ملخص
الأسبوعان المقبلان لن يحسما شكل "اليوم التالي" وحسب، بل سينقشان مستقبل القطاع لأعوام.
يعلق وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير "لن نقبل بخدعة دفاتر الجرد الفلسطينية، إن منح اللجنة الوطنية لغزة صلاحية السيطرة على مخازن السلاح والأنفاق يعني ببساطة شرعنة وجود ’حماس‘ بأسماء جديدة".
حين التقى المدير التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لطرح مسودة هدنة الأيام الـ14، كان الطرفان يدركان أن المقترح يمس بندقية غزة.
في منعطف دراماتيكي طرأ هذا الأسبوع، توصل مجلس السلام وحركة "حماس" إلى اتفاق مبدئي غير مسبوق يقضي بقبول الفصائل الفلسطينية نزع سلاحها. هذا التنازل الصعب الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنفسه، وضع غزة أمام خريطة طريق جديدة تقلب موازين الصراع.
أعد ملادينوف وفريقه خريطة طريق مكونة من 15 بنداً، ويكمن جوهرها وثقلها في سحب السلاح، ودخول لجنة التكنوقراط وانتشار قوة الاستقرار الدولية بالتزامن مع انسحاب الجيش الإسرائيلي الشامل.
لكن لتجد هذه العناوين الثقيلة طريقها إلى التنفيذ اللوجيستي على الأرض، اقترح مجلس السلام هدنة الأيام الـ14 لتفكيك ألغام البدايات وتجهيز الترتيبات الفنية.
ونص الملحق الأمني الفني لـ"خريطة طريق غزة"، على أن "تمنح الأطراف مهلة زمنية موقتة مدتها 14 يوماً من تاريخ التوقيع على هذا الاتفاق، وتخصص هذه المهلة كفترة سماح وتجهيز فوري لإعداد الجداول الزمنية والترتيبات الأمنية، على أن تجمد خلالها كافة العمليات العسكرية الهجومية والغارات الجوية من الجانبين تمهيداً لانتشار القوات الميدانية".
وبينما يصر الوسطاء الدوليون على تسمية الـ14 يوماً "المهلة التنفيذية التمهيدية"، لا يرى فيها المواطن في غزة سوى "هدنة موقتة" جديدة لالتقاط الأنفاس.
هذه المهلة الموقتة المقترحة من مجلس السلام ليست مجرد أسبوعين كُتِبا في ذيل الاتفاق، ولا "هدنة تقليدية" لمنح الغزيين فرصة لالتقاط الأنفاس، وإنما الممر الإجباري والاختبار الأكبر الذي سيحسم مصير القطاع لأعوام مقبلة.
ماذا تعني الـ14 يوماً؟
تمثل الأيام الـ14 طريقاً بالغ التعقيد، خلالها سيجري وضع آليات تفكيك إرث ممتد من العمل العسكري المسلح في قطاع غزة وتحويله إلى صيغة حوكمة جديدة.
على الورق، ووفقاً لترتيبات خريطة الطريق، فإن هذه المهلة تنقسم إلى مسارات متوازية تبدأ فوراً وبصورة متزامنة، حيث يوضح الملحق الأمني أن الهدف هو "خلق بيئة صفرية من العمليات العدائية وتثبيت بروتوكول إنساني شامل يتزامن مع فتح المعابر وتدفق المساعدات".
تفرض المهلة على الفصائل الفلسطينية استحقاقاً هو الأقسى تاريخياً، حيث يبدأ عملياً جدول زمني صارم لحصر السلاح وتخزينه وإغلاق مستودعات الأنفاق ومواقع التصنيع.
في أول دقيقة من هدنة الأيام الـ14، يجب على الفصائل الفلسطينية فتح "دفاتر الجرد" لترسانتها العسكرية، ولن تشهد هذه المرحلة أي تسليم للسلاح، وإنما ستقوم الفصائل بحصر الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.
ويعلق الباحث السياسي صابر العشي قائلاً "جوهر المناورة في الأسبوعين الأولين ليس تجريد الفصائل من أوراقها، بل نقل شرعية البندقية إلى مظلة وطنية تكنوقراطية، الصراع الآن على صياغة محاضر الجرد المشتركة التي ستحدد من يملك الكلمة الأخيرة على الأرض".
