولم تكُن دلالة على ضيق ذات اليد، أو سعته، بقدر ما كانت "عربون محبة" في رأي بعضهم، ووسيلة لتفعيل أحد الأهداف الستة المعلنة لثورة الـ23 من يوليو (تموز) عام 1952، ألا وهو إقامة العدالة الاجتماعية، فتقليص الفوارق بين الطبقات، حتى لو كان ذلك من باب الأقمشة والسلع الغذائية.
ويرى بعضهم الآخر أن بطاقة التموين في أواخر الخمسينيات والستينيات كانت إحدى الترجمات الفعلية للسياسات الاشتراكية السائدة حينئذ. والمؤكد أن بطاقة التموين، على رغم أنها كانت موجودة خلال أعوام العصر الملكي، لكن بصورة أخرى، لم ترسّخ فقط شعبية عبدالناصر، لكن رسخت مبدأ بطاقة التموين حق لكل مواطن، بصرف النظر عن مدى حاجته إليها من عدمها.
زمن البطاقة للجميع
انتقلت البطاقة بسلاسة ويسر، وباعتبار أنها تحصيل حاصل من عصر عبدالناصر إلى عصر السادات، كان يحق لكل المصريين، بمن في ذلك الأثرياء القدامى والجدد الذين صعدوا على أكتاف سياسة الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات. الشروط أن يكون الشخص إما حامل بطاقة عائلية (أي متزوج)، أو شخصية، أي كل المصريين باستثناء غير الحاملين لبطاقات الهوية. ليس هذا فقط، بل إن المقررات الغذائية كانت تزيد في رمضان.
وعبرت البطاقة باعتبارها واجب الحكومة تجاه كل المصريين، إلى عصر مبارك. والعبور خلال الثمانينيات والتسعينيات تخللته تغيرات عدة، من بينها الطبقي الاجتماعي الاقتصادي، ومنها ما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية العامة.
كانت الظلال الطبقية أصبحت واضحة تماماً للجميع، لكن من دون المجاهرة بذلك. وظاهرة اكتناز البطاقة وسلعها التموينية التي بدأت جودتها تتدنى كانت استشرت بين الطبقات المقتدرة وغير المستهلكة لمقررات البطاقة. وأثرياء وأصحاب دخول مرتفعة ومترفعون عن أكل الرز "الكسر" وشرب الشاي المتهم بالاحتواء على "نشارة خشب" و"مسامير" لم يتنازلوا عن البطاقة، أو يعلموا الجهات المختصة بأنهم إما يخزنون السلع في بيوتهم، أو يتصدقون بها على الفقراء!
ومع تنبه الحكومات المتعاقبة خلال عصر مبارك لذلك، بالتزامن مع برامج "إصلاح اقتصادي" كان يدور معظمها، تلميحاً أو صراحة، في فلك تقليص الدعم على مراحل من أجل أهداف، معلنة أبرزها خفض عجز الموازنة والسيطرة على التضخم وضمان قدرة الدولة على سداد الديون، ومعالجة الاختلالات الهيكلية المتسببة في الأزمات والأوضاع الاقتصادية الصعبة، بدأت محاولات "إصلاح منظومة الدعم" تظهر على استحياء بين الحين والآخر.
ظلت هذه المحاولات تظهر حيناً، وتخفت أحياناً. تجس نبض الشارع مرة، ويجس الشارع نبض جدية الحكومة مرات. مرة يجري إيقاف إضافة المواليد الجدد، ثم تعود. ومرة تجري تجربة استبدال الدعم العيني عبر بطاقات التموين بنقدي على نطاق محدود في محافظات بعينها، ثم تعود الأمور لما كانت عليه. ومرة يتم اللجوء إلى سياسة تنقيح البطاقات، وتقسيم أنواعها بحسب الفئات (الطبقات)، فالنوع الأول بطاقات الدعم الجزئي للمقتدرين "نسبياً" وجرى تحديدهم على أسس طبقية ليضموا موظفي الشركات الأجنبية وأصحاب الشركات المحلية ومن يمتلكون أكثر من 10 أفدنة من الأراضي. والنوع الثاني بطاقات الدعم الكلي، وهم غير المقتدرين.