ويضيف "المعضلة تكمن في كيفية جرد الترسانة الصاروخية ومسح شبكات الأنفاق خلال 14 يوماً فقط، من دون إحداث احتكاك ميداني مباشر بين مقاتلي الفصائل واللجان الدولية، ومن دون كشف الأسرار العسكرية الحيوية للجانب الإسرائيلي الذي يحاول استخدام المهلة كغطاء استخباراتي".
وجاء في تقرير تقدير موقف صادر عن "مركز الدراسات الأمنية في جنيف" أن "إغلاق شبكة أنفاق معقدة كشبكة غزة من دون تدمير الشبكات الحيوية فوق الأرض يتطلب مسحاً جيوفيزيائياً يستغرق أشهراً لا أياماً. بناءً عليه، فإن مهلة الـ14 يوماً ستكون بمثابة إعلان التزام سياسي بالإغلاق، أكثر من كونها إنجازاً هندسياً كاملاً على أرض الواقع".
في الواقع، تقوم فلسفة الـ14 يوماً على ثلاث ركائز هيكلية تضمن عدم انهيار الاتفاق، الأول عسكرياً: ويلزم الجيش الإسرائيلي ببدء رسم جداول انسحاب قواته وإعادة تموضعها خارج الحدود بالتزامن مع كل خطوة جرد موثقة.
لم تقبل الفصائل فتح مخازنها من دون ضمانات ميدانية، لذلك اعتمد مجلس السلام مبدأ الخطوة مقابل الخطوة، وهذا يعني أنه مقابل كل قائمة جرد موثقة تسلمها اللجنة الوطنية للجنة التحقق الدولية، تلتزم إسرائيل بانسحاب عسكري موازٍ وملموس من المناطق والمحاور التي توغل فيها الجيش.
يقول الباحث العسكري مؤمن شاهين "الجدولة الموازية هي هندسة عكسية للحرب، أي خلل في التوقيت من أي طرف، سواء بتباطؤ الانسحاب أو إخفاء مخزن سلاح، سيعني فوراً انهيار المهلة والعودة إلى نقطة الصفر الحربية".
أما الركيزة الثانية هي البعد الأمني: وفيه يجري التأسيس الفوري لانتشار قوة الاستقرار الدولية لتولي المهمات السيادية، بالتوازي مع بدء تشكيل نواة الشرطة المحلية من عناصر تكنوقراط غير مسيسة لضبط الأمن الداخلي.
والثالثة إدارياً: يجري فيها تسلم السلطة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة وتثبيت أقدامها لتسلم مقار الوزارات والبلديات والمؤسسات العامة وتسيير الحياة المدنية.
يقول ملادينوف "النجاح في الأسبوعين الأولين هو صمام الأمان للعبور نحو البنود الـ15 الكاملة في المرحلة الثانية، تستمد هذه المهلة التنفيذية وإجراءاتها الصارمة شرعيتها من غطاء قانوني دولي، فهي تستند مباشرة إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، الذي يمنح مجلس السلام الصلاحية القانونية للإشراف على ترتيبات اليوم التالي".
كيف يقرأ الأطراف دفاتر الجرد؟
تحولت مهلة الـ14 يوماً إلى ساحة اشتباك تفسيري حاد بين "حماس" وإسرائيل، في العلن يدور الحديث عن جداول فنية ومواقيت زمنية، لكن خلف الأبواب يدور صراع حول مفهوم السيادة والشرعية.
ومما ساعد على تفجير هذا الاشتباك التفسيري أن الطرح الفني الأولي كان يقوم على أساس مفهوم الخطوة مقابل الخطوة، لكن أثناء زيارة ملادينوف إلى إسرائيل قفز مجلس السلام عن ذلك إلى مفهوم "الترتيب المتعاقب".
يقرأ كل طرف أسطر "دفاتر الجرد" بعيون مغايرة تماماً، محاولاً تحويل النصوص المطاطية إلى مكاسب لمصلحته، حيث تنظر حركة "حماس" وبقية الفصائل الفلسطينية إلى هذه المهلة بصفتها اختبار نوايا.
يقول متحدث "حماس" حازم قاسم "أبدت جميع الفصائل مرونة تكتيكية عالية بقبولها المبدئي بالخريطة ونقل صلاحيات السلاح والخدمات المدنية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة".
ويضيف "’حماس‘ متمسكة تماماً بما جرى الاتفاق عليه مع الوسطاء ومجلس السلام، وتطالب واشنطن والمبعوث السامي نيكولاي ملادينوف بالضغط على إسرائيل للالتزام بالاتفاق حتى نرى خطوات عملية وجادة على الأرض".
وبالنبرة ذاتها، يقول عضو وفد "حماس" المفاوض غازي حمد "هذه المفاوضات كانت صعبة ومعقدة، وحاولنا الوصول إلى أفضل صيغة ممكنة يمكن تحقيقها، ولكن حركة ’حماس‘ لن تنفذ أي جزء من هذا الاتفاق إذا لم يفِ الجانب الإسرائيلي بالتزاماته، فعملية نزع السلاح مرتبطة بالكامل بانسحاب إسرائيل من غزة والتقدم في ملف إعادة الإعمار".
في المقابل، تقرأ المؤسسة العسكرية والحكومية الإسرائيلية مهلة الـ14 يوماً من زاوية أمنية واستخباراتية متشددة، ووصفتها بـ"نافذة اشتراطات يجب استغلالها لفرض تجريد كامل وفوري لغزة من السلاح قبل الإقدام على أي خطوة انسحاب".
يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "أنا لا أخفي خلافاتي مع ترمب في شأن هذا الاتفاق الأخير، وقطاع غزة يجب أن يكون منزوع السلاح تماماً وبصورة كاملة قبل الانتقال بأي صورة من الصور لمرحلة إعادة الإعمار".
من جانبه، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير "قواتنا ستواصل العمل بطريقة استباقية وهجومية في قطاع غزة بناءً على المبدأ الذي رسخناه، ولن نسمح أبداً بأن ينشأ على حدود إسرائيل أي تهديد يشبه ما حدث في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023".
ويعلق وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير "لن نقبل بخدعة دفاتر الجرد الفلسطينية، إن منح اللجنة الوطنية لغزة صلاحية السيطرة على مخازن السلاح والأنفاق يعني ببساطة شرعنة وجود ’حماس‘ بأسماء جديدة، مطلبنا واضح وصارم الـ14 يوماً هي مهلة لتدمير السلاح وإغلاق الأنفاق نهائياً تحت إشرافنا، والانسحاب لن يبدأ طالما بقيت هناك رصاصة واحدة ليست تحت الرقابة المباشرة لجيشنا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقود المبعوث السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف مناورة دبلوماسية مكثفة على مدار الساعة لخفض التصعيد الميداني، محاولاً ردم فجوة التأويل عبر ترحيل خطوة الانسحاب إلى ما بعد التوثيق لتهدئة الهواجس الإسرائيلية.
يقول ملادينوف "انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأصفر في غزة لن يحصل إلا بعد استكمال عملية نزع السلاح بالكامل في القطاع، بما يشمل تحييد الأسلحة الخفيفة والثقيلة وتفكيك شبكات الأنفاق وفق ما التزمت به ’حماس‘ أمام الوسطاء".
ويضيف "نحن لا نطرح الـ14 يوماً كحل نهائي، بل كآلية لبناء الثقة المفقودة، ندرك مخاوف إسرائيل الأمنية وحساسية الفصائل تجاه سيادتها، ولهذا جعلنا اللجنة الوطنية لغزة هي الجسر، فهي تمنح الفلسطينيين السيادة على سلاحهم، وتمنح المجتمع الدولي والجانب الإسرائيلي آلية موثقة للتحقق عبر قوة الاستقرار الدولية. لا بديل عن نجاح هذه المهلة، لأن البديل هو حرب بلا نهاية".
وفي محاولة إقليمية لإنقاذ المسار ومنع انهياره تحت وطأة الغارات، دخلت العواصم الضامنة على الخط، إذ صرح وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي قائلاً "نشير إلى الأهمية البالغة لمباشرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة مهماتها فوراً من داخل القطاع لإدارة هذه المرحلة بكفاءة، ونؤكد على ضرورة امتناع جميع الأطراف عن اتخاذ أي إجراءات عسكرية أو ميدانية من شأنها تقويض مسار تنفيذ الخطة".