ومن دون توثيق التغيرات الاجتماعية، أو تسجيل للمظاهر الطبقية، بدأت مشاعر الخجل تتسرّب بين حاملي بطاقات الدعم الكلي أمام حاملي بطاقات الدعم الجزئي. وبدأ بعضهم يتحدث عن "البطاقة المركونة في الدرج" منذ أشهر أو أعوام، في إشارة إلى عدم استخدامها، مما يعني بحبوحة العيش وسعة ذات اليد.
وللمرة الأولى منذ سنوات الحرب العالمية الأولى التي شهدت دعماً رسمياً لسلع غذائية للمصريين بسبب ظروف الحرب وارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم، شهدت البطاقات تقليصاً كبيراً خلال عهد مبارك. وبدلاً من غالبية مطلقة بلغت 99 في المئة من المصريين تحمل البطاقة بنوعيها، انخفضت النسبة إلى نحو 70 في المئة، مع الإبقاء على دعم "رغيف العيش".
"رغيف العيش" ظل عقوداً رمانة ميزان وأداة الضبط السياسي ومهدئ الروع الاقتصادي ومسكن الفزع الاجتماعي، يستوي في ذلك الغني والفقير، المقتدر ونصف المقتدر ومعدوم القدرة. ظلت حال الرغيف مدعومة مسنودة ممولة بصورة شبه كاملة من قبل الدولة في مختلف العصور السياسية، حتى بعد تسلل الطبقية إلى "رغيف العيش"، بين رغيف سياحي وطباقي وسن ومرحرح وبحبة البركة، وغيرها من أنواع غير مدعمة.
وظلّ الرغيف البلدي الأساسي والأصلي مدعماً، وإن تعرض لكثير من الهزات نالت من حجمه ووزنه، أزمات أثرت سلباً في مظهره وجودته، لكنه ظل في القلب من أحداث وحوادث وتكوين مصر والمصريين، على مدى رحلته من رغيف مدعوم ثمنه مليم (القرش 10 مليمات، والجنيه 100 قرش) إلى رغيف مدعوم بتعريفة (خمسة مليمات)، إلى رغيف مدعوم بقرش ثم قرشين ثم ثلاثة ثم خمسة قروش، لتُثبت القيمة على مدى 36 عاماً (1988 - 2024)، قبل أن يقفز إلى 20 قرشاً في 2024، ليستقر عند هذا السعر مع تحديد خمسة أرغفة لكل مواطن مقيد في بطاقات التموين، لكن كلفته الحقيقية 150 قرشاً.
هل فقد الرغيف مكانته؟
تدريجاً وفي سكون ومن دون ضجيج، بدأ "رغيف العيش" المدعم يفقد مكانته، فلم يعُد المساس به من ناحية التلويح برفع سعره، أو تحديد العدد المسموح به في البطاقة، أو النيل من حجمه أو التنويع في مكوناته، تسفر عن غضب شعبي وهبات سياسية وهزات اجتماعية.
والتفسيرات كثيرة، فبين قائل إن الرغيف المدعم لم يعُد يقوم بدور البطولة على موائد المصريين البسطاء، باختلاف درجات "البساطة"، وآخر مرجح أن الخبطات باتت كثيرة والهزات أصبحت متلاحقة، ولا سيما ارتفاع الأسعار والخدمات المستمر، مما أكسب كثراً نوعاً من الصلابة، وفي قول آخر بلادة في ردود الفعل. ويشير آخرون إلى تغيرات عدة طرأت على مفهوم الفقر في مصر، وهي التغيرات غير المكتوبة، لكنها مرصودة.
ومشهد شراء عمال يومية لثلاثة أو أربعة أرغفة خبز "سياحي" (بسعر جنيهين للرغيف الواحد) لم يعُد غريباً. كما أن استمرار استخدام بعضهم من مستحقي الدعم للخبز المدعم لإطعام الحيوانات والطيور التي يربونها في بيوتهم لأغراض الاستخدام أو للبيع شاهد آخر على تغيرات صامتة في مفهوم الفقر. إنها التغيرات التي لا تعني ارتفاع مستوى المعيشة، أو خروج الملايين من المناطق المحيطة بخط الفقر.
يُشار إلى أن تقديرات معدلات الفقر في مصر تختلف أرقامها بحسب الجهة المعلنة عنها خلال الأعوام الأخيرة، فبحسب "البنك الدولي" (2021)، تقدر النسبة بـ33.5 في المئة، إذ زاد الفقر بين الطبقات العاملة بسبب الضغوط الاقتصادية الكثيرة. أما الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فيقدر النسبة بـ29.7 في المئة.
ويبقى "رغيف العيش" في خانة أو مكانة مختلفة، حيث الفئات الأولى بالرعاية هي الأكثر استفادة من استمرار دعم الدولة له. يصنفون فقراء، أو يوصفون بالأشد احتياجاً، أو يُشار إليهم بـ"الفقراء" من دون حذف أو إضافة، كل ذلك لا يهم. المهم، عدم المساس بدعم الرغيف لحين إشعار آخر.
والتصنيف الطبقي والتفنيد الاجتماعي والتوصيف الاقتصادي لساكني قاعدة الهرم في مصر، أمور لم تكُن تشغل بال مصريين كثر حتى أعوام قليلة مضت، لكن بقاء الحال من المحال واتساع الفجوات الشديد وتعميق الهوات بين الرهيب وصلت إلى درجات مدهشة ومخيفة في آن.
خبراء الاجتماع والاقتصاد يسمون ذلك "اتساعات شديدة" في الفجوات الطبقية، ويدرسونه باعتباره تفاوتاً في أنماط الاستهلاك وقدرات الاندماج في المجتمع، وتتطرق دراسات وأوراق إلى الأسباب والعوامل المسببة لهذه الفروق بين فقر متعدد الأوجه يضرب نحو 21 في المئة من المصريين، ويعني (بحسب دراسة لـ"يونيسيف" صدرت عام 2024) إن مقياسين في الأقل من مجموع 19 مقياساً يصيب الشخص الواحد مثل التعليم والصحة وخدمات السكن والعمل والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي، وثراء كبير يتركز في عدد محدود من الأفراد مثل أرقام وردت ضمن تقرير لشركة "نايت فرانك" للاستشارات قبل أيام، وتشير إلى أن عدد المصريين الذين تزيد ثروة كل منهم على 30 مليون دولار عام 2026 بلغ 822 شخصاً، وأن العدد ارتفع نحو 18.9 في المئة خلال السنوات الخمس الأخيرة، مع توقعات بأن يصل العدد إلى 977 شخصاً عام 2031.
أجواء "الفقراء" ضبابية
في الوقت نفسه، تحوم أجواء ضبابية في محيط "الفقراء"، وعنهم. وبعيداً من أنهم تحوّلوا من "فقراء" إلى "الفئات الأكثر احتياجاً" أو "الأولى بالرعاية" أو "أهالينا"، وبعيداً من محددات الفقر في مؤشر البنك الدولي إذ إن 2.15 دولار في اليوم فقر مدقع، أو مؤشر الإنفاق والاستهلاك في مصر، فكم أنفقت الأسرة على التعليم أو الكهرباء أو الصحة وغيرها، فإن المسألة باتت وثيقة الصلة بمفهوم الدولة، ممثلة بالحكومة للتقسيم الطبقي الذي سيتحدد على أساسه من يحصل على ماذا؟
تغير مفهوم الطبقات الاجتماعية أو الاقتصادية أو الاثنتين معاً تغير جذرياً من تعريفات تاريخية جامدة وراسخة، وأخرى اقتصادية لا تعترف إلا بالمعادلات الرياضية والعلمية، إلى هيكل جديد حديث تشكله تغيرات جذرية في السياسات الاقتصادية والأولويات الحكومية وفجوات الثروات العميقة، وكذلك أحداث إقليمية وعالمية تؤثر في الجميع رغماً عنهم.