حقل ألغام
في وقت صُممت فيه مهلة الـ14 يوماً لتكون ممراً آمناً نحو الاستقرار، إلا أنها تضمر في أحشائها حقل ألغام، حيث تبرز معضلة القوة الدولية وتحديات لجنة التكنوقراط وفجوة الثقة الميدانية كأبرز العقبات التي تهدد بابتلاع الاتفاق قبل نفاذه.
على الورق، يُفترض أن تتسلم قوة الاستقرار الدولية المهمات الأمنية فور البدء في حصر السلاح، لكن الواقع يتحدث عن تعثر لافت، فبينما كانت الخطط تطمح لنشر آلاف الجنود، لا يزال الانتشار الأولي متعثراً.
يقول الباحث السياسي فادي العويطي "تكشف كواليس الاتفاقات الموقعة عن قيود حادة تمسك يد القوات الدولية، فإسرائيل لم تكتفِ بتوقيع اتفاق قانوني ينظم عمل هذه القوة، بل أخضعتها لنظام تنسيق مباشر وصارم مع الجيش الإسرائيلي، مع منح عناصرها حصانة قانونية محددة فقط في المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر".
ويضيف "يمنع الاتفاق هذه القوة من دخول مناطق حيوية قبل التأكد من التجريد الكامل لسلاح ‘حماس‘، مما يحولها عملياً إلى قوة مراقبة معطلة الصلاحيات في مفاصل الحسم الميداني".
ومن جانبه، يقول الباحث في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي يوحنان تسوريف "هذه الاشتراطات تعكس أزمة ثقة بنيوية في الرؤية الأمنية الإسرائيلية، إذ يخشى صناع القرار في تل أبيب أن تتحول مشاركة دول مثل المغرب بضباط سامين وجنود في المرحلة الأولى إلى عائق ميداني يقيد حرية تحرك الجيش".
ويضيف تسوريف "التخوف الإسرائيلي الأكبر يكمن في أن وجود هذه القوات الدولية، على رغم رمزيتها، قد يمنح الفصائل الفلسطينية فرصة ذهبية لاستعادة قدراتها العسكرية وإعادة تنظيم صفوفها خلف ستار الشرعية الدولية المتمثل في هذه القوة".
ويتابع "المشكلة قد تتعدى حدود انتشار القوات لتصل إلى صلب العمل الاستخباراتي، حيث تبرز مخاوف جدية من استغلال إسرائيل للأسبوعين كفترة استطلاع لمسح إحداثيات المستودعات تمهيداً لضربها لاحقاً، وبخاصة أن إسرائيل هي الجهة الوحيدة التي تملك صلاحية تحديد الدول المسموح لها بالمشاركة في القوة الدولية".
يوضح العويطي أن هذا التوجس يلقي بظلاله على قدرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة على تولي المهمات في بيئة ممزقة، فبينما ينتظر من التكنوقراط تسلم المؤسسات، تبقى فجوة الهدنة الموقتة تهدد بالانفجار الداخلي مع سلاح العائلات الذي قد يرفض الانصياع لدفاتر الجرد قبل رؤية انسحاب إسرائيلي حقيقي يتجاوز الوعود الورقية".
أكدت الطواقم الحكومية في غزة جاهزيتها الكاملة لتسليم الهياكل التنظيمية وكشوفات الموظفين، ويقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة "حجم الكارثة الإنسانية لم يعد يحتمل مزيداً من التأخير، لذا يجب على اللجنة الوطنية الدخول فوراً لاستلام مهماتها التاريخية والوطنية لإنقاذ الواقع الخدمي المنهار".
وتتجلى ذروة القلق في الصراع على جغرافيا غزة، حيث تتمسك إسرائيل بالسيطرة على الخط الأصفر وترفض الانسحاب منه ما لم تجرد حركة "حماس" والقطاع من السلاح بالكامل.
هذا التصلب الإسرائيلي يضع الغزيين في حال من الشك والريبة، فالناس في الشوارع يتساءلون "عن أي اتفاق يتحدثون بينما الموت لا يزال يسكن أحياءنا؟".