كان واقع الحال في مصر ورؤى العين وحدهما يشيران حتى أشهر قليلة مضت إلى أن الفروق الطبقية وتعريف كل طبقة يحددهما نوع التعليم الذي يحصل عليه الصغار، وحجم وفئة الأملاك من عقارات وأراضٍ وأسهم ومدخرات وغيرها، وقدرة الأسر والأفراد على التعامل أو التعايش في كنف التضخم، إضافة إلى الفئة التي ينتمي إليها "رغيف العيش"، هل هو مدعم بـ20 قرشاً، أم خارج الدعم بأسعار تبدأ من جنيهين للرغيف، وقد تصل إلى 100 جنيه وأكثر، بحسب هويته وجودة مكوناته وعدد شرائحه التي يمكن حشوها بالجبن الفرنسية أو السلمون النرويجي أو حتى بمكونات نباتية مراعاة للبيئة وحفاظاً على الصحة.
يُشار إلى أن المنطقة بالغة الحساسية المعروفة بـ"رفع أو تقليص أو تقليل دعم رغيف العيش" كثيراً ما أربكت حكومات وأثارت ذعر وزراء واستدعت حسابات سياسية واجتماعية واقتصادية ما أنزل الله بها من سلطان. وعقود طويلة وحكام مصر وحكوماتها يدركون تماماً أن دعم الخبز، حتى لو لم يكُن النظام ذا فاعلية، وحتى لو كان يجري إطعام جزء منه للبهائم والطيور، ومهما بلغ من رداءة في القلب والقالب، فهو ضامن لرضا الناس واستقرار الشارع.
تقول الباحثة في الاقتصاد والسياسة العامة سلمى حسين في ورقة عنوانها "دعم الخبز جيد: لماذا يتم إلغاؤه؟ الاقتصاد السياسي لسياسات الموازنة" والمنشورة على موقع "حلول للسياسات البديلة" التابع للجامعة الأميركية في القاهرة (2024) إن رضا المصريين عن الحكومة، أية حكومة، يعتمد على الحفاظ وتطوير درجة ولو دنيا من الرفاه، لذلك فإن المساس بأي من عناصر الاستقرار، ولا سيما خلال الأوقات الصعبة، سواء السياسية أو الاقتصادية، على الصعيدين المحلي والعالمي. وتخلص الباحثة إلى ضرورة أن تكون الحكومة حريصة في اختيار توقيت اتخاذ القرارات التي تمس السياسة أو الاقتصاد أو الشارع.
أغلب الظن أن مسألة رفع، أو تقليص، أو تقليل، أو تقييد الدعم على "رغيف العيش" لم تعُد (وحدها) المقياس أو المعيار الوحيد لرضا الشارع، أو إلحاق الضرر بطبقات دون غيرها. فبات الوضع أكثر تشابكاً، وعناصر الرضا أكثر تعقيداً، والمحددات الطبقية أكثر التباساً.
البقاء على ذمة البطاقة
قبل أيام، أُعلنت محددات وقواعد البقاء على ذمة البطاقة، وجاءت الأسباب المعلنة متوقعة، إذ جرت مراجعة وتنقية وتنقيح الفئات المستفيدة من البطاقة، واستبعاد غير المستحقين للدعم لضمان عدالة التوزيع. ومحددات الاستبعاد تشمل امتلاك سيارة عالية القيمة والتحاق الأبناء بمدارس خاصة بمصاريف مرتفعة والسكن في "كومباوند" ومن يتجاوز دخله الشهري 24 ألف جنيه مصري، وأصحاب الشركات والسجلات التجارية، ومن يملك أراضي زراعية أكثر من 10 أفدنة، ومن جرى تحرير محاضر سرقة كهرباء ضدهم، والحاصلون على معاشات من دون وجه حق.
وهذه المحددات "الطبقية" تعكس رؤية الحكومة للتقسيم الطبقي الحالي، من دون الحاجة إلى اللجوء إلى تعريفات المؤسسات المالية الأممية لخط الفقر وتقديراته الدولارية، أو التنقيب فيمن يحمل بطاقة تموين لكن يعيش في رفاه ونعيم ويأكل الخبز السياحي، أو الدخول في دوائر عدد المستفيدين من البطاقة، وهل هم يشكلون بالفعل حملاً على الحكومة وموازنتها أم لا؟
قبل أيام، قال مسؤول في وزارة التموين والتجارة الداخلية خلال تصريحات صحافية إن عدد المواطنين الذين جرى حذفهم من منظومة الدعم التمويني في الشهر الجاري فقط، بلغ 850 ألف مواطن، بحسب محددات العدالة الاجتماعية ومعايير استحقاق الدعم. مؤكداً أن الوزارة تستهدف تنقية البيانات وتحديث قاعدة البيانات والمستفيدين من أجل ضمان إيصال الدعم لمستحقيه، مؤكداً أنه "لا مساس بالأسر الأولى بالرعاية والأكثر فقراً".
من جهة أخرى، فقد أعلن عن نية التحول من الدعم العيني إلى النقدي، وهي النية المبيّتة منذ ما لا يقل عن عقدين، لكن ظلت الحكومات المتعاقبة متخوفة، أو متحسسة، أو متشككة في إمكان التحول الذي يشكل قطعاً لحبل الدعم السرّي الذي يربط نفسياً بين المواطن والحكومة على مدى عقود طويلة.
وبعد ما كان الموعد المحدد لبدء تطبيقه يوليو (تموز) المقبل، عاد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، وقال إن الدعم النقدي سيطبق في العام المالي المقبل، لكن ليس أول يوليو، مما يعني أنه ربما يكون منتصف يوليو مثلاً.
وكرر رئيس الوزراء المصري الدق على وتر الطبقات (الفئات) المستحقة وغير المستحقة، إذ لا يعقل أن يحصل من يسكن في "كومباوند" فاخر، أو يمتلك سيارة فارهة أن يحصل على دعم للسلع الغذائية عبر بطاقة تموين أو غيرها. إنه الوتر الطبقي الذي يتم الدق عليه باستمرار هذه الآونة استعداداً للمرحلة المقبلة من تقليص وتحديد أعداد المستفيدين من البطاقة أو منظومة الدعم، بحسب الفئة والطبقة.
تقسيم طبقي "رسمي"
طبقة ساكني "الكومباوند" وراكبي السيارات قد لا تكون طبقة قائمة بذاتها، لكنها تبدو هكذا في ضوء التقسيم الطبقي "الرسمي" الجديد. وبعيداً من التفاوتات الرهيبة في مستوى "الكومباوندات"، حيث شقق في بعضها لا يزيد سعرها على مليون جنيه مصري، ووحدات في أخرى تفوق الـ100 مليون جنيه، تبقى المسألة الطبقية في ملعب السيارات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قبل أيام، وأثناء اجتماع لـ"لجنة الشؤون الاقتصادية" في مجلس النواب المصري لمناقشة مسألة الدعم والبطاقة ومحددات البقاء ومعايير الإلغاء، قال مساعد وزير التموين للخدمات الرقمية محمد شتا إن محددات العدالة في حذف بعض المواطنين من بطاقة التموين هي ارتفاع مستوى الدخل والقدرة المادية مثل السكن في "كومباوند" الوحدة فيه لا تقل عن 10 ملايين جنيه، مما دعا النواب إلى مطالبته بـ"خليك في اللي تحت"، أي التركيز على الطبقات الأكثر احتياجاً. فانتقل من "الكومباوند" إلى السيارة، معيار آخر للثراء والرفاهية، لكنه لم يتحدث عن أية سيارة، فقط السيارات التي تزيد على ألفي "سي سي"، وتفوق قيمتها مليوني جنيه مصري. وأضاف "اكتشفنا أن من بين المحذوفين من البطاقة شخص يمتلك سيارة لامبورغيني".
يُشار إلى أن سعر الـ"لامبورغيني" يراوح ما بين 250 ألفاً و900 ألف دولار أميركي، مما يتعارض ورز التموين وزيته وبقولياته، ويتناقض ومنظومة الدعم سواء كان عينياً أو نقدياً، بل يتسبب في صدمة ثقافية وفزعة اقتصادية وهزة اجتماعية.
هزة من نوع آخر جرت عقب حديث الـ"لامبورغيني"، لكنها هزة شعبية بدأت ببحث وتنقيب عن الـ"لامبورغيني"، لمعرفة المقصود والقيمة، وكان التعليق الأكثر انتشاراً "نحن على فيض الكريم